من أين يبدأ الإصلاح؟

مقالات الرأى

الخميس, 29 ديسمبر 2011 15:34
سلام الكواكبي

يجري النقاش في الدول التي تعرف تحولاً ديمقراطياً، حول أولويات المسار قبل الوصول إلى تبصّر مآلاته. وفي هذا الإطار، تختلف المدارس وتتشعب الطروحات، فمن قائل بضرورة البدء بإحقاق العدالة الانتقالية وما يعنيه هذا من محاسبة الأنظمة السابقة بمستويات متفاوتة من المساءلة والمسؤولية. وهناك من يدعو إلى إطلاق عجلة الإصلاح الاقتصادي الضروري لكل إصلاح سياسي. وهناك من يرى أن إصلاح الدستور أو إعادة كتابته مفتاحٌ لكل تغيير. ومدرسة أخرى تجد في إصلاح القطاع الأمني القاعدة الضرورية لإطلاق إصلاحات سياسية تليه وترتبط بالتالي بالإصلاحات الاقتصادية والدستورية.

كلها خطوات لازمة ومتلازمة. ومن الضروري أن لا يُعيد العرب الذين تخطوا مرحلة سوداء في تاريخهم، اختراع الدولاب. وأن يحاولوا أن ينتقلوا إلى مرحلة الاستفادة من قراءة صحيحة لواقع الحال في كل حال. وكذلك، الاسترشاد بتجارب حظيت بفرص نجاح متميزة في بلدان أخرى خارج المنطقة الجغرافية العربية. والتخبط والتعثر واقعان لا محالة ولا يجب أن يشكلا مبعثاً على الإحباط. فالمجتمعات التي غابت وغُيّبت لفترة طويلة عن السياسة علماً وممارسة، من الطبيعي أن لا تُخرج الأرنب من قبعة الساحر بين ليلة وضحاها، وكل من ينتظر منها هذا الفعل، فعليه أن يذهب إلى السيرك مكتفياً بمشاهد ترضي استعجاله وتعجله.
بالمقابل، الخطر على التحول الديمقراطي قائم وأعداءه الطبيعيون والمستحدثون كثر. وكثيرٌ ممن يسيئون لهذا المسار لا يعرفون ما هم بفاعلين. وأولئك، يعيقون الأمل والمثل. فأمل الشعوب التي تنتظر سرعة التحول، يُصاب بالإحباط في كل عثرة تقع فيها القوى القائمة على التحول. أما المثل، فهو الذي يجب أن تمنحه الشعوب التي عرفت التغيير إلى شعوب تنتظر تحت وابلٍ من العنف والتعسف تمارسه عليها سلطات مستبدة لم

تسقط بعد. والإحباط الممكن حصوله في المسارات التي انطلقت منذ سنة تقريباً، يعطي مثلاً سيئاً لمن يسعى إلى بلوغ مرحلة التحرر من سلطة الفساد والإفساد والاستبداد. هنا يلعب الوعي الوطني والابتعاد عن الذاتية والأنانية السياسية والسعي إلى بناء أرضية مشتركة تضع مصالح البلاد نصب أعينها، دوراً هاماً في إنجاح التحول الديمقراطي المستند إلى جميع القوى السياسية دون تمييز أو مفاضلة. وبعيداً عن تشفي الأغلبية المنتخبة ضد الأقلية المعارضة.
أما المسيئون لمسار التحول الديمقراطي المتعمدون، فهم كثر. وليس العسكر فقط من ينفرد بهذه الخاصية عندما يتحولون عن واجبهم الوطني في تأمين الدفاع عن الدولة وشعبها، إلى لعب دور محركٍ للدمى في مسرحٍ سياسي مشوّه مسيئين قبل كل شيء إلى الصورة المثالية التي ترسّخت في أذهان العامة حول دورٍ منزّه للمؤسسة العسكرية في بعض البلدان. فهناك بعض أصحاب العمائم والذقون (المستحدثة) التي انبثقت من العدم الفكري إلى ساحة العمل السياسي في إساءة واضحة إلى التعاليم الأخلاقية للأديان كافة. وهناك آخراً وليس أخيراً، فوضويو أولويات، يضعون الحصان أمام العربة فلا تتقدم البتة محدثة أضراراً لا يمكن إقناع المترددين والمشككين بنجاح الثورات العربية بأنها عابرة. أما شعاع الأمل الذي يُشرق في أذهان وقلوب الشعوب المتعطشة للحرية كافة، فيتمثل بأول انتخاب ديمقراطي لرئيس جمهورية عربي والذي جرى في تونس وأتى بالمناضل الحقوقي منصف المرزوقي والذي سيلعب دوراً هاماً، ليس فقط على مستوى الفعل السياسي التونسي، بل وأيضاً في المجال السياسي العربي بمجمله. في غابة المستميتين في وعلى السلطة وقتلة شعوبهم، كم جميلٌ ومؤثر أن تعانق الدموع مآقي الإنسان المرزوقي في خطابه للأمة، كل الأمة.
*مدير الأبحاث في مبادرة الإصلاح العربي