المشي البطال بين أنيس وجمال 2/2

مقالات الرأى

الأحد, 06 نوفمبر 2011 22:31
بقلم: أحمد جمال بدوي

تحدثنا في مقالنا السابق عن بداية معرفتي بأستاذنا الراحل الكبير أنيس منصور وعن الرابطة الثقافية والمعرفية التي ربطت بينه وبين الراحل الكريم جمال بدوي وكيف تحولت لقاءتهما إلي محاورات فلسفية وتاريخية أغلبها يتعلق بشخصية مصر.

لقد اكتشف أنيس منصور أن ضالته الهاربة هي مصر وشخصيتها قيمتها ومكانتها وأن العثور علي هذه الهاربة يتطلب جهداً ذهنياً فائقاً وأستنزاف شرايين المخ بما تحويه من حياة ودماء ونبض تتناقص قوته مع قراءة آلاف الكتب والأبحاث ومتابعة ملايين الحوادث والاخبار وتأريخ آلاف المواقف والأحداث ليس فقط لنعرف من هي مصر، ولكن الأهم أن نفهم من هي مصر وكان شأنه في ذلك شأن جمال بدوي وعرف الاثنان أنهما قد صرفا العمر واستنزفا العقل في

محاولة فهم مصر حتي وهنت أوردة الفكر والذاكرة في جسديهما الامر الذي أدي مع تقدم السن الي حدوث مشاكل صحية بالمخ، خاصة بالنسبة للوالد فصار يعاني من مشاكل بتصلب شرايين المخ ولأن أ. أنيس يعلم تماماً أن أول وأكثر ما يمرض في جسد المفكرين والفلاسفة هو عضو المخ لكثرة ما أرهق في الاجهاد الفكري والذهني وهو طريق يؤدي في النهاية الي إما توقف المخ عن العمل أو الموت وهما بالنسبة للمفكر سيان لذلك فلست أنسي الموقف الاخير لعمي أنيس منصور في زيارته الاخيرة للوالد بالمستشفي وهو علي فراش المرض بتصلب
شرايين المخ وبرفقته المحامي الكبير فريد الديب اذ كان تعليقه الذي كتبه علي كارت شخصي منه أحتفظ به لدي حتي الآن تعليقاً فلسفياً وطريفاً في آنٍ واحد اذ كتب يقول (سلامتك يا جمال.. أدي آخرة المشي البطال!).
وبالطبع كان المقصود من المشي البطال هو طريق الفكر والثقافة والتاريخ الذي مشياه سوياً وصرفا فيه شبابهما الي أن يأتي ذلك الزمن الذي يعلن فيه المخ عن تصلبه عن التفكير وقتها يظهر السؤال الكبير والأخير ماذا يمكن أن يبقي للمفكر اذا توقف عقله عن التفكير وعجز عن ملاحقة الحقيقة وقتها ندرك كما أدرك أ. أنيس مع جمال بدوي أن الحقيقة الوحيدة الصادقة قد قاربت علي الحضور ليغيب الجسد وتعود الروح الي خالقها الذي أنشأها أول مرة ليرحل المفكر والفيلسوف في هدوء تاركاً خلفه صدقةٌ جارية بالعلم فياضة بالمعرفة سيالةٌ بالفكر ندعو الله أن ينفعنا بها وبما تركه لنا عمي أنيس رحمه الله.
[email protected]