رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصر الحاضنة من يحتضنها الآن من أبنائها (2-2)

مقالات الرأى

الثلاثاء, 24 يناير 2012 09:51
بقلم: د.اسامة ابوطالب

لأن الفوضى لا تقرأ خريطة والانتقام لا يميز فى أى اتجاه يسير! أما كيف يحتضنون مصر فسوف يتعلمون حينما يتوفر لهم «الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية» نظير مقابل محترم يدفعونه وهو العمل الذى لا يظن أحد أنهم لا يريدونه أو أن غالبيتهم ترفضه لو توفّر. والذى حين يجدونه كريما مناسبا سوف يشعرون معه بروعة انتمائهم لوطن يحافظ عليهم فيحفظونه.

ويحتضنهم فيستمتعون بالانتماء إليه. ولكنهم لن يتعلموا ذلك إلا لو رأوا القدوة فى المعاملة كنموذج يحتذونه. والقدوة تعنى التكافؤ فى الفرص والمساواة فى المعاملة والتقييم وفقا للجهد والتقدير مقاسا بحجم العطاء. وباختصار شديد أن «يُحكموا جيدا» وبما يعني: حسم دون ظلم.. وشدة دون قهر.. وصرامة دون إذلال وانضباط دونما استعلاء. وبناء عليه سوف يحترمون الشرطى حينما يكون قادرا على أن يحميهم لحظة تعرضهم للأذى أو للضرر أو للمهانة.. وسوف يخشون القانون حينما يؤمنون بقدرته على إنصافهم بسرعة ورفع الظلم الذى حاق بهم. وحينما يثقون ويتأكدون بالممارسة الواقعية أنه لا أحد فوق العدالة أو مستثنى من تطبيق القانون.

 وبالطبع لن يتحقق ذلك أو لن يحققه لهم فرد أمن مجند مسكين يقف منزويا وخائفا وجائعا فى أغلب الأحيان. أو محام شاب منهك رقيق الحال؛ أو شرطى بسيط أنهكته مطالب أسرة لا تنتهى فأصبح تحت الضغط الملح للحاجة محنى الرأس ينتظر إكرامية

أو صدقة مقابل أن يقوم بحراسة سيارة أو المساعدة على إيجاد مكان تقف فيه ليقوم بحراستها بدلا من حراسة ما هو مكلف به أصلا. ثم بأكبر قدر من الذلة والنفاق والمهانة يرفع يده بالتحية ربما للص مترف أو موظف مرتشٍ أو رجل أعمال مشبوه أو قواد أو بلطجي. لأنه فى مثل هذا المجتمع لن يحتضن أحد وطنه بل لن يعترف به أصلا إن لم ينقم عليه مدللا بما لديه من أسباب! أما المجرمون والخارجون على القانون من أى طبقة أو رتبة أو منزلة. ومثلهم المغتصبون واللصوص والمرتشون والذين عرفوا الترف فى ظل قيادة فاسدة وحكومات أكثر فسادا؛ فلن يحتضنوا الوطن مطلقا ولن يحبّوه أبدا لأن وطنهم هو المكان الذى يخفى ما سرقوا. والبنك الذى يضم ما نهبوا. والبلد التى تمنحهم جنسيتها بمقابل؛ وتشرفهم بالتنازل بقبولهم نظير ثمن!

ماذا إذن عن الذين تربوا فى ظل حكم عفن مستبد فانتفخت جيوبهم من النفاق وكروشهم من المداهنة. الذين مارسوا قلب الحقائق والتفسير المغرض المعكوس للحقائق من المبررين والشارحين والمهللين والمصفقين مثقفين كانوا – أو هكذا يطلقون بالباطل عليهم – أو أساتذة

جامعات أو فنانين. أولئك الذين يسمون بالصفوة بينما مكانهم هو القاع. ويتمتعون بالشهرة وهم أجدر الناس بالاختباء من الفضيحة والاختفاء من التجريس. أولئك الذين لم يحتضنوا مصر أبدا ولن يحتضنوها لأنهم تعودوا على الركوع بين يدى الحكام فى كل عصر حتى ولو كانوا جبابرة ومستبدين. وسجدوا أمام الفاسدين– فى كل عصر أيضا – لأنهم قادرون ومتنفذون. وهكذا يصبح من العبث أن نطالبهم بالولاء لثورة قلبت سادتهم. والإيمان بتغيير سوف يحاسبهم. والانتماء لمجتمع جديد سوف يمنحهم بقدر ما يعطون.

وبناء عليه يصبح ضربا من الأحلام أو من التخريف أن نطالب إعلاميين متلونين؛ أو موظفين من العبيد المتميزين يتقاضون مئات الألوف؛ أو فنانين يتقاضون الملايين مقابل مسلسل تليفزيونى تافه أو مكرر - أو حتى عبقرى - بأن يحتضنوا الوطن سوى بالكلام والادعاء والجعجعة معتمدين على سرعة التحول ومهارة الكذب وتبجح الادعاء. فى حين لا يزيد مرتب أستاذ جامعى أفنى عمره فى الدراسة والتعليم. أو باحث أكاديمى خسر نصف بصره فى المعامل. أو كاتب محترم أو إعلامى شريف أو رجل قضاء جليل أنهكته دراسة القضايا وعذبه ضميره المتيقظ لتحقيق العدل؛ عن ثلاثة آلاف أو أربعة لآلاف من الجنيهات تقل وتتقلص كثيرا عند إحالته للتقاعد بينما تنتظره مصاريف أدوية الشيخوخة واستكمال تعليم الولد وزواج البنت وما عوّد المحتاجين أن يتصدق عليهم به. ناهيك عن متطلبات المظهر وتكاليف الحفاظ على وضع اجتماعى مرموق لكنه أصبح باهظ الثمن.

ها أنذا يا صديقى كتبت ونبهت وأنذرت وحذرت كما فعل من قبلى كثيرون مخلصون دعوا إلى احتضان «مصر الحاضنة» - ولا يزالون مستمرين لا يكلّون - مثلما لا يزال الأمل باقيا والخطر ماثلا كذلك.. ولك تحياتي.

sm_abutaleb@hotmail.com