رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

واو عطف

مأوى لأدباء مصر الراحلين

مقالات الرأى

الثلاثاء, 10 يناير 2012 08:29
بقلم: سعيد الكفراوى

قال الدكتور الفاضل وزير الثقافة: وحين طلبنى الناقد عبدالرحمن أبوعوف، مستغيثاً بالله وبسكان مصر المحروسة، وبكل سنوات الشدة التى عاشها فى خدمة الأدب، وبوحدته المؤلمة، مستحثاً إياى لعلاجه من مرضه، استجبت فوراً وأرسلت له سيارة نقلته إلى المستشفي، حيث استقر هناك تحت العلاج، وعرفت أنه كان يصرح لهوانه على نفسه وعلى الناس، ما الذى يحدث لناقد جيل الستينيات؟!.. وحين أسلم الروح لبارئها، وهيأناه للدفن لم نجد له قبراً يستره فواريناه فى مقابر الصدقة!!

لا أهل ولا أصدقاء!!
تماماً مثلما حدث للناقد الراحل فاروق عبدالقادر عندما تعذر إيجاد قبر له، ولم نجد له قبراً إلا هناك بعيداً عند الخانكة وكان هو أيضاً قبراً للصدقة!!
وهكذا عمر مصر بلد بلا قلب، بلد لا تعرف الشفقة ويؤكد أهلها دائماً أنها طوال تاريخها تأكل أبناءها، وتهرسهم برحى الأيام والسنين، وطن لقدمه وكهولته عبر الزمن انتهى أمره لقسوة تشبه حجر الطاحون.
أذكر سلطانة السلاطين، ذات الستر الجليل، ملكة الدنيا وحامية الدين، الملكة أم خليل شجرة الدر وهى تطحن مجوهراتها فى هون من الذهب، وقد اختلط عقلها، ثم

أخذت وضربت بالقباقيب حتى ماتت، فحملت فى قفة عارية إلا من لباس من الحرير، وألقيت على سور القلعة تلغ فيها الكلاب على مدى أيام ثلاثة حتى أشفق عليها بعض الحرافيش من أولاد البلد فحملوها فى قفة ودفنوها فى مقابر الصدقة!!
أى هوان؟!
وأى ذل يلحق بالوارثين ورثة حضارة وتراث أنهكهما الزمن وتسلط الطغاة، وحقب الظالمين.
الرجل النحيل، النحيف، أسمر الوجه، صاحب النظارة السميكة المشاغب أبداً مثل سفروت لا يكل ولا يهدأ، ولا يكف عن الاعتراض، وينظر بارتياب إلى ما يجرى حوله، صريح إلى حد الوجع، نسى فى غمرة محبته للأدب وللفنون ألا يكوّن أسرة تكون ملاذاً، وظل يمعن بنظره صوب الأيام لعل وعسي، فى انتظار القادم من الحلم، ولم يكن يعرف يوماً أن سنينه ومشاغباته وجلوسه على المقهى يقبض على مبسم الشيشة، وقراءاته بالليل والنهار، لم يكن يعرف أن كل هذه الأمور ستنتهى إلى مقابر الصدقة.
عاش عبدالرحمن أبوعوف طول عمره جاداً، وظل حريصاً دائماً على أن يبدو مختلفاً وممعناً فى مواجهاته الشجاعة مع من حوله.
أذكر أول مقابلة لى معه فى العام 1968 على مقهى ريش وأعطيته قصة ليقرأها وحين فرغ منها نظر فى وجهى وقال: بقول لك إيه انت مفكش أى أمل لا فى الحاضر ولا فى المستقبل، وطبطب على ركبتى وأكمل: ريح نفسك؟
جابهت رأيه بضحكة عالية فحرجنى بعينه الضيقة، وعندما اندهش لضحكى رد علىّ: على أى حال فوت علىّ بعد سنة يمكن يبقى فيك أمل.
شاركنى الضحك، وفى أقل من شهر كنا أصدقاء، وعلى مدى العمر يقابلنى فيشيد بما أفعل، ويسأل عن أولادي، ويصحبنى خطوات ثم يودعنى على عجل، أوجه خطابى لوزارة الثقافة، وبالذات لاتحاد الكتاب المصريين وأيضاً العرب، ولكل مسئول يرعى حرمة هؤلاء الراحلين، الذين أعطوا للوطن أعمارهم، وكتبوا بإخلاص ما يقدرون عليه، وعاشوا أزمنة الاحتمالات البغيضة، ومارسوا الكتابة باعتبارها حرية وفعل حرية، يحلمون بالثورة حتى جاءت الثورة فرحلوا تباعاً، حيث وجه الله القدير.
أوجه خطابى لاتحاد كتاب مصر والعرب أن يبنى مقبرة تليق بهؤلاء الكتاب الذين تقطعت بهم السبل، هؤلاء الذين عاشوا وحدتهم، ومضوا للموت بقلب كسير، أسترعى انتباه رئيس اتحاد كتاب مصر محمد سلماوي، الذى نعرف مبادراته الطيبة بأن يكرم مثوى هؤلاء بإقامة ضريح به نخلة وبعض الأشجار، مكتوب على واجهته «ضريح لأدباء مصر الراحلين».

بقلم: سعيد الكفراوى