رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دولة التنظيم السري (الحلقة الثانية)

مقالات الرأى

الخميس, 12 يناير 2012 07:23
بقلم:ممدوح الشيخ

حقيقة الماضي السري للمغامر المصري حافظ نجيب بطل «فارس بلا جواد»
حافظ نجيب مغامر دخل سلك الرهبنة وهو مسلم ليطرد الإنجليز بجيش من الحبشة!
أشكال التنظيم السياسي الغربية ما زالت ضيفاً على ثقافتنا السياسية
العهد العثماني ترك لنا ميراثا كبيرا من «التنظيمات السرية»

بعض التنظيمات السرية العربية استلهم تجربة المحافل الماسونية في الغرب وبخاصة الماسونية الإيطالية والفرنسية
ما دلالة أن تكون فصول مهمة من تاريخنا الحديث محوطة بهذا الغموض؟
نجيب محفوظ رسم صورة للأجواء الأسطورية والأفكار الغيبية التي تنطوي عليها أدبيات التنظيمات السرية
لا يجادل أحد في أن الأشكال التنظيمية السياسية الغربية التقليدية ما زالت إلى حد بعيد ضيفاً جديداً على ثقافتنا السياسية التي خرجت من ميراث العهد العثماني تتنازعها أشكال التنظيم القديمة ودعوات الإصلاح السياسي التي تستلهم التجربة الغربية، لكن العهد العثماني قبل أن يودعنا كان قد ترك في تربة السياسة العربية بذرة لم تزل تثمر حتى الآن هي «التنظيمات السرية»  وكثير من هذه التنظيمات بدأ دعوة للإصلاح تهرب من القمع الأمني للدولة العثمانية وبعضه جاء استلهاما لتجربة المحافل الماسونية في الغرب، وكثير منها قام بالدور الرئيسي في بناء الدولة الوطنية الحديثة في بلادها وأشهرها دور المحفل الماسوني الإيطالي في تأسيس الدولة ودور المحفل الماسوني الفرنسي في الثورة الفرنسية.
من الأدبيات المهمة في تاريخ حركة الإصلاح العربية كتاب «أم القرى» لعبد الرحمن الكواكبي الصادر عام 1898. واختار الكواكبي لدعوته الإصلاحية صورة مؤتمر عالمي للإصلاح شارك فيه أشخاص من عدة دول بالعالم الإسلامي.
ومباحث كتاب الكواكبي مداخلات ومناقشات قدمها المشاركون في اجتماع دعا إليه «السيد الفراتي» ويفترض أنه الكواكبي نفسه، والاجتماع تم في دار استأجرها كما يقول في حي متطرف في مكة «باسم بواب داغستاني روسي لتكون مصونة من التعرض، رعاية للاحتياط»، وهذه الرغبة في التحوط والتخفي أصبحت سمة من سمات الواقع السياسي العربي حتى الآن، ومن الأمور المثيرة التي تستحق التوقف حالة من الغموض حول ما إذا كان الاجتماع حقيقيا أم خياليا، وبالتالي هل هو تنظيم سري أنشأه الكواكبي ولم يكشف عنه؟
ويعبر الباحث المعروف الدكتور وجيه كوثراني عن هذا الغموض قائلا: «وسواء كان هذا الاجتماع ومذكراته هي من تأليف الكواكبي وتصوراته، عندما كتب مخطوطته وهو في حلب (كما يرجح الباحثون) أو كان قد جرى في مكة فعلاً كما توحي واقعية الوصف فإنّ النص يمتلك دلالات واقعية». والحضور جميعا مذكورون بأسماء كودية وهم وفقاً للتعداد الوارد في النص: الفاضل الشامي، البليغ القدسي، الكامل الإسكندري، العلاّمة المصري، المحدث اليمني، الحافظ البصري، العالم النجدي، المحقق المدني، الأستاذ المكي، الحكيم التونسي، المرشد الفاسي، السعيد الإنكليزي، المولى الرومي، الرياضي الكردي، المجتهد التبريزي، العارف التتاري، الخطيب القازاني، المدقق التركي، الفقيه الأفغاني، الصاحب الهندي، الشيخ السندي، الإمام الضني.
وتعكس مداولات الحضور سمة لم تتغير حتى هذه اللحظة في رؤية «رجال الظل» في الواقع السياسي العربي وأعني بها الرغبة في التحالف مع السلطة لفرض التغيير من أعلى ويعيدنا هذا إلى مقولة المفكر التونسي المرموق أبي يعرب المرزوقي عن «البهائية المتخفية والتحديث الاستبدادي». يقول الكواكبي: «ومن المأمول أن تكون الحكومات الإسلامية راضية بهذه الجمعية، حامية لها»
والسؤال: ما دلالة أن تكون فصول مهمة من تاريخنا الحديث محوطة بهذا الغموض؟

