رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بلد غني... بلد خالي من الفقر

مقالات الرأى

الأحد, 16 أكتوبر 2011 08:18

بقلم: جادالله صفا – البرازيل

منذ ما يزيد على عام كانت لي تجربة عمل باحدى مراكز الابحاث الاجتماعية والتطبيقية بالبرازيل وما زالت، تجربة اعتقد انها كانت وما زالت غنية ورائعة للتعرف على واقع نسمع عنه وبالحقيقة لم نشاهده او نعيشه، واقع تتحدث عنه وسائل الاعلام المحلية البرازيلية وبعض وسائل الاعلام الدولية عن الجريمة والجوع والفقر بالبرازيل،

وهذا ما يقلق الحكومة العمالية البرازيلية، فرغم الانجازات التي تم تحقيقها من قبل الحكومة السابقة والحالية لمواجهة هذه التحديات، الا انه ما زالت هناك مسافات طويلة للتغلب على هذه الازمات والمشاكل الاجتماعية بشكل نهائي.

بالعام الماضي كان لي تجرية بالمشاركة بدراسة ميدانية عن الجريمة وضحايا العنف باحدى الولايات البرازيلية، لمعرفة نسبة ارتفاع الجريمة وضحايا العنف خلال الاثني عشر شهرا الاخيرة،  والتي استمرت لمدة 105 ايام متتالية، فنشر نتيجة هذه الدراسة هي من اختصاص حكومة الولاية، ورغم ان الجريمة بهذه الولاية وضحاياها قليلا ما ينشر من خلال وسائل الاعلام المحلية والدولية، فاستنتاج الذي خرجت به بصفتي اعيش بالبرازيل منذ عشرات السنين، بان الجريمة بهذه الولاية هي جريمة هادئة وغير معلنة نتيجة الخوف الاتي من التنظيم والتخطيط  والمسؤولين عن ارتكابها، وبالواقع انا لست مسؤولا عن نشر شهادات لمواطنين ولما شهادناه بام اعيننا، ولكن الواقع فعلا مرهب جدا، عندما تلتقي عصابات المافيا مع الفساد.

ولكن ما اريد ان اشير اليه هو البحث الميداني الاخير الذي استمر ما يزيد على اربعة اشهر، هذا البحث جاء بناء على طلب من وزارة التطوير الاجتماعي ومكافحة الجوع، حيث تم اختياري لاكون ضمن فرق البحث لمركز الابحاث الذي اعمل لديه والتابع لاحدى الجامعات الفيدرالية البرازيلية، حيث تسعى الوزارة من هذا الى مكافحة الجوع عند قطاعات واسعة من الشعب البرازيلي التي يفوق عددها عن 16 مليونا برازيليا، الاغلبية من العائلات تعتاش على مبلغ لا يتجاوز ال 70 دولارا بمعدله المتوسط حسب ما تعلنه الوزارة، ولكن الواقع اسوء من ما هو معلن رسميا.

البحث الميداني الذي شاركت به تركز على قطاع محدد من البرازيليين، تجمعات السود المعروفين بـ  (كولومبولاس Quilombolas)،

وهذه الكلمة اصلها افريقي وتعني مخبأ الثوار، هذه التجمعات تعود الى ذوو الاصول الافريقية الذين هربوا من الرق اثناء الاستعمار البرتغالي للبرازيل وسكنوا بالغابات وبالقرب من منابع الانهار وبجوارها، ليضمنوا بتلك الفترة البقاء على قيد الحياة حيث الانهار التي يتوفر بها الثروة السمكية اضافة الى بعض الاشجار المثمرة المتوفرة هناك التي تشكل مصدرا لأن يعتاشوا منها.

خلال هذه الفترة تمكنت من اجراء ما يزيد على 700 مقابلة بـ 45 تجمعا في 6 ولايات برازيلية، من ما مجموعه 11500 عائلة المقرر اجراء البحث عن واقعهم المعيشي، هذا البحث الذي لم تخرج نتيجته بعد، حيث نشر نتائج البحث من اختصاص الوزارة، الاغلبية الساحقة من هذه العائلات ما زالت تسكن ببيوت خشبية، تفتقر الى الحد الادنى من مقمومات العيش، الراحة والامان بالعديد من هذه المنازل، اضافة الى سوء التغذية، نجد بالعديد من البيوت اكثر من عائلة، لنكتشف باحد البيوت الخشبية المكون من صالة ومطبخ وغرفة نوم يسكنه 26 فردا ينام جزءا منهم بالمراجيح، دخلهم الشهري لا يتجاوز ال 204 ريالات اي ما يعادل 120 دولارا مقدمة من الحكومة، لا مراحيض بالبيوت، يستحمون بالانهر او برك المياه، البعض منهم يأكل فقط الرز، واخرون يأكلون السمك الذي يصطادوه من الانهر، واخرون لا يجدون الا الفاصوليا، من النادر ان تجد فرد يأكل ثلاث مرات باليوم، واعداد كبيرة منهم يتناولون الغذاء مرة واحدة باليوم جزءا منهم اطفالا لا تتجاوز اعمارهم السنوات الخمسة، تجمعات لا مصدر رزق لها، لا يعملون، لنجد ونكتشف ببحثنا ان ما زال هناك بعضا منهم يعمل دون ان يتقاضى اجرا، يعمل مقابل الحصول على غذائه وعائلته.

