الأزهر في انتظار ثورة الإصلاح

مع الله

الاثنين, 01 أغسطس 2011 12:31
كتب- محمد كمال الدين:


يظل الأزهر بالرغم مما يعتليه من المرض والضعف في الآونة الأخيرة، منارة الدعوة الإسلامية في العالم كله ومحضنا لتربية وتخريج الدعاة والعلماء وقادة الثورات والتغيير، حتى ولو تم تسييسه مؤخرا من قبل الحكام لخدمة أهوائهم فانحرف عن رسالته ومساره الطبيعي الذي خلق له . ففي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات لإصلاح الأزهر واستقلاله عن الدولة لاستعادة دوره المفقود، يرى علماء الأمة الإسلامية أن هذا الإصلاح أصبح ضرورة ملحة الآن بعدما تخلص الأزهر من أثر تبعيته للدولة في العصر البائد في غضون ثورة 25 يناير، ما يهيئ له مناخا جديدا يعيد له شبابه وقوته بتطهيره من فلول النظام السابق الذين ما زالوا يسيطرون على جامعاته ومؤسساته ومعاهده.

ومطالب إصلاح الأزهر لم تكن بدعا من العلماء في هذا العصر، ولكنها كانت منذ قديم الأزل، حيث يعتبر الشيخ محمد مصطفى المراغي من أوائل العلماء الذين نادوا بضرورة إصلاح الأزهر واستعادة هيبته, حيث كتب المراغي بعد توليه منصب مشيخة الأزهر مذكرة طالب فيها بعمل الأزهر على الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وأعمال الراشدين، فضلا عن إصلاح التعليم الديني على وجه صحيح يوافق ما أثمرته التجارب وأخرجته العقول، فضلا عن الاهتمام بقضايا الفقراء والضعفاء واليتامى والمساكين وتدبير أمورهم بحيث تخفف عنهم أعباء الحياة.

والناظر في مطالب المراغي ـ قبل ثمانين عامًا ـ يدرك أن هذا الإصلاح إنما كان السبيل لتحقيق عالمية الإسلام، بتحقيق العالمية للأزهر ـ الجامعة الإسلامية الأولى ـ وإصلاحها كي تكون جديرة بتحقيق هذه الرسالة، خاصة أن علماء الأزهر هم الملاذ الوحيد للدفاع عن الإسلام أمام ضربات الغرب ومستشرقيهم المتتالية، مما يتطلب وجود قوة دفع رباعية لهؤلاء العلماء في الدفاع عن دينهم من خلال معرفة المذاهب قديمها وحديثها ومعرفة ما في الأديان السابقة ومعرفة ما يجد في الحياة من معارف وآراء وطرق البحث النظري وطرق الإقناع، فضلا عن ضرورة فهم الإسلام نفسه من ينابيعه الأولى فهمًا صحيحًا من خلال معرفة لغته وفقهه وآداب لغته.

ولا يختلف الماضي عن الحاضر في أسباب ضعف هذه المؤسسة الدينية العريقة، حيث واجه الأزهر حربا ضروسا من أعداء الإسلام بسبب ثقتهم في أن انهيار الإسلام مرهون بانهيار مؤسساته الدينية، فبدأ الصراع الفكري بين الغرب والإسلام منذ حملة نابليون الفرنسية على مصر حينما فشل الفرنسيون في القضاء على الإسلام من خلال العسكر والمدافع، فعمدوا إلى أسلوب أكثر شيطانية من خلال دس أفكار غريبة على تقاليد المجتمع المصري من خلال غزوهم الثقافي بالتدخل في شئون المؤسسة الدينية عن طريق زبانيتهم في الحكم.

وهذا ما أكده الدكتور محمد أبو زيد الفقي الأستاذ بجامعة الأزهر والمرشح لانتخابات رئاسة الجمهورية، بأن الغرب بدأ في التفكير لهدم الإسلام عن طريق "نعدم أم نستخدم؟" فعمد إلى فكرة "نستخدم" عن طريق بعض المسلمين من ضعاف النفوس لإضعاف الأزهر والقضاء على الدين وهي الوسيلة التي كانت تعمد إليها دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في طريقها للقضاء على أي عدو لها.

بداية الضعف

وأشار الفقي إلى أن الغرب بدأ هذه الفكرة مع الأزهر منذ الاحتلال الانجليزي على مصر حينما تيقن من دور الأزهر في إفشال الثورة الفرنسية، فشرعت إدارة الاحتلال عن طريق بعض الموالين لها بإحداث تغييرات جذرية في هذه المؤسسة العريقة حينما استطاعت فصل إدارة الأزهر لشئون المساجد عام 1913 وإنشاء بديل لها تحت مسمى وزارة الأوقاف لتلغي دور هذه المؤسسة العريقة في الإشراف على شئون الدعوة، فضلا عن تسييس الفتوى من خلال إنشاء دار الإفتاء المصرية، وبالتالي فقد الأزهر دعوته وفتواه.

وأوضح أنه بعد هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة الأمريكية، بحث الغرب والأمريكان كيفية القضاء على آخر ما تبقى للأزهر وهو التعليم، حيث اجتمع 130 عالما أمريكيا لوضع تقرير عن أسباب أحداث 11 سبتمبر وكيفية

تلافيها، فرصد التقرير خمس مواد خاصة بالإسلام وهي أموال الزكاة ومصادرها ومصارفها وكيفية حصرها وتقييدها، وتغيير المناهج داخل المعاهد والجامعات الأزهرية عن طريق المادة 133، ثم تقليل المنتج الأزهري من الخريجين، وهو ما فعله الإمام الراحل الدكتور سيد طنطاوي عن طريق إلغاء تدريس المذاهب الفقهية الأربعة والاكتفاء بتدريس كتابه "تفسير الوسيط" والذي استنسخ منه عدة كتب في الحديث والفقه والعقيدة" مؤكدة أنها كتب ضعيفة تحتوي على معلومات سطحية بسيطة.

 

وحذر الفقي من فكرة إنشاء معاهد أزهرية متوسطة، مؤكدا أن هذه الفكرة سوف تعمل على تقليل المنتج الأزهري من الخريجين والعلماء، متسائلا كيف يتم تحويل الأزهر إلى معاهد متوسطة وليس كليات؟، حيث أشار إلى أن كلية أصول الدين الذي يعمل بها أرسل إليها من المعاهد 300 طالب في حين أرسل لهذه المعاهد المتوسطة 1400 طالب وهو ما يهدد بندرة العلماء، فضلا عن إنشاء معاهد العلاج الطبيعي للبنات، مبديا سخريته من تحويل عالمات الأزهر إلى "مدلكات" .

واتفق معه في الرأي الشيخ جمال قطب رئيس لجنة الفتوى الأسبق في الأزهر الشريف، حيث طالب بصدور مرسوم عاجل بإلغاء وزارة الأوقاف من التشكيل الوزاري ونقل جميع أملاكها وهيئاتها واختصاصاتها إلى الأزهر بالإضافة إلى نقل دار الإفتاء أيضا من وزارة العدل إلى الأزهر وتنفيذ ما وعد به شيخ الأزهر من إعادة انتخاب الإمام الأكبر ونوابه ووكلائه وعزل مستشاريه الذين هيمنوا على الجامعة ويهيمنون الآن على كل شيء في هذه المؤسسة العريقة.

كيف نصلح الأزهر؟

وقال قطب إن مسألة إصلاح الأزهر أكبر من إعادة هيئة كبار العلماء وانتخاب شيخه، حيث أكد أن الأزهر يتطلب إلى تعديل المناهج الأزهرية بكاملها في كافة المراحل التعليمية سواء في الجامعة أو ما قبلها وتغيير بوصلة الدراسات الأكاديمية العليا لما ينفع الأمة والوطن وإعادة بناء المؤسسة من أولى قواعدها إلى قمتها بالانتخاب المنضبط واستعادة الوظائف التي سلبت من الأزهر وهي منابر المساجد والإفتاء.

وأضاف أن هناك أسبابا ملحة للتغيير في الأزهر من أجل إصلاح الدولة بأثرها من خلال إيجاد نافذة جديدة وقوية في جدار هذا الإصلاح وضرورة إفراز مشروع قومي يضمن كثافة الاجتماع حول الدولة وأهدافها المشروعة وإنهاء المزايدة على الدولة بسبب سوء مظهر المؤسسة الدينية وإرسال رسالة واضحة للعالم بأن الإصلاح يسير برؤية وطنية لا تبعية فيها.

وأوضح قطب أن أسباب القصور في الأزهر ناتجة عن أن مشيخة الأزهر لا تمتلك صياغة علمية لرؤية الإسلام للعالم ودور المسلمين مع الآخرين في تحقيق الرفاهية والأمن والسلام العالمي، كما أن مجمع البحوث الإسلامية لا يمتلك استراتيجية مكتوبة تعبر عن تخصصه وطبيعة عمله وعلاقته بالواقع داخليا وإسلاميا وعالميا، فضلا عن تسبب العشوائية في عجز المؤسسة الدينية عن أداء دورها حتى أصبحت تمارس عملها بطريقة رد الفعل مما سهل اتهامها بالتفريط والإفراط في رسالتها وخضوعها للسلطة، مما أدى إلى فتح أبواب لغير المتخصصين في ممارسة الدعوة والافتاء.

وأشار إلى أن الدراسات الأكاديمية في الجامعة سواء الماجيستير أو الدكتوراة أبعد ما تكون عن إعمار الحياة وأدنى ما تكون في مستواها العلمي وأضعف ارتباطا بأصول الإسلام مما فتح الباب على الأزