القلم يفكر

أحجار على رقعة الشطرنج!!

مقالات الرأى

الأربعاء, 09 نوفمبر 2011 09:29

أتذكر الرئيس الراحل «أنور السادات» فى العام 1972.. فقد كان دائم القول عن هذا العام, أنه «عام الحسم».. ثم باغتنا بمفاجأة قبل نهاية العام بفترة وجيزة.. فقام بتعديل الوصف من عام الحسم إلى «عام الضباب»..

كنا لا نعرف ما يجرى فى الكواليس.. كانت مصر كلها تغلى بحثا عن تصحيح لكارثة النكسة فى عام 1967.. ويتذكر من عاشوا تلك الأيام, كم كان الإحباط يتمكن من النخبة والمثقفين.. وكم كان الشباب يغلى فى الجامعات والمدارس.. بل وفى المصانع والمزارع.. واستمرت تلك الحالة حتى جاء يوم السادس من أكتوبر, وتحقق الانتصار العسكرى.. ودارت عجلة الأحداث بما هو معلوم بالضرورة.
القياس مع الفارق يدور حول عام 2011.. فقد كان عام الحسم فى بدايته, ثم انقلب إلى عام الضباب عند نهايته.. وبما أننا جميعا لا نعرف ما يدور فى الكواليس.. ولم يتسن لنا الاطلاع على الصفقات التى جرى عقدها بين الأطراف الفاعلة, عقب ذهاب المخلوع عن الحكم والتحاق نفر من رموز نظامه بسجون طرة.. ثم التفاف رموز نظامه الذين كانوا فى المقاعد الخلفية, على الثورة والثوار ومصر الجديدة.. حتى تمكنوا من الإمساك بعنق الوطن عبر مقاعد مجلس الوزراء بداية من رئيسه.. وعبر الأبواب السرية مقتربين من السلطة الحاكمة حاليا – المجلس الأعلى للقوات المسلحة – وبما أن أولئك كانوا يصرخون مؤكدين انحياز المجلس الاعلى للتيارات الإسلامية.. فقد اعتقدنا أنه لا توجد لديهم فرصة فى الاقتراب من رموز المؤسسة العسكرية.. لكن

الرياح جاءت بما تشتهيه السفن.. فإذا بجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب المفقوسة عنها تحقق كسبا كبيرا وسريعا.. تجسد فى فتح الطريق أمامها, لكى تلعب دور البطولة على المسرح السياسى.. وكان مذهلا أن الطريق الموازى لهم, تم فتحه لفلول النظام السابق.. لتستمر لعبة الرئيس المخلوع, مع تغيير بعض قواعدها وقوانينها.. فجماعة الإخوان المسلمين التى مكنها مبارك من الشارع والبرلمان, مع ممارسة القمع تجاهها بين الحين والآخر.. تحولت إلى اللاعب رقم واحد فى المشهد السياسى.. أما فلول النظام الذين كانوا يحكمون ويتحكمون فى كل شىء, أصبحوا اللاعب رقم اثنين مع السماح بتوجيه الضربات واللكمات لهم على الطريقة التى كانت تتلقاها جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب المفقوسة عنها!!
المشهد الجديد اختفى منه الشعب وشباب ثورة 25 يناير.. وإن ظهر بعضهم عبر أحزاب جديدة, يتاجر الجميع بهم.. لكنهم محظور عليهم الفوز بأية ثمرة.. وأخذت الصورة تتكشف يوما بعد الآخر.. فإذا بنا أمام صراع محموم وشرس.. أطرافه أربعة هم: أحزاب الإسلام السياسى, والعلمانيون, والليبراليون, وفلول النظام الساقط.. أما الثوار وباقى «الشعب المصرى الشقيق» فقد أصبحوا يتعرضون لأكبر حملة تشهير من المربع الذهبى.. فالجميع يطلق عليهم «حزب الكنبة» بمعنى أنهم خلدوا إلى تجويد الصبر والصمت والملل.. بينما الجميع يأمل فى خداعهم وكسب أصواتهم,
ليتمكن من فرض كلمته على الأمة خلال المستقبل القريب.. هكذا أرى الصورة وفق اجتهادى, الذى لا أسعى لإقناع أحد به.. وسيأتى يوم نراجع فيه تلك «المعمعة» التى نعيشها.. كما سيأتى يوم لنجد أنفسنا فى مواجهة يوم 5 يونيو 1967.. أو يوم 6 أكتوبر 1973.. فالمشهد السياسى يؤكد أننا سنواجه أحد الموقفين.. إما نكسة نعانى بعدها لسنوات.. أو انتصار يأخذنا إلى شاطئ الأمان.. وهنا يثور السؤال: «من الذى يعرف إلى أى الموقفين نمضى؟!»
عشرات من المثقفين ورموز السياسة الجدد, يتقافزون عبر الفضائيات وعلى صفحات الجرائد.. كل منهم يبشرنا بالنكسة أو الانتصار.. لكن الحقيقة كاملة يملكها القادر على تحريك الأحجار فوق رقعة الشطرنج!!.. فإذا كانت الثورة قد أرادت أن يكون «الشعب المصرى الشقيق» فاعلا.. وإذا كانت «الجالية المصرية فى القاهرة» قد حاولت أن تساعد هذا الشعب على أن يكون فاعلا.. فإن الأحداث جعلته يراوح مكانه, ليبقى مفعولا به!!.. ولا أدرى إن كانت أطراف المشهد السياسى, ستقدر على الانتصار للفاعل أو المفعول به!.. لكننى أعلم أن الجميع يلعب بالنار, فى رقصة تبدو كما لو كانت «رقصة الموت» – أتمنى أن تكون رقصة الحياة – لكن الجميع سيخرج من المعركة خجلا ونادما.. لأنه اختار السخرية والاستهزاء بـ «الشعب المصرى الشقيق».. ودليلى على ذلك أن الإعلان الدستورى, يتم تعديله مرة بعد الأخرى وسط صمت مريب وموافقة تفجر الاسترابة من كل الأطراف.. فهذا دستور يوظفه كل طرف لصالحه.. المهم أن التعديلات لا تمس أصحاب الصوت العالى.. ودليلى أيضا.. أن الأمن المفقود منذ 9 أشهر «خرج ولم يعد».. بل إن حكومة «الصعود إلى الهاوية» تمارس كل ما تعرفه – وما لا تعرفه – لتكريس الضباب والتدهور الاقتصادى والاجتماعى والسياسى.. إضافة إلى عشرات القرائن التى تجعلنا لا نعرف لماذا عشنا عام الضباب.. ولا متى سنذهب إلى عام الحسم؟!
نصر القفاص
[email protected]