رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سينمائيات

أهي عودة الروح إلي السينما الصامتة؟

مقالات الرأى

الجمعة, 10 فبراير 2012 21:02
بقلم - مصطفي درويش

وكما كان متوقعا، خرج فيلم «الفنان» من مضمار التنافس علي جوائز الكرة الذهبية، متوجا بثلاث منها: جائزة أفضل فيلم من نوع الملهاة، وجائزة أفضل ممثل چان دي جاردان، ثم جائزة أفضل موسيقي تصويرية.

ولم تمض سوي بضعة أيام علي هذا الفوز إلا وكان «الفنان» مرشحا لاثنتي عشرة جائزة «بافتا» الأكاديمية البريطانية للفيلم والتليفزيون، ثم بعد ذلك مرشحا لعشر جوائز أوسكار هذا، وقد سبق لـ«دي جاردان» بطل الفيلم الفوز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان كان الأخير «2010» عن أدائه للدور الرئيسي في «الفنان» لصاحبه المخرج الفرنسي ميشيل هازانا فيسييو.

ولأن فيلمه ليس كغيره من الأفلام، أثار عرضه في ذلك المهرجان ضجة كبري، لا يزال صداها يتردد حتي يومنا هذا أما لماذا أثار كل تلك الضجة، فذلك لأنه فاجأ رواد المهرجان بأنه فيلم صامت، أبطاله لا ينطقون بكلمة، ولو واحدة مثلهم في ذلك مثل ابطال السينما، عندما كانت عاجزة عن الكلام، في قديم الزمان، أي قبل أول فيلم ناطق «مغني الچاز».

وكان أول عرض له بمدينة نيويورك، يوم السادس من أكتوبر لعام 1927، وفوق هذا فجأهم بأنه فيلم أسود وأبيض أي بغير بهرجة الألوان، والفيلم يدور موضوعه حول السينما، في لحظة فارقة من تاريخها، عندما نطقت، بعد صمت إجباري طويل، استمر حوالي ثلث قرن من عمر الزمان.

وقد استهل بمشهد مثير لبطله واسمه «چورچ ڤالنتان» تشبها باسم «رودلف ڤالنتينو»، نجم السينما الصامتة، ذائع الصيت، إبان عشرينيات القرن العشرين.

في ذلك المشهد المثير نراه مؤديا دورا ما في فيلم صامت داخل الفيلم، واسمه «المسألة الروسية»، إنه يعاني في المشهد من عملية تعذيب، يقوم بها روسيان، حتي يقر بأمر ما ورغم الصدمات الكهربائية يبقي صامدا ممتنعا عن الكلام، ولأن الفيلم صامت لا نسمع قوله «لا.. لن نتكلم» وإنما نعرف أنه قال ذلك، بقراءته مطبوعا علي شريط الفيلم، وكأن صاحب الفيلم بذلك المشهد يريد أن ينبهنا بدءا من أولي اللقطات الي أن مشكلة البطل التي سنراه يعاني منها طوال أحداث الفيلم الأصلي «الفنان» تنحصر في أمر واحد ضرورة الكلام فيما هو آت من أفلام وامتناعه عن الاستجابة لتلك الضرورة بل مقاومته لها، بحكم أنه نجم من نجوم السينما الصامتة، يجيء الناس لمشاهدته، دونما حاجة لسماع صوته، كما جاء علي لسانه أثناء مواجهة بينه وبين رئيس الاستديو الذي قرر ألا ينتج سوي أفلام متكلمة في مستقبل الأيام.

بعد ذلك الاستهلال المذهل بكل المعايير فما إن انتهي فيلم «المسألة الروسية» حتي ذهب «ڤالانتان» بنفسه الي خشبة

مسرح السينما حيث أخذ يحيي المتفرجين المهللين، وهو من فرط السعادة يكاد يطير ولم لا؟ أليس في أوج مجده، معبودا من الجماهير، وأثناء خروجه من دار السينما وسط التهليل والتكبير يحدث أمر لم يكن في الحسبان، تقبله فتاة حسناء مولعة به، وبطبيعة الحال تلتقط الكاميرات المتربصة، صورة للقبلة تنشرها علي صفحتها الأولي «ڤارايتي» أقدم المجلات الفنية وأوسعها انتشارا، وبدءا من تلك القبلة العلنية تتداخل حياته بحياتها، هو يساعدها باختيارها لأداء دور صغير في أحد أفلامه الصامتة وهي تساعده مستقبلا في مواجهة عاديات الزمان.

ومع صعود نجمها بفضل السينما الناطقة وأفول نجمه، بسبب اختفاء السينما الصامتة، وسقوط فيلمه الصامت «دموع الحب»، حيث نراه في آخر لقطاته، يغوص في رمال متحركة حتي يختفي تماما نراه.. وقد أصبح نكرة لايملك من متاع الدنيا شيئا، لم يبق له منها سوي كلبه الوفي، الأمين.

ولن أحكي تفصيلا كيف تنكرت له الأقدار ولا كيف انحدرت به الي درجة تفوق الوصف من البؤس والشقاء.

فذلك شيء يطول، مكتفيا بأن أقول بأن فيلم الفنان، أعاد الاعتبار الي فن السينما الصامتة، ذلك الفن الذي أصابه في مقتل تحول السينما من الصمت الي الكلام فظنناه فنا في عداد الأموات وإذابه في حقيقة الأمر، يغط في سبات عميق، مثله في ذلك مثل الأميرة النائمة، ينتظر كما تقول الأسطورة قبلة المحب، فيقوم مستيقظا من نومته الكبري ويعود نشطا كما كان.

وليس محض صدفة أن تجيئه القبلة من فيلم أنتج علي أرض فرنسا ذلك البلد الذي كان له الفضل في اختراع السينماتوجراف والقرن التاسع عشر علي وشك الرحيل فاتحا بذلك آفاقا للإنسانية، لم تكن لتخطر علي أي بال!!

مصطفي درويش