القرضاوي: الإسلام في حاجة إلى أمة متميزة

مع الله

الخميس, 06 يناير 2011 16:04
كتب-محمد طلبة:

وسط أمواج متلاطمة من أفكار متشددة تقدس التراث وتجعل منه بديلاً لدين الله، وأفكار مستوردة تقدّس التجربة الغربية بحلوها ومرها وتستدعيها من سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، وتحاول زرعها في بيئتنا العربية، نحتاج إلى قارب يأخذنا إلى شاطئ اليقين، حيث الجمع بين القراءتين: كتاب الله المسطور (القرآن الكريم) وكتاب الله المنظور (الكون)، حيث الوسطية والاعتدال وفهم الدين بمنطق الدنيا، وتجديد الدنيا بالدين.

وإذا تحدثنا عن الوسطية، تبرز أمامنا أسماء مختلفة أسّسوا للوسطية الإسلامية علماً وفقهاً؛ لعل أبرزهم في زماننا، الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وهذا الكتاب: فقه الوسطية الإسلامية والتجديد "معالم ومنارات"، الصادر عن دار الشروق المصرية، في 246 صفحة من القطع المتوسط، في ديسمبر 2010، هو آخر كتابات الشيخ الجليل، وأكثرها اقتراباً من موضوع الوسطية الإسلامية.

مفهوم الوسطية

يبدأ الشيخ دراسته المتميزة ببيان مفهوم الوسطية وخصائصها، ومظاهر تجلّيها؛ مشيراً إلى أن الوسطية (الاعتدال والتوازن) من أبرز خصائص الإسلام، ونعني بها: التوسّط أو التعادل بين طرفين متقابلين؛ بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير، ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه.

ومثال الأطراف المتقابلة: الربانية والإنسانية، الروحية والمادية، الأخروية والدنيوية، الوحي والعقل، الماضوية والمستقبلية، الفردية والجماعية، الواقعية والمثالية، الحقوق والواجبات، الثبات والتغيير، النص والاجتهاد، الظاهرية والمقاصدية، الأثر والرأي، وما شابهها.

يرى القرضاوي أن هذا التوازن العادل في الحقيقة أكبر من أن يقدر عليه الإنسان، بعقله المحدود، وعلمه القاصر؛ فضلاً عن تأثير ميوله وأهوائه، ونزعاته الشخصية والأسرية والحزبية، والإقليمية والعنصرية، وغلبتها عليه من حيث يشعر أو لا يشعر.

مظاهر الوسطية

ويرصد الشيخ الجليل مظاهر الوسطية الإسلامية في الاعتقاد وفي العبادات والشعائر وفي الأخلاق والمثل، وفي التشريع والنظم، وفي التحليل والتحريم،

وفي شئون الأسرة، وفي السلم والحرب.

ويشير إلى منزلة الوسطية في الإسلام المتمثلة في رفضه للرهبانية، وإجازته اللهو والضحك والمزاح خاصة في الأعراس والمناسبات السعيدة؛ منوهاً بأن الإسلام أمر بالتيسير مراعاة للطاقة الإنسانية، وحث على التجمل وإظهار آثار النعمة، والتوسّط بين حق الرب وحظ النفس وحقوق الخلق.

وأكّد القرضاوي أن السنة النبوية حثت على القصد والاعتدال في كل شيء، وإلى أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي النموذج الأمثل والمثل الأعلى المجسّد للحياة الوسطية المتوازنة.

واستعرض الشيخ آراء متنوعة لنخبة من علماء السلف تحثّ على الوسطية والاعتدال، مثل كلام أبو محمد بن قتيبة، والطبري، والرازي، والقرطبي، وابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، والغزالي، وابن الجوزي وغيرهم الكثير.

كما عرض لآراء العلماء المعاصرين الذين أناروا الدين بعلمهم ووسطيتهم واعتدالهم مثل: محمد عبده ورشيد رضا، ومحمود شلتوت، ومحمد المدني، محمد عبد الله دراز، ومحمد الخضر الحسين، وعلي الخفيف، ومحمد أبو زهرة، ومحمد مصطفى شلبي، وعلي حسب الله، ومحمد الغزالي… إلخ.