في عالم نجيب محفوظ
من الأعمال المهمة لروائي نوبل نجيب محفوظ مجموعة قصصية ممتعة عنوانها «التنظيم السري» وفي ثناياها الكثير من سمات رجال التنظيمات السرية، فضلا عن جانب غير قليل من تقاليدها. وفي القصة التي تحمل العنوان نفسه يقول واصفا هذه الأجواء على لسان أحد شخصياتها: «ومر بي نهار لم يمر بي مثله في حياتي. كمن يبدل لحمه وخلاياه وروحه. كمن يولد في دنيا جديدة ذات قوانين جديدة. كمن يودع الطمأنينة واللامبالاة ليستقبل المغامرة والموت. لم يبق لي من الماضي إلا الاسم، وحتى هذا سرعان ما تغير وفي المساء انعقد أول اجتماع للأسرة في بيت صغير بمصر القديمة، كنا خمسة، وعلى رأسنا الصديق القديم المرموز له بـ «أ». ولم لا؟ لقد أصبحنا رموزا لتحقيق أهداف.
وبهذه الرموز وفكرة الميلاد الجديد تستعير التنظيمات السرية دور الطقوس من الأديان لتضفى القداسة

على عضويتها وتحقق للباحثين عن الإثارة والإحساس بالأهمية الاستثنائية أهدافهم، ويصبح رجالها مجرد «رموز»!
نجيب محفوظ يرسم أيضا صورة للأجواء الأسطورية والأفكار الغيبية التي تنطوي عليها أدبيات التنظيمات السرية، وهي سمة لا تختلف بين التنظيمات العلمانية والدينية. يقول محفوظ على لسان زعيم التنظيم السري: «أرحب بكم في أسرتنا التي جمعتنا على الخير، فهي التي أخرجتنا من العبودية وطهرتنا من عبادة الأصنام، فلنجعل من الكمال زينتنا، ومن الحب رابطتنا ومن الطاعة شعارنا، ولنعمل في نطاق ما نعرف ولا نسأل عما لا نعرف، واحذروا فلا خطأ يمر بلا عقاب». وفي إطار الطبيعة الحديدية للتنظيم – حسب قصة التنظيم السري لنجيب محفوظ – واصفا طبيعة العلاقة مع الرئيس الأعلى للتنظيم: «تتسلل إلينا أوامره من مثواه المجهول عبر مندوبين مجهولين كذلك»..

