رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ملك مصر .. حكم مصر

مقالات الرأى

الثلاثاء, 29 نوفمبر 2011 08:51
بقلم: دكتور أسامة أبوطالب

«أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي» هكذا سأل فرعون موسى مستنكرا وقد خدعه زمن طويل بقي فيه مطمئنا لاستحواذه على ملك مصر وقد رسّخ في الأذهان وثبت فيها بالوهم وبالتخويف وبالعسف أن التفكير في معارضة الحاكم «الملك» الفرعون تجديف

. وأن التمرد عليه كفر، وأن بقاءه على عرش هذا البلد هو بقاء أبدي سرمدي. فعل فرعون كل ذلك لأنه آمن به فارتكبه واقترفه دون أن يفكر لحظة أو يتذكر أن هذا البلد الذي يستغله ويستنزفه ويجعله يسجد له ويركع ويستجدي - كأنه إلهه بالفعل - بلد عجيب يتقلقل عرشه تحت من تسول له نفسه أنه سوف يستقر عليه دائما أو سوف يلتصق بمن يورثه لهم إلى الأبد.. فعله دون أن يخطر على باله لحظة أن مصر تصبر طويلا على القهر وأنها تغلق أفواهها  تحت وطأة الطغيان حتى يظن طغاتها أنها قد استسلمت واستكانت فإذا بها تتململ ثم ترفض ثم تعترض ثم تتمرد وبعدها تقع الواقعة فتثور. وأن ذلك الصبر يجعلها تختزن أحزانها حينا من الدهر فتبتلع همومها لكنها لا تهضمها بل تظل محتفظة بها في معدتها مثل الجمال التي تجتر ما سبق وأكلته حين تجوع. وكذلك حال مصر: تبتلع  أطباق الظلم رغم قسوته؛ وتزدرد جرعات الاستبداد رغم مرارتها ؛ وتحشر في جوفها وجبات القهر ثم تغلق فمها وتغمض عينيها وتحنى رأسها قليلا حتى يظن طغاتها أنه قد

أنهكها التعب وأخرسها الإعياء فخمدت روحها وتضعضعت مفاصلها فيجربوا أن يجبروها على الانحناء أكثر - كي تصبح مطية سهلة لهم - فتطيعهم وتواصل الانحناء حتى يهيأ لهم أنهم قد سووا رأسها بالأرض وأوصلوها إلى الحد الذي لا تقوى به على التمرد لكنها تظل قادرة على أداء مهام العبيد وأن لا شيء فيها أو في أهلها سوف يتغير، إذا بها تنتفض فجأة : تفور مثلما يفور الحليب الرقيق الأبيض الساكن الذي تركه الغافلون على النار  دون أن يحسبوا حسابا لفورانه. وتنهض نهوض  الجمل الذي يظل صابرا متحملا كاظما غيظه  حتى إذا ظن «الجمّال» سائسه المستبد أنه كسر أنفه وسيطر عليه وأذله؛ إذا به ينقض عليه مرة واحدة فينشب فيه أنيابه ويرفعه إلى أعلى ثم يظل ينفضه ويضرب به الأرض في حين لا يستطيع أحد بل لا يجرؤ أن يقترب منه أو يخلصه من بين أسنانه إلى أن يتأكد أنه قد فارق الحياة وتحول إلى جثة هامدة  فيتركه ويمضى شامخا وناظرا إليه باحتقار دون أن يقدر أحد عليه. ثم  يظل حينا من الدهر نافرا جامحا عنيدا إلى أن  يأتي له سائس آخر ماهر مسايس يأخذه بالرقة مع الحزم، وباللين مع الحسم، وبالشدة
مع العدل، حتى إذا أنس إليه ووثق في قدرته على قيادته وأحب ترويضه لنفوره واستئناسه لعناده واحترامه لكبريائه إذا به يسلم زمامه إليه طائعا بعد أن تأكد من صدقه معه ومن احترامه له ومحبته وعدله في معاملته مع مهارته في الإمساك بخطامه بحنوّ الأقوياء وحزم القادرين الطيبين!
وهكذا هو حكم مصر. حكمها الذي يفترق كثيرا عن ملكها أو محاولة امتلاكها، لأنها كالمهرة  الحرة لا تسلم نفسها لمن تحبه فقط؛ بل لمن هو قادر على أن يدفع مهرها وأن يظل محتفظا بمحبتها وثقتها التي لا تمنحها سوى للجديرين بها الذين يثبتون حسن  معاملتها، والقادرين حقيقة على سياستها بالعدل الحازم وترويضها بالمحبة الصادقة الحاسمة وليس بالأماني الخادعة أو بالوعود الطائرة في الهواء وبالتحديد في هذا الوقت  بعد أن  تغيرت تغييرا كبيرا لا يلحظه سوى أهل الفطنة وأصحاب العقول المتأملة من المخلصين العارفين قدرها والقادرين وحدهم على استخلاص العبر والتعلم من دروس التاريخ والاستفادة من التجارب البسيطة والمريرة على حد سواء. كما أن مجرد المعرفة والإخلاص وحدهما لا يكفيان  إن لم يقترنا بعمل واضح يتبع خطة محددة ويسير على نهج مدروس ثابت ومستقيم يؤمن بأن العدل مظلة يجب أن تُفرد فتغطي رؤوس الجميع . وأن القرار مشترك يمتنع أن يستأثر به أحد. وأن اسمه هو الديمقراطية مهما تعددت التسميات وتحذلقت الاجتهادات. وأن أرضها للجميع دون أي تفضيل أو تمييز أو استثناء. وأن ثمرها وعشبها ومياهها وفرصها ووظائفها واستنشاق هوائها حق واجب لكل أبنائها دون تمييز. وأن الله الواحد في سمائه لا ينتظر من أحد تزكية عليه أو مزايدة على إيمانه به . وأنه هو وحده الذي يحاسب والذي إليه المآل. وأنه يستقبلنا فرادى ويحاسبنا كل على حده وينادينا يوم القيامة بأسماء أمهاتنا. وأن الدين له وحده والوطن للجميع.
[email protected]