رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ليس كل الموت موتاً.. ولا الطغاة كالطيبين (1-2)

مقالات الرأى

الثلاثاء, 25 أكتوبر 2011 08:54
بقلم :دكتور أسامة أبوطالب

اللهم لا تجعلنا من الشامتين. سقط معمر القذافي ليصبح الرقم الثالث في قائمة طغاتنا المنتهين في القرن الواحد والعشرين والبقية تأتي. سقطت ورقته من على غصن شجرة الآجال في موعدها المقرر المحتوم

، فرحل كما رحل ملايين بل مليارات البشر من قبله - وكما سيرحلون تباعا فيما بعد - فالموت لا يتوقف عن الأخذ كما لا تتوقف الحياة عن الدفع بآخرين كي يقضوا أيامهم الموعودة ثم يعودون إلى التراب الذي منه جئنا وإليه نعود . انتهى صاحب الألقاب العديدة التي كان أفخمها وأشدها أسطورية وبدائية واتصالا بالمجاهل والأدغال هو ملك ملوك أفريقيا. رحل منتظراً أن ينادى يوم اللقاء الأعظم مجردا من جميع الأوسمة التي جمعها والنياشين التي زين بها صدره وقد سقطت عنه جميع الألقاب، فلم يتبق له سوى اسمه واسم أمه ينادى بهما مثلما سننادى جميعا بأسماء صاحبات الأرحام التي قذفنا من ظلامها. انتهى مثلما انتهى من قبله ومثلما سوف ننتهي جميعا رغم أن النهايات لا تتساوى فلكل ميتة هيئة ولكل رحيل صيغة وتكوين وكيفية!
كيف ننتهي إذن ؟.. كيف نرحل وكيف نفارق الحياة وما شكل فراقنا المحتوم؟ ذلك هو السؤال الهام الذي على الرغم من مفاجآت النهايات وصدماتها ولاتوقعاتها يمكننا أن نتنبأ بإجابته لو أنه تعلق بمصائر الطغاة ونهايات المستبدين، كل حسب درجة استبداده وبمقاس طغيانه. فكما يصدق أن

«القاتل يقتل ولو بعد حين» تصدق التوقعات بنهايات للطغاة على أشكال خطرة وبصيغ مداهمة غريبة وموحشة إلى حد كبير. لكنها غالبا ما تتناسب مع علوّهم وعتوِّهم وجورهم تناسبا طرديا. فكلما زاد العُلو أصبحت هاوية السقوط أكثر عمقا ومسافة التردي أشد انحدارا وهيئة الميتة أفظع وأبشع. كما يصبح دوي الوقوع مجلجلا وصداه أكثر ارتفاعا وصخبا لأن شهرة الموت لابد وأن تتكافأ مع شهرة الحياة فالموت عنده نظر. تلك هي سنة الحياة ونهايتها المؤكدة التي لا تقبل المناقشة ولا تسمح بالتمحك ولا بالجدال. وقد جرب كثير من الطغاة الخروج عليها فكانت نهاياتهم بحجم ذلك التجرؤ وعلى مقاس شهرته: أمر فرعون مصر كبير وزرائه هامان أن يبني له برجا كي يصعد منه إلى حيث «إله موسى» مخترقا حدود الكون ومتخطيا محيطه فانشق به البحر وابتلع قومه من خلفه لكنه أنجي ببدنه كما ذكرت الآية الكريمة «فاليوم ننجيك ببدنك..» وذات يوم سوف يجدها المنقبون عن الآثار إن لم يكونوا قد عثروا عليها بالفعل لكن هويتها لم تتأكد لهم بعد. ومن قبله تمادى النمرود في طغيانه فادعى أنه يميت ويحيي فكانت نهايته أكثر حقارة من أي
مخلوق على وجه أرض : بعوضة تدخل في أنفه وتسبب له هيجانا في الرأس لا يسكت عنه فظلوا يضربونه بالنعال بأمر منه حتى مات!
و كما جازف الطاغية الروماني كاليجولا عندما أراد أن يحصل على القمر كرمز لامتلاك المستحيل فدمر نفسه بعد أن دمر الكثير من حاشيته وأقربائه، انتحر الزعيم النازي هتلر مع عشيقته ومات الطاغية الروماني شاشييسكو مع زوجته مهانا على يد شعبه وانتهت حياة المستبد المستبد الأسباني فرانكو معذبا يعاني نهش العلل وتمزيق الأمراض في جسده لحظة بلحظة. أما نهاية أريل شارون سفاح صبرا وشاتيلا فلا تزال رغم عجزه الكامل وغيبوبته غامضة معلقة فلا هو حي ولا هو بميت. ومن يدرينا أي عذاب يعذبه الآن وقد حرم حتى هذه اللحظة – ولحكمة إلهية - من حق المواراة في التراب الذي هو حق لجميع الميتين. كما حرم معمر القذافي من الميتة السريعة الهادئة فكتب عليه أن يتجرع كأس نهايته موتا مؤلما فظيعا بطيئا. وأن يشهد – مع العالم - كبرياءه ممرغا في التراب وعظمته منكسة في ماسورة مياه. كما كتب على طاغية مصر وأبنائه أن يتفرجوا على نهايته من خلف القضبان ربما من لطف الله بهم كما أنه من رحمته بشعبهم الطيب وتكريمه له قدّر ألا تتلوث أيادي المصريين بالدماء!
يبدأ الطاغية طغيانه بطيئا ويتمادى فيه تدريجيا وعينه تراقب من يطغى عليهم وتقدر إلى أي مدى يقاومون طغيانه أو بأي معدل يستجيبون لجبروته فيستسلمون. وهو لا يفعل ذلك وحده بل تساعده عصابة نذرت نفسها لنفاقه وكرست جهودها لتزيين طغيانه . يتفننون في تصوير بغيه على أنه حسم وشراسته على أنها انضباط. وغبائه على أنه حكمة. وجهله على أنه معرفة وخوائه على أنه علم.

[email protected]