مغامرة حافظ نجيب الكبرى
ومن قصص «دولة التنظيم السري» المثير في تاريخنا القريب ما رواه المغامر المصري حافظ نجيب في كتابه «اعترافات حافظ نجيب» الذي اكتشفته وقمت بإعادة نشره عام 1996 نجاحه في اختراق سلك الرهبنة في الكنسية القبطية الأرثوذكسية (رغم أنه مسلم) لتنفيذ مخطط سياسي!!
تبدأ أحداث «اعترافات حافظ نجيب» في حياة والده محمد نجيب، كان طفلا صغيرا يذهب مع أبيه ليلهو أمام محله التجاري بمنطقة الأزهر، وذات يوم وهو يلعب عبر الشارع جريا وراء لعبة فرت منه فكاد «حنطور» أن يدوسه. وتوقف «السايس» بسرعة ونزل ليأخذ الطفل في العربة ويمضي. وخرج والد محمد نجيب وجيرانه يجرون وراء العربة وينادون «التركي» ليترك الولد. سارت السيارة حتى وصلت قصرا بمنطقة السيدة زينب، ودخلت القصر الذي كان محاطا بنفق مليء بالماء يشكل مانعا يحمي القصر عليه جسر متحرك. ووصل الجمع ووقفوا يصيحون، وبعد قليل استدعي والد الطفل لمقابلة صاحب القصر الذي أبلغه أن هذا الطفل نعمة عظيمة من الله لم يصنها، وعليه قرر الباشا التركي أن يأخذه ليربيه !! ورفع الأب صوته معترضا مهددا بأنه سيشكو للخديوى، وكان عقابه الجلد والطرد.
في بيت الباشا التركي عاش الأب حياة النخبة الأرستقراطية التركية وأدخل الجيش وألحق بحرس الخديوي، وجاءت النهاية التي بدت سعيدة عندما قرر الباشا التركي أن يزوجه ابنته، ولم تطل أيام السعادة ، ففي أحد الأيام عاد الأب للقصر مخمورا وبدلا من أن يدخل غرفة نومه دخل غرفة الباشا وزوجته وأهانهما إهانات شديدة وهو مخمور. وجاء رد فعل زوجة الباشا شديد العنف. فقررت فورا طرد زوج ابنتها ونفذ القرار فورا، وعندما ولد حافظ نجيب وضعته جدته مع أسرة الجنانيني في مسكن صغير ملحق بالقصر لا يعرف إلا أن هذه أسرته، وكانت أمه الحقيقية بالنسبة له بنت سيد القصر لا أكثر، ولم يكن أحد يتخيل أن تبلغ الرغبة في الانتقام بزوجة الباشا حد أن تأمر ابنتها بأن تعيش مع الخدم عقابا على حزنها، وأن تعمل - وهي كفيفة - في تزويد الفرن بالحطب. وكان لموكب مولد السيدة زينب مهابة كبيرة وانشغل به سكان القصر إلا أم حافظ التي كانت على موعد مع الموت فأمسكت النار بملابسها وهي وحدها والأصوات صاخبة فلم يسمع استغاثتها أحد. استدعي حافظ طفلا صغيرا للمشهد المخيف وعرف أمه لحظة وفاتها. وتوالت المفاجآت فقبل أن تدفن أمه مات جده وخرج النعشان معا، وقررت زوجة الباشا أن تحاول التكفير عن غلطتها فاحتضنت حفيدها وأصبحت لا تكاد تفارقه، ولم يهنأ حافظ بالاستقرار، فجاء القصر محضر يبلغ الهانم بضرورة الحضور للمحكمة لأن والد حافظ يطلب ضمه لحضانته، وعاد بركان الغضب للانفجار فسبت الفلاح الذي يريد أن يوقفها في المحكمة

، وأمرت المحضر أن يأخذ الطفل ولما رفض كان نصيبه الجلد فحمل الطفل مكرها ، وغادرت هي مصر بلا عودة.

من القصر إلى المغامرات
كان الأب قد تزوج في السودان سيدة سودانية وأنجب منها أبناء لم يلقوا من أمهم أي عناية، كما أنه اشترى جارية أخرى لا تقل عن زوجته إهمالا وأصبح حافظ من «أطفال الشوارع». ومر حافظ بتجربة أخرى، إذ أحيل أبوه للاستيداع من الجيش والتحق بالشرطة وطاف مديريات الصعيد، وسجل جوانب شديدة الثراء من الحياة الاجتماعية آنذاك. وتأثر حافظ في هذه الفترة بقلة دخل أبيه الذي أراد أن يوفر كل ما كان يدفعه للإنفاق عليه بتأثير من زوجته الجديدة. وحانت الفرصة عندما أعلن عن افتتاح مدرسة عسكرية جديدة يميزها أنها داخلية (توفر الإقامة) ومجانية. وألحق حافظ بالمدرسة وهو صبي صغير فاعتصرته المدرسة وصنعت منه إنسانا آخر وتركت الحياة العسكرية وقوانينها الصارمة بصمات غائرة في نفسه. في بداية القرن العشرين كانت التوسعات العسكرية المصرية البريطانية المشتركة قد انتهت وتقرر تخفيض قوة الجيش المصري فأصبح حافظ طالبا مزمنا لا ينتظر له أن يتخرج ويلتحق بالجيش، وقبل أن يستولي عليه اليأس شهدت حياته المنعطف الأكبر، إذ تعرف إلى سيدة روسية مرموقة هي البرنسيس فزنسكي وكانت زوجة لديبلوماسي بريطاني (سفير بريطانيا في تركيا). لفت حافظ نظرها في زيارة لها للمدرسة وعرضت عليه أن يبدأ بداية جديدة في أوروبا واصطحبته لتركيا لتلحقه بالجيش التركي ثم تضمه إلى «الفرق الأجنبية».