حاجة البشرية إلى الوسطية

ويقول الشيخ: "إن البشرية اليوم -تحت سلطان الحضارة المادية- مهددة بطوفان كطوفان نوح، يمكن أن يأتي على بنيانها من القواعد، ولا بد لها من سفينة بها يعصمها الله من الهلاك والدمار، ولن تكون هذه السفينة إلا رسالة الإسلام؛ ولكن هذه الرسالة في حاجة إلى أمة تمثلها وتتمثلها بحسن فهم وعمق إيمان، واستقامة سلوك، وتعطي للبشرية الأسوة والنموذج، أمة وسط لا تنتمي إلى اليمين ولا إلى اليسار، لا إلى الشرق الشيوعي ولا الغرب الرأسمالي،

أمة متميزة الوجهة، مستقلة الشخصية".

وينبه إلى أنه لن تستطيع أمتنا أن تُقدّم البديل للحضارة المعاصرة إذا هي قلّدت هذه الحضارة واتخذتها مثلها الأعلى، واتبعت سنتها شبراً بشبر؛ لكنه يُلفت إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي أن اعتزازنا بهويتنا وتوجّهنا نحو مشروعنا الحضاري الخاص ينبغي ألاّ يدفعنا إلى التشنّج إزاء منجزات الحضارة الغربية مثل: العلم وتطبيقاته التكنولوجية، وحسن الإدارة والتنظيم وشئون الحياة، والعناية بحرية الإنسان الفرد وحقوقه، والشعوب وحقوقها في الرخاء والأمن والحرية.

ويدلّل القرضاوي على شرعية الاقتباس من الحضارة الغربية بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم أشياء كانت في الجاهلية، مثل بعض أنواع النكاح، والبيوع كالسلم، والشركات كالمضاربة والعقوبات كالدية؛ لكنه أدخل عليها من الشروط والقيود ما جعلها إسلامية صرفاً.

سؤال الوسطية

وأشار الشيخ إلى أن السؤال الأهم في هذا السياق، هو أي إسلام نقدّمه للبشرية كبديل حضاري متميّز تجد فيه ضالتها وتتخلص فيه من آلامها وويلاتها؟

واستنكر محاولة تقديم الإسلام بوصفه الطبعة العربية للحضارة الغربية، وهو موقف "المدرسة التبريرية" التي تريد أن تضفي الشرعية على الواقع الذي صنعه الغرب في أوطاننا، وزادت على ذلك -بحسب القرضاوي- بشرح الإسلام شرحاً يجعل من المفاهيم الغربية والقيم الغربية قيماً إسلامية، وسوْق النصوص قسراً لتأييد هذا التوجّه.

الإسلام الجامد

كما حذّر الشيخ من "أناس يقدمون الإسلام في صورة تقشعر من هولها الجلود، وترتعد من قساوتها الفرائص، وتوجل من ذكرها القلوب.

وتابع: إنه الإسلام الجامد الذي لا يعرف التسامح مع المخالفين في الدين، ولا يقبل الحوار مع المغايرين في الفكر، ولا يأذن بالسماح للمعارضين في السياسة، إنه الإسلام الذي ينظر إلى المرأة بريبة ويدعو إلى حبسها في البيت، وحرمانها من العمل، والمشاركة في الدعوة والحياة الاجتماعية، والترشيح للمناصب السياسية والنيابية.

إنه الإسلام الذي لا تعنيه العدالة في توزيع الثروة، ولا توكيد قاعدة الشورى في السياسة، ولا إقرار الحرية للشعب.

إنه الإسلام الذي يتوسع في "منطقة التحريم" حتى يكاد يجعل الحياة مجموعة من المحرمات، فأقرب كلمة إلى ألسنة دعاته، وأقلام كتابه هى كلمة: " حرام "!

ويؤكد الشيخ أن الإسلام المنشود هو الإسلام الأول، إسلام القرآن والسنة، إسلام الأمة الوسط الذي يدعو للتيسير لا للتعسير، وللتبشير لا التنفير، وللجوهر لا الشكل، وللاجتهاد لا التقليد.