رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مجتمع الطاعة وليس مجتمع العصيان..؟!

مقالات الرأى

الثلاثاء, 14 فبراير 2012 09:27
بقلم -د. أسامة أبو طالب

تقول القراءة المتبصرة لتاريخ مصر ولشخصية المصريين إنهم أسهل شعوب الأرض حكما وأسلسهم قيادة. ليس لكونهم جهلة بل لأسباب كثيرة أخرى ترتبط بالتاريخ والجغرافيا وكيمياء جنسهم البشري والعناصر الإنسانية الوافدة التي دخلت وتدخل حتى الآن في تكوينه.

لكن قبل كل ذلك ينبغي علينا أن نفرق بين شعب أمّي لم يتعلم – أو بالأحرى لم يقبل حكامه أن يعلموه - وبين شعب لا يقرأ ولا يكتب لكنه واعٍ ومتحضر كما يثبته ويؤكده اختبار المحن وامتحان الأزمات بشواهد كان آخرها وأكثرها تعبيرا هو ثورة الخامس والعشرين من يناير حين وقف العالم متعجبا دهشا يتفرج ويراقب ويفنّد نيابة عنا كل مزاعم الطغيان - التي وصمتنا بالجهل واتهمتنا بغيبة الوعي والتعصب الديني علاوة على عدم تأهلنا للديمقراطية – بنجاح أول برلمان مصري بالانتخاب الحر الذي فاق الإقبال عليه أعلى درجة من التمنيات الطيبة والتوقعات المتفائلة. مثلما خذل نقاء التصويت وانضباط الممارسات في جلساته التي جرت حتى الآن كل التوقعات المتشائمة والتربصات الشامتة المنتظرة للفشل والمحاولة بأقصى طاقتها وجهدها أن يرجع التاريخ للخلف وأن يعود الزمن إلى الوراء.
كما يدّعي أصحاب القراءة السطحية للتاريخ أن المصريين ظلوا طوال عمرهم شعبا مطيعا لحكامه. ويدللون على ذلك بحقب فرعونية أبقته آلاف السنين تحت حكم «أبناء الآلهة». وبقرون متتالية من الحكم الأجنبي لمصر يتقاسمه بالتبادل يونانيون ورومان وأتراك ومماليك وألبان مستجلبون وفاطميون وفرنسيون وإنجليز دون محاولة من أهلها لحكم أنفسهم بأنفسهم. وهو زعم مخالف للحقيقة حيث يثبت التاريخ ثورات عديدة قام بها أهل مصر ردا على الأجنبي المحتل اتخذت شكل المقاومة المسلحة في كثير من الأحيان في الهبّات الأولى بل الثورات الوطنية ضد المماليك قبل ثورة عرابي ومطالبته غير المسبوقة باسم الشعب والجيش «المصري» معا بخلع الخديوي الخائن ورحيل الإنجليز. ومنها ثورة القاهرة الأولى والثانية ضد الفرنسيين ثم وقفتهم المؤيدة لمحمد على حتى نجحوا في تنصيبه – بإرادتهم – واليا على مصر رغم

أنف الأستانة. أما لماذا لم ينادوا بتنصيب زعيمهم المقدام المسموع الكلمة «الشيخ عمر مكرم» فلأن مصر آنذاك كانت ولاية تابعة للسلطان العثماني أولا. وثانيا: لأنه لم يكن للمصريين جيش يدعم هذا المطلب ويحميه بل كان الجيش كله فرقا أجنبية من أتراك وأرنؤوود وشركس وألبان. ثم ما تلي ذلك من اشتعال ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول مرورا بسنوات من النهضة والوعي رائعة حتى قيام حركة 1952 التي حولها الشعب بإرادته إلى ثورة عندما لاءمته أهدافها ثم انتكست بفعل الاستبداد والتعاظم وأسلمتنا إلى أولى حلقات الفساد الذي لا نزال نعاني من آثاره ونتائجه وبواقيه!
وهكذا يقرأ التّبصّر المدرك لحقيقة هذا الشعب شخصيته ليس باعتباره جاهلا سهل الانقياد بل باعتباره أسلس شعوب العالم في الحكم شريطة أن يكون الحاكم عادلا. وأكثرها قناعة بشرط أن يكون ساسته طاهري الأيدي. وأشدها طاعة إذا تجسدت أمامه القدوة فاحتذى بها. ذلك لأن المصري لا يطلب في حياته وبعد وفاته سوى «الستر». والستر رغم كونه كلمة معروفة إلا أنها تعني لدى المصريين أكثر من معناها في القواميس. فهي الرضا وهي التعفف وهي القبول بالعيش البسيط من رزق حلال والوقاية من العوز. مثلما تعني العفة وتشير إلى الأمن والأمان في ظل مجموعة القيم الضامنة – دينيا ومجتمعيا - للحياة كريمة ولاستمرارها.
كما يتأكد مفهوم «الطاعة» الإيجابية لدى المصريين ويستقر ويتمسكون بممارسته لو أنه اتسع فشمل الجميع شعبا وساسة وقادة. حكاما ومحكومين في مجتمع يجسّد القدوة ولا ينحرف عنها. ويتتبع الانحراف فيعاقب عليه. وتتحقق فيه المطالب الإنسانية المشروعة للمواطن في مسكن يؤويه وملبس يستره وعمل يضمن له اللقمة الحلال ثم لا يرى من يميزون في الدخل
بلا عمل ومن يرتقون في المناصب بلا كفاءة ومن لا تطالهم أذرع القانون. وفي المقابل يلتزم المسئول بالطاعة حينما يرى نفسه مراقبا ويتأكد من عقابه لو تجاوز ومن إثابته لو أنجز أو تفوق. ويطيع الجميع تعاليم الدين لو أصبح علماؤه أو رجاله قدوة للشجاعة في الحق والتصدي للظلم وابتعدوا عن الطمع والشراهة ونأوا عن نفاق الحاكم وتبرير أفعاله. كما يلتزم الحاكم بالطاعة لو تأكد من أن بقاءه في السلطة مؤقت محدود الأجل. وأن أداءه مراقب وأفعاله محاسب عليها. وأنه يعمل لدى الأمة ولا تعمل الأمة لديه. ذلك هو منطق الطاعة الرفيعة التي تبني الشعوب وتمجّد الإنسان. فمن أين يخرج العصيان إذن لو أن تلك الطاعة العادلة قد تحققت ..ومن ذا الذي يجرؤ فينادي به أو يتبناه؟.. لكن هل يتحقق مجتمع الطاعة المثالية المنشود بالطفرة أو يُسعى إليه بالفوضى ويقفز إلى إنجازه مرة واحدة خاصة لو كان المجتمع لا يزال مصابا جريحا قلقا ومتوترا؟.. أي عصا سحرية يحملها «العصيان» إذن فتستجيب المشاكل للحل وتفك عقدها الأزمات؟!.. هل ينقذ الغريق دفعه إلى العمق أم ينقذه رفعه لأعلى بمعرفة وسحبه للشاطئ بدراية ثم إفاقته بعلم؟
وهل تنجح الأفكار المثالية المجردة وحدها – دون النظر إلى ما يحيط بواقعها من عقبات - في تحقيق مقصد عملي واحد وبمنطق «كن فيكون»، أم أن على الذين صبروا أن يصبروا قليلا. وعلى الذين عانوا – ومعظمنا عانينا - أن يعطوا فرصة لرفع معاناتهم وفرصة لا تزيد على ثلاثة شهور؟!.. لأي أيد إذن يُسلّم الوطن الذي تحفّ به المخاطر ويسيل عليه لعاب الطامعين لو افترضنا أن المجلس العسكري وافق على تسليم السلطة «وعلى الفور» كما ينادي دعاة العصيان دون أن نسمح لأحد بتخوينهم أو بالمزايدة على وطنيتهم وإخلاصهم؟!.. ماذا يكون حال الشارع وحال المتجر وحال المدرسة بل حال البيت والمسكن والأسرة لو انفرط عقد الأمن أكثر؟.. وقد رأينا كيف يحدق الخطر وتضيع الحقوق ويتهاوى الأمان تحت ضربات المجرمين المتآمرين من المتربصين والخارجين على القانون بمجرد أن يغيب رجل الأمن أو يشعروا أن هناك شقاقا وانقساما أو عدم ثقة وازدراء واستهانة بمن يقومون عليه؟!
فلنعذر المجلس العسكري إذن ولننتظر تحقيق الوعود ..ولنعط التحقيقات أجلها والمحاكمات مدتها ولنثق في البرلمان المنتخب فلا نزايد عليه بل نختبره. ولن يكلفنا ذلك سوى عدة شهور. ولنطمئن جميعا فلن يعيد تاريخ الاستبداد نفسه ولن يمكنه المخلصون لهذه الثورة وهم كثيرون من أن يعود!