في عالم الجاسوسية
تعلم الشاب أصول «الإتيكيت» ثم السفر لباريس فالتحق بمدرسة الحرب «البولتكنيك»، ثم بالجيش الفرنسي. وفي هذه المرحلة بدأت بينهما «علاقة خاصة» امتدت لسنوات وكانت بداية دخوله عالم المرأة الذي شارك بنصيب وافر في صياغة مستقبله المضطرب. وألحق حافظ بالجيش الفرنسي المحتل في الجزائر وخدم مع الجنرال جورو، ثم أبلغه جورو أنه رشحه للخدمة في «المكتب الثاني» المخابرات الفرنسية. وشارك عالم المخابرات في صقل شخصيته بشكل ملموس، وبعد اكسابه المهارات اللازمة تم تدريبه ليكون خادما أخرس، وهي الشخصية التي تنكر فيها في المهمة الوحيدة التي كلفته بها المخابرات الفرنسية. أرسل متنكرا ليعمل في ضيعة سيدة في ألمانيا بهدف التجسس على أسرار عسكرية، وخالف حافظ التعليمات التي تحكم جمع المعلومات فقبض عليه متلبسا. ولخوفها من أن يسبب فضيحة هربته فرنسا من السجن فأعيد إلى باريس ومنها لمصر.
عاد حافظ إلى مصر بلا عمل وبلا مال، ولم تكن أسرته لترحب به فعاش فترة عصيبة في منزل أبيه بمدينة قليوب. ومصادفة قرأ في إحدى الصحف خبر عودة فرنسكي لمصر فذهب إليها وبدأ فصلا جديدا من حياته صنع شهرته، قررت أن تفتح لحافظ نجيب شركة ليتاجر في البورصة وأسستها له برأسمال كبير فأصبح صاحب ثروة كبيرة.

مسلم في سلك الرهبنة
وبعد قصة حب فاشلة كانت التجربة قاسية على حافظ جدا فلجأ للخمر وخشي أن يدمنها فهرب للقراءة، وكان من بين ما قرأه قصة فتاة فرنسية أحبت ملكا ومنعهما اختلاف المذاهب من الزواج فهربت للدير. وأعجب حافظ بالفكرة وكان مما شجعه عليها أنه لم يشعر يوما بأنه ملتزم دينيا، فلم يجد غضاضة في أن يعيش داخل الدير كمسيحي وهو مسلم بالميلاد. وهو يتحدث في هذا الجزء حديثا مشوشا عن جمعية سرية كلفته بمهمة دخول الدير ليصل لمنصب أسقف الحبشة ليكون وصوله إليه وسيلة لموازنة النفوذ البريطاني في المنطقة.
بدأت رحلة الرهبنة بدير وادي النطرون (غرب الدلتا) وكان الزعيم مصطفى كامل آنذاك يعاني مرضه الأخير - وهو أحد أطراف الجمعية السرية المشار إليها - وكان حافظ نجيب يغادر الدير لمهام تتصل بالرهبنة فكان يشترى الجرائد ويقرأها ثم يتخلص منها. وفي هذه المرحلة يتحدث حافظ نجيب عن مراسلات سرية كانت تأتيه من الجمعية السرية نفسها، وكان يحرقها بعد قراءتها. وبعد مغامرات كاد فيها بعض الزوار أن يكشفوا شخصيته الحقيقية غادر حياة الرهبنة نهائيا. ونظم مؤتمرا كبيرا للوحدة الوطنية بشخصيته المسيحية بتمويل من محمد بك فريد. ولم تكن شهرته على هذا النحو تخلو من مخاطر.
والمثير أن حافظ نجيب يكشف بوضوح عن مخطط تم بالتنسيق مع الزعيم الوطني محمد فريد يقول حافظ إنه عرض الأمر على بعض الزملاء المشتغلين بالسياسة من منشئي النهضة الوطنية فحبذوا رأيي، وقال أحدهم: «يجوز أن يكون الدير وسيلة لذهابك إلى الحبشة فى منصب مطران الحبشة، وذلك البلد لا يزال مستقلاً، ومنصب المطران هناك منصب عظيم جداً، واحترام الأحباش للجالس على كرسي المطرانية أعظم من إجلالهم للجالس على العرش»، وقال الثاني وهو على فراش مرضه الأخير: «وفى مقدور المطران المثقف ثقافة عالية أن ينشئ هناك جيشاً يعلم ضباطه فى النمسا أو ألمانيا، فيصير فى مقدوره اغتصاب السودان وإنقاذ مصر من المحتلين». وقال الأول: «هذا سر خطير.. فاحتفظ به لنفسك، ولا تيسر لأي صديق معرفته».
وبعد طرده من الدير ذهب إلى منزل محمد فريد فطرده قائلا: «لقد ذهبت إلى الدير لتختفي فيه وتعتزل العالم وقتا طويلا لينساك الناس ولتصل من الدير إلى الهدف الذي تهدف إليه، فمن الحماقة التي لا تغتفر ما فعلت لأنه أحدث ضجة تمنعك من البقاء فى الدير».

----------

بقلم:ممدوح الشيخ