رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بين التفاؤل الشديد والتشاؤم المفرط .. ميزان قوى 'ثورة المصريين'؟

مقالات الرأى

الخميس, 26 يناير 2012 09:48
بقلم -محمود عبد الرحيم

نعم ثمة اهتمام دولي وأقلـــيمي بالغ بالثورة المصرية، ربما أكثر من أية ثورة أخرى في المنطقة، وهذا مفهــــوم في ســـــياق وضع مصر المــحوري، وتقاطعها مع شبكات المصـــالح الســـياسية والاقتصادية إقليميا ودوليا، وموقعها في خارطة الجغرافيا السياسية، التى تجعل منها عنصر تأثير واضح في دوائر عديدة.

غير أن الرؤية الخارجية للثورة المصرية التي اتلمسها من حديثي مع باحثين وصحفيين أجانب، أو من متابعتي للصحف الأجنبية، تبدو قاصرة، وترى الواقع من زاوية ضيقة، تنحصر بين التفاؤل الشديد بالحالة المصرية، أو التشاؤم المفرط، وفي كلتا الحالتين لا يرون غير عنصرين فقط في معادلة القوى الفاعلة في مسار الثورة، هما المجلس العسكري، والحركات الإسلامية، رغم أن مسار الأحداث وتقارب المواقف والمصالح فيما بينهما، يؤشر بشكل جلي أنهما في معسكر واحد، وليس على طرفي نقيض، كما يصور البعض، وهو الأمر الذي جرى التفاهم حوله منذ جلس الأخوان تحديدا مع رئيس جهاز الاستخبارات المصرية عمر سليمان في الأيام الأولى للثورة، وجاءت الإشارة الأمريكية بالترحيب بدور سياسي للجماعة 'المحظورة' في هذه المرحلة، لتدعم الصفقة التي ينكرونها، وإن كانت تعلن عن نفسها ليل نهار.
وهذه النظرة الخارجية التي تستفز لسذاجتها أى منخرط في واقع الثورة المصرية، ترتكن إلى الثبات والتبسيط، وتتجاهل ديناميكية الحركة الثورية، وأطرافا أخرى، لها دورها المؤثر في التفاعلات الجارية حاليا، وأخطر هذه الأطراف التي لا يضعها كثيرون

في إعتبارهم هم الشباب الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين، غير المسيسين، الذين يتعاملون مع الثورة بمنطق عاطفي غير براجماتي، مقارنة بجيل أكبر ينتمي لقوى ليبرالية ويسارية تعارض لمدى معلوم، ولديها خطوط حمر، وتعرف لعبة التوزانات والمواءمات والمصالح الخاصة جيدا، ومن ثم يسهل السيطرة عليهم، على عكس جيل 'النقاء الثوري' الجديد الذي يستعصي قطاع كبير منه على عملية الإحتواء بمنطق 'سيف المعز وذهبه'، الذي يصلح طوال الوقت مع الأجيال الأكبر من كل التيارات السياسية بلا إستثناء التى تلوثت بفساد عصر مبارك المتوغل في المعارضة، كما في الموالاة.
وهذه الفئة الشابة بحكم طبيعة الخصائص النفسية لتلك المرحلة العمرية، تتسم بالتمرد والعنف والتحدي والرغبة في إثبات الذات، ومن ثم أية محاولة لتهميشها، أو قمعها بالقوة، ستواجه برد فعل عنيف، وإصرار أكثر على مواصلة الاحتجاج، ورفض أيضا هؤلاء المتلونين، سماسرة السياسة والثورة، ومن هنا بدأنا نسمع عن 'الأناريكية'، و دعوات بشأن ضرورة حمل السلاح في مواجهة عنف العسكر والقوى الأمنية المتصاعد خلال الأشهر الأخيرة .
ويبدو من باب التوهم تصور أن الأمور حُسمت لصالح المجلس العسكري والقوى الإسلامية بزعامة الأخوان، ولصالح الصفقة المدعومة أمريكيا بشأن تحويل الثورة لحركة
إصلاحية محدودة الأثر والتأثير على الصعيدين الداخلي والخارجي، وإعتبار أن الثورة انجزت أهدافها بمجرد تنحية مبارك، دون هدم بنية النظام الفاسد المستبد، مع إحلال الأخوان محل الحزب الوطني كوجه مدني لسيطرة المؤسسة العسكرية على شئون البلاد، وإطلاق يد السلفيين ليمثلوا فزاعة للقوى 'المشاغبة' من اليسار والليبراليين، لتحجيم مساحة معارضتهم، مع استقطاب المعارضة التقليدية ل'حظيرة النظام' مرة أخرى، في تشكيلات مختلفة آخرها المجلس الاستشاري أو تحالفات على أرضية انتهازية، كتلك التي تجري منذ وقت مبكر بين حزب 'الأخوان' الديــــني، وحزب 'الوفد' الليبرالي، وغيرها من ألاعيب السياسة الخالية من الروح الثورية أو المبادئ التى لأجلها سالت الدمــاء، وتشبث بها الجيل الجديد التواق فعلا لتجسيد الحرية والعدالة الاجتــــماعية والكرامة الإنسانية على أرض الواقع، وليس تركها معلقة في الهواء، كشعارات جوافة يرددها كثيرون دون صدقية، بما فيهم الذين يحاربون تلك المبادئ بقوة، ويرون فيها خطرا سيقضي على نفوذهم ومكتسباتهم.
ومن هنا، تأتي حملة'كاذبون' والاحتشاد الشبابي الكبير، والإصرار على إستكمال الثورة، وإعتبار 25 يناير 2012 ليس احتفالا بإنجاز لم يتم، وأنما بدء جولة أخرى من النضال، والدخول إلى مرحلة صراع الإرادات المفتوح.
وبصرف النظر عن من يمتلك القوة أكثر، أو من تنحاز إليه الغالبية الصامتة، سهلة الإغواء والتضليل أو الإنزواء، فإن المعادلات القديمة حتما ستسقط، والانتصارات التى حققها البعض لن تستمر طويلا، والشرعية التى يتصور البعض أنه امتلكها على حساب شرعية أخرى، ستظل محل تشكيك، وسيبقي الشباب الثائر صداعا في رأس الجميع، وليس قوة معارضة محدودة يسهل تصفيتها معنويا وماديا، كما يتوهم كثيرون، وأولهما المجلس العسكري والأخوان المسلمون، علاوة على السلفيين ورجال مبارك، فعجلة الزمن لا تعود للوراء، والمعادلات الخاطئة، بلا شك، تقود لنتائج خاطئة.

--------

بقلم -محمود عبد الرحيم

كاتب صحافي مصري