رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قراءة قانونية في عالمية حقوق الإنسان

مقالات الرأى

الثلاثاء, 17 يناير 2012 09:47
بقلم: د. أيمن سلامة

شهدت مصر في الآونة الأخيرة أحداثا جسام حركت الساكن‏,‏ وأنطقت الساكت‏,‏ وأججت المشاعر‏,‏ وأصرخت الحناجر‏,‏ وتابع المصريون عن بكرة أبيهم مشاهد غير مسبوقة وأحداث غير مألوفة وتعددت هذه الأفعال فشملت تاريخا يمحي‏,‏ وعرضا ينتهك ووطنا يحترق‏,‏ ودماء تسيل‏,‏ وصراخا وعويلا‏,‏ ومحروسة لا تصان‏,‏ وعدالة من دون ميزان‏.‏

وليس بخاف عن كل ذي لب أن مصر ومنذ اندلاع الثورة المجيدة في الخامس والعشرين من يناير المنصرم شهدت ولاتزال تشهد إنفلاتا أمنيا غير مسبوق, حتى في أوقات الأزمات والحروب والمحن والكروب مما أفضي الي خسائر كبيرة في الزرع والضرع واقتلاع جذور الأمن والسكينة وانحسار الخيارات البديلة, وضعف الموارد, وقلة الحيلة.
أن الشرائع السماوية وغير السماوية كانت قد سبقت قواعد القانون الدولية والوطنية التي تقنن كيفية التعاطي مع الحقوق الأساسية للإنسان وحرياته العامة, وتضبط سلوك الأفراد في مثل هذه الأحوال كما تحدد أيضا الجزاء الواجب نفاذه في ذات المنوال حين يتم الافتئات علي هذه الحقوق والحريات.
واقع الأمر أن القانون الدولي كفل في العديد من مواثيقه للدولة ذات السلطان والسيادة أن تستخدم كل أدواتها وأجهزتها بغرض الحفاظ علي سيادتها, وسلامة وحدتها الإقليمية وتوفير السلم والأمن لمواطنيها وغيرهم من الموجودين في إقليم الدولة وهنا تستدعي حكومة الدولة قواتها الشرطية أو في حالات خطيرة قواتها المسلحة لمجابهة مثل هذه الظروف الخطيرة التي تهدد سيادة ووحدة واستقلال الدول.
أيضا وفي ذات الإطار لم يحظر القانون الدولي, علي

الدول اللجوء إلي إعلان حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية, والتوصل بوسائل قمعية كبحية, من أجل السيطرة علي الأوضاع خشية تفاقمها واشتعالها, بيد أن هذه الرخصة التي رخصها القانون الدولي للدول ليست طليقة من دون عقال أو مطلقة من دون تقييد فالآمر كله معلق علي شرط وهو عدم ارتكاب هذه القوات أية انتهاكات لحقوق الانسان.
ومن أسف تشبثت الدول العربية التي عصف بأنظمتها المستبدة ولايزال يعصف بها الربيع العربي بأهداب السيادة المطلقة المقيتة الكئيبة, وأعلنت دون خجل أو وجل بأن السحل والقتل والتعذيب شأن سيادي داخلي, وأن الاهتمام الدولي والعالمي بهذه الأمور هو تطفل وتدخل, وتلصص من دون ترخيص, وتغافل المسئولون غير المسئولين عن حقيقة قانونية حاصلة ماثلة, وهي أن مبدأ سيادة الدولة المطلقة بدأت عروشه تهوي منذ الحرب العالمية الثانية, وارتعدت فرائص من يحاجون به في غير موضع, ومن ينادون به لكسب مطمع.
لقد أصبح المواطن العادي علي إدراك, ويقين بأن حقوق الإنسان أضحت اهتماما لا دوليا بل كونيا, وذلك بفضل إصدار ميثاق منظمة الأمم المتحدة, والعديد من المواثيق الدولية التي أصدرتها المنظمة في مجال الحفاظ علي وحماية ومراقبة حقوق الإنسان.
لقد أخذت منظمة الأمم المتحدة بمعيار المصلحة الدولية عند تناولها مسائل
حقوق الإنسان باعتبار هذه المسائل تهم مصلحة الجماعة الدولية, وعيشها الكريم, ونماءها في سلم وأمن, ومن ثم فميثاق منظمة الأمم المتحدة لايعني إلا حقيقة مهمة واضحة وضوح الشمس ذاتها وهي أن سلطة الدولة وحكامها لابد أن يكونا خاضعين لحكم قانون أعلي, وبالتالي فلقد وضع ميثاق المنظمة حقوق الأفراد فوق سيادة الدولة.
لقد تعددت الإمارات الدالة التي تدحض المفهوم التقليدي البائد للسيادة, الذي لايعتنقه إلا نظام فاسد, حيث قامت الكثير من الدول بتكييف تشريعاتها الداخلية وفقا للمبادئ والقواعد الدولية لحقوق الإنسان, ولقد طالت هذه المواءمة أيضا دساتير هذه الدول كما سمحت الدول لآليات المراقبة الإقليمية والعالمية في مجال حقوق الإنسان بالتفتيش والتحقيق في قضايا حقوق الإنسان, وفي داخل هذه الدول, كما أنشئت العديد من آليات القضاء الجنائي الدولي سواء الخاص أو المختلط أو الدائم, وذلك لأجل محاكمة منتهكي حقوق الإنسان دون دفع لا يجدي فتيلا وهو الدفع بالسيادة أو حصانة الرؤساء, والتي لم نعد نسمع بها في سائر أرجاء المعمورة إلا في منطقتنا العربية.
ومن عجب أن المناسبة الأولي التي اتخذ فيها مجلس الأمن قرارا بموجب الباب السابع من ميثاق المنظمة الأممية, ويلزم القرار الدول غير الأعضاء بالمنظمة باحترام قراره, فضلا عن الدول الأعضاء فيها كان قرار المجلس عام1977, والذي ألزم الدول المشار إليها بوقف تزويد دولة جنوب أفريقيا بالأسلحة, وكانت علة المجلس في هذا هي الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان لدولة جنوب أفريقيا في نامبيا.
وتبين أيضا المصلحة الدولية, والتضامن الإنساني في القرارات التي تصدر عن المحكمة الجنائية الدولية
وختاما, نزعم بأن احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان تبعد شبح التدخل, وتحقق مفهوم السيادة الوطنية المكفولة للدول كما أن رفض التدخل, والإدعاء بمبدأ السيادة لم يعد كافيا للهروب من الرقابة الدولية بخصوص إهدار حقوق الإنسان.

--------

بقلم: د. أيمن سلامة