تجربة ليس من السهل الحديث عنها، وليس من خلال هذا المقال الحديث عن تفاصيلها، ونقل شهادات العديد
من من قابلتهم، ولكن اؤكد ان الصورة مؤلمة،  نعم مؤلمة جدا دون ادنى شك، بالواقع هم قضية بكل معنى الكلمة، تجمعات عاشت سنوات وعقود وحتى قرون بالقهر والظلم والاستبداد والاستعباد، تجمعات كانت محرومة فعلا من حقها بالعيش، ومحرومة من الكرامة ومن الاستمتاع بانسانيتها، كانوا عبيدا وكانوا رقيقا، وهناك العديد منهم ما زال عبدا، يعمل مقابل وجبة او وجبتي غذاء، هذا ما تكلم عنه العديد بولاية بارا شمال البرازيل، فالعبودية والرق لم ينتهيا بعد بالبرازيل، وما زالا باشكال اخرى، فما زال الانسان يشترى ويباع، فليس بالضرورة ان تكون اسودا لتكون عبدا او رقيقا، اليوم المال يتحكم بالعبودية والكرامة، لقد التقيت رجلا بهذه الجولة بولاية ساوبولو قال لي افضل ان اكون عبدا على ان اكون حرا، وعندما سألته عن السبب قال ان اكون عبدا بكل تأكيد ساتناول الطعام، فانا حرا ولكني لا اجد طعاما لاكله فابقى اياما بدون طعام، فهذا جزءا من الواقع البرازيلي.

عددا كبيرا من العائلات الذين قمنا بزيارتهم  يشكرون الرئيس البرازيلي السابق لويس ايناسيو لولا الذي ساعدهم كثيرا، وعندما استفسرت من بعضهم عن الاسباب التي جعلتهم يشكرون الرئيس البرازيلي السابق رغم الجوع الفقر الذي يعيشونه، ورغم شربهم من ماء النهر الذي يستقبل فضلاتهم وبولهم، فكان جوابهم بانني لم اطلع على واقع حياتهم ومعيشتهم قبل مجيْ الرئيس لويس ايناسيو لولا للحكم، الذي حرر اكثر من 30 الف برازيلي من الرق،  فاثناء فترته اعترفت الحكومة البرازيلية ب 173 تجمعا للسود من اصول افريقية مع حقهم بالتملك للارض التي يقيمون عليها، ويبقى بالبرازيل هناك ما يزيد على 3300 تجمع حتى اللحظة غير معترف بملكيتهم للارض التي يقيمون عليها، وهذا ما يجعل حالة الصراع والنزاع مستمرة بالبرازيل نتيجة الفروقات الاجتماعية فهناك حقوقا مهضومة لمواطنين برازيليين يعتبرون اقليات وهي نتيجة لطبيعة تركيبة المجتمع البرازيلي.

الحكومة البرازيلية تقف اليوم امام تحديات ومهمات كبيرة لمعالجتها، وهذه تفرض عليها ايجاد حلولا جذرية، اتذكر الرئيس البرازيلي السابق عندما قال بكلمته بداية تسلمه السلطة عام 2003، "ان الازمات الاجتماعية والأقتصاية التي تعاني منها البرازيل، وهي نتيجة لحكم استعماري، اقطاعي وبرجوازي على مدار تقريبا 500 عاما، لا ينتظر احدا معالجتها خلال اربعة سنوات" وانا اقول ان معالجة هذه القضايا ستأخذ عشرات السنين اذا استمرت القوى اليسارية والعمالية عى سدة الحكم، وتمكنوا من محاربة الفساد الذي ينخر بالدولة والحكومة، فهل الحكومة البرازيلية ستكون قادرة على التقليل من الفروقات الاجتماعية بالمجتع البرازيلي بظل تركيبته المجتمعية المعقدة ومساحته الشاسعة؟ فالحكومة ترفع اليوم شعار برازيل غني ان لا يكون به فقرا.