في اللحظة الخطرة

مقالات الرأى

الثلاثاء, 27 ديسمبر 2011 09:26
بقلم -دكتور أسامة أبوطالب

كلمة أولى:
(قبل أن أدخل في الموضوع لا بد أن أدلي بشهادة حول الشارع المصري الذي لا ينكر أحد تحقق قدر ملحوظ من الاستقرار فيه بعودة رجال الشرطة منذ تولي وزير الداخلية الجديد اللواء محمد ابراهيم يوسف. علاوة على ما شاهدناه من استقرار واضح وغالب أثناء الانتخابات..

كما لا ينكر أحد إشراق ابتسامات متبادلة وإشارات لعودة الود والاحترام بين كثير من رجال الشرطة المخلصين في مواقعهم وبين المواطنين الذين رأوا ذلك فلم يبخلوا عليهم بعبارات الشكر وتحيات التقدير)!
الآن يتفق الجميع من مصريين وغير مصريين.. مخلصين للثورة وغير مخلصين على أننا نمر بلحظة خطرة. أما المخلصون فينقسمون إلى واعين فاعلين وواعين غير فاعلين. فأما الواعون الفاعلون فأولهم الفئة القائدة المبادرة من شباب الثورة الطاهرين وفي مقدمتهم الشهداء الحقيقيون الذين أكد شهادتهم رفاقهم والتحقيقات والتحريات التي أجريت لفرزهم عن غيرهم . يليهم من الشهداء أولئك الضحايا الذين خرجوا بالمصادفة أو لحب الاستطلاع أو القلق على ذويهم فساقتهم أقدارهم لأن يكونوا في مواطن الخطر فيقتلون.. وأما الواعون غير الفاعلين فهم الغالبية العظمى من المواطنين الطيبين المكتفين بمراقبة الأحداث دون أن يكفّوا عن الدعاء كي يخرج الوطن من أزمته وأن يتوقف نزيف الدماء وأن يتحقق لحياتنا ما نحن جديرون به من استقرار. وهم يمثلون غالبية من أبناء الشعب كانوا جميعهم فرحين بقيام الثورة مستبشرين بعهد جديد. ومن الإنصاف القول إنهم وحتى الآن لا يكرهون الثورة وإنما يخشون من عواقبها الجسيمة بعد أن رأوا بأعينهم ما آلت إليه الأوضاع - ماديا ومعنويا - حينما انقطعت أرزاق الكثيرين منهم لافتقاد الأمن وتوقف الإنتاج!
وأما غير المخلصين للثورة ففيهم من يكتفي بالتشاؤم منها ومن يمارس التشكيك في عواقبها . ومن يتجرأ بإظهار حسرته على غياب ما نعموا به من استقرار مزعوم ومكاسب حرموا منها الآن.. وكلهم لا يعنيهم تحت أي نظام للحكم ولا لأي سلطة

ينقادون مادامت كروشهم منتفخة وجيوبهم تمتلئ بأية وسيلة . مثلما لا يفهمون من السياسة إلا ما تحققه لهم من الامتيازات سواء كانت سياسة وطنية أم عميلة. تتعامل مع العدو أو تقاطعه .. تفرّط في مياه النيل أم تحافظ عليها .. تجوِّع مواطنيهم أم تتركهم تفترسهم الأمراض ؟ أما المتربصون بالثورة فهم بحمد الله – مهما كان عددهم أو أعلنوا عن خطورتهم وبالغوا في إظهار قوتهم - قلّة محدودة يكفّ أذاها عند الإعلان عن أصحابها. حيث ينهي ذلك حالة التخمين والتخبط وحالات الاتهام والإدانة والتجريم بدليل أو دون دليل. مثلما يبطل سموم خطورتها أن ينتهي القضاء من إصدار أحكامه العادلة ضدها.
بقي الغرب وأمريكا وإسرائيل ثم بعض القوى الإقليمية المحيطة حيث مما لاشك فيه أن استهداف استقرار مصر لا تخفيه نواياهم مثلما لا تخلو منه مخططاتهم. لأنه لو تحقق فإنما يعني قيام دولة محورية تتمتع بوضع اقتصادي واجتماعي يؤهلها لأن تحقق نهضة مماثلة لما حققته تركيا. وأن تتمتع بقوة واستقلالية تضاف إلى قوة واستقلالية إيران. الأمر الذي يكمل بها ثالوث الخطر الذي يخشى الغرب اكتماله لو تحققت النهضة المصرية وتحقق بها المشروع القديم الذي سبق لهم ترصده والتآمر عليه وتدميره منذ ظهور بشائره في بداية الدولة الحديثة بحكم محمد على.
(الإخوان قادمون والسلفيون سوف يؤازرونهم والدولة المدنية سوف تصبح حلما عابرا وانقضى . كما أن الحريات سوف تقمع والنساء السافرات سوف يضربن وسياط الجلد تطرقع بها جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المصرية التي سوف يطلقها الإخوان والسلفيون باتحادهم الوشيك تحت قبة مجلس الشعب. وسوف يتعين على شاربي الخمور أن
يسافروا إلى الخارج أو أن يتسمموا بأردأ أنواعها في غرف مظلمة حتى لا تصل إليهم عيون المخبرين الجدد من أصحاب اللحى الطويلة والذقون والجلابيب دون الركبة . كما ستنطلق الإذاعات والتليفزيونات بالأذان وحده وبالقرآن دون غيره. وسوف يدفع المسيحيون الجزية «عن يد وهم صاغرون». كما سوف يتم تحريم الألوان ما عدا الأسود.. وسوف يصبح أبطال مسلسلاتنا وأفلامنا ممسكين بالسيوف ويتزعمهم أبو جهل وأبو لهب والكفار المتهللون بينما تتجهّم باقي الشخصيات المسلمة وتصرخ منذرة بالثبور وعظائم الأمور. كما سيتم تحريم الهامبورجر والماكدونالد والكنتاكي والبيبسي والكوكاكولا واستبدال القرص وفطائر الرحمة والعرقسوس بها. كما أننا سوف نعيّد في المقابر ونقيم أفراحنا في الجبانات ونعيد تخطيط وبناء السيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة عائشة والإمام الشافعي لتكون الأحياء الفخمة المميزة في العاصمة الإسلامية الجديدة وننقل وسط البلد إلى الفسطاط كي يتوسطه جامع عمرو. مثلما سيتم تحديد الأسماء التي نطلقها على مواليدنا إجباريا. ومن يخالف الإجماع السلفي الإخواني فإنه يخالف الشرع ومن ينتقد أحكامه فقد عادى الله ورسوله..... الخ).
أليست هذه هي صورة المستقبل التي ترسم الآن ويتم التهديد بها بواسطة الكثير من وسائل الإعلام. مثلما تتم إشاعة أن الحكومة القادمة ستولد نتيجة اتفاق أو مؤامرة بين الإسلاميين الفائزين والمجلس العسكري؟ فماذا يعني ذلك كله غير محاولة انقلاب على انتخابات لم تشهد لها مصر مثيلا في إيجابيتها ونسبة طهارتها والإقبال المتحمس الخالص لوجه الوطن عليها ؟! وكأن البرلمان القادم بما يضمّه من عناصر تؤمن بحرية الفكر وتقدمية الحكم وصالح الوطن وأمان المواطن ورفاهيته لن تكون ضمانا كافيا تجاه سيطرة الإسلاميين ؟ ..وأنه ليس بين هؤلاء الإسلاميين من هو متنور. وليس في الإسلام سوى القهر والظلمة والتكفير؟!
هكذا يجروننا بعيدا إلى ساحة غير ساحة الواقع ويغرقوننا في مناقشات وثرثرات نظرية بعيدا عن حقيقة بسيطة مفادها أننا نريد استقرارا. وأن ذلك الاستقرار لن يتحقق إلا في وجود مجلس شعب ورئيس جمهورية منتخب. وأن هناك من الضمانات – التي لا بد وأن توجد في الدستور الجديد - ما يكفي للحل والعزل وسحب الثقة لو تجاسر أحدهما على الانحراف ؟ وأنه لا خوف من البلطجة وقد حدث للشرطة أن أمنتنا في الانتخابات ثم بعدها . ولا خوف من المظاهرات طالما بقيت ملتزمة ولا من الاعتصامات طالما لم يختلط بالشباب الطاهر خونة أو بلطجية أو حاقدون ناقمون؟
دكتور أسامة أبوطالب
[email protected]