رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الغنم بالغرم.. والهنود الحمر!

مقالات الرأى

الجمعة, 13 يناير 2012 09:22
بقلم المستشار: محمد مرشدي بركات

يقص علينا التاريخ أنه في غضون عام 1730 أصدر البرلمان الأمريكي تشريعاً يبيح إبادة الهنود الحمر، كما أصدرت قراراً بتقديم مكافأة كبيرة مقابل كل رأس مسلوخ لهندي أحمر سواء أكان رجلاً أم امرأة أم طفلاً صغيراً؟.. حيث كان عدد الهنود الحمر كان أمريكا الأوائل الأصليين

يبلغ أثنتي عشر ومائة مليون نسمة وصل بعد عمليات الإبادة لهم إلي أربعة ملايين فقط بعد أن حصدهم الأمريكيون حصداً يعيشون في مخيمات وهي أشبه بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين وفي مناطق أسوأ بكثير من أفقر المناطق في العالم.. ولم يبق منهم اليوم سوي مليون هندي أحمر مع أنهم لم يكونوا هنوداً ولم يكونوا حمراً وإنما أطلق عليهم هذا الاسم «كريستوفر كولومبوس» عام 1492 عندما حط علي أرضهم، ويعيشون في محميات مستقلة أطلق عليها أماكن تجميع الحيوانات حيث أرغمت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية هذه القبائل علي الانتقال والعيش فيها قبل أكثر من قرن من الزمان مع أنهم هم سكان أمريكا الأصليون «native americans» وتعرضوا للمجازر الجماعية من قبل المستوطنين البيض سواء البريطانيون أو الفرنسيون أو الإسبان.
شبه المرحوم الكاتب الساخر الأستاذ محمود السعدني - رحمه الله - أمريكا بأنها مثل «إبراهيم كروم» فتوة مصر، فقد استطاعت - كما هو - أن تحطم كل الفتوات الآخرين وأن تزيحهم من طريقها وأن تدوس عليهم بالأقدام فالويل كل الويل لأية دولة تقف في وجه

أطماعها أو تتحدي إرادتها، أو تخرج عن خطها فهي تارة تتدخل بنفسها لإزاحة أية دولة تجابهها، وهي تارة أخري تستخدم - الآخرين - مثلما استخدمت إسرائيل ضد العرب حتي استلبت إسرائيل - فلسطين - من العرب، فلقد فلحت أمريكا في وضع حكومة بريتوريا ضد أفريقيا، وباكستان ضد أفغانستان، وإلسان سلفادور ضد نيكاراجوا، وجواتيمالا ضد كوبا، وتايوان ضد الصين، وكوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية.. فأمريكا هي البلد الوحيد التي تطلق علي حكومتها اسم إدارة لأنها ليست دولة ولكنها شركة «الغنم فيها بالغرم».
وقد غرم الهنود الحمر من خلال ثقتهم في أمريكا وغنمت أمريكا من خلال سحقها ومحقها لشعب الهنود الحمر، فالهنود الحمر وكما أطلق عليهم هذه التسمية «كولومبوس» عشية اكتشافه لأمريكا اعتقاداً منه أن حط رحاله علي أرض الهند، وكذلك درجت أمريكا علي إطلاق هذا الاسم عليهم تمييزاً لهم عن الهنود السمر ثم بدلت أمريكا هذا الاسم إلي الأمريكيين الأصليين «native americans»، وكانوا كما عبر «راسل مينز» أحد المنافحين عن حقوق الهنود في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ تعدادهم في الماضي حوالي خمسة عشر مليون نسمة ولم يبق منهم اليوم سوي المليون يعيشون في مخيمات مستقلة
حقداً عليهم وازدراء لهم، يحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم جيش من الأوبئة والأمراض جرار، وذلك من خلال أكبر جريمة عرفها التاريخ - ومن بعدها - ولدت جريمة اغتصاب فلسطين العربي من رحم الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها الذين دبروا اغتصاب فلسطين بليل.
ولقد أرغم الهنود الحمر عبر مسيرة طويلة من الإبادة علي عقد ثلاثمائة وسبعين معاهدة مع الحكومة الفيدرالية الأمريكية انتهكت جميعها وأمست ذرات تذروها الرياح بعد الفتك بأصحاب البلاد الأصليين وإذ رست حرب الإبادة مرفأ نجاحها، وقفت زعيم من زعماء الهنود الحمر وهو يخاطب مفاوضيه من الحكومة الأمريكية الفيدرالية كما جاء في كتاب القيم «أساطير الهنود الحمر» للأستاذ إبراهيم خليل، قائلاً لهم: «تطلبون مني أن أتنازل لكن عن الأرض؟.. ولكن هل أنا أملك الأرض حتي أملك حق التنازل لكم عنها؟.. من يستطيع الزعم بأنه يملك الأرض والبحار والسماء؟.. أنتم.. عندما وصلتم إلي بلادنا، رحبنا بكم وعلمناكم كيف تبدأون حياتكم الجديدة علي أرض تجهلونها، وتطلعنا إلي التعلم منكم، لكنكم رحتم تبيدون قطعان المواشي، وتدمرون الغابات، وتقتلون الناس.. نحن نأخذ من القطعان حاجتنا، ونأخذ من الغابات ما يلزمنا فلماذا تبيدون القطعان وتدمرون الغابات؟.. أشعر أن قلبي يدمي».
أبادت أمريكا شعب الهنود الحمر، وطمست تاريخه محاولة أن تلقي عليه تراب النسيان وأثبت التاريخ أن «أندروا جاكسون» رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق الذي يطلق عليه الهنود الحمر اسم «السكين الحدة» قد ذبح خلال عمله كضابط عشرات الألوف من الهنود في أعجب وأغرب مأساة في تاريخ البشر.
هل لنا أن نتعظ.. وأن نستقرئ التاريخ حتي نستبطن الظاهر، ونستظهر الباطن، ونعلم كيف يكون المغرم من البعض هو مغنم للآخرين كما حدث مع الهنود الحمر، وكذلك.. كما حدث مع شعب فلسطين.

--------

بقلم المستشار: محمد مرشدي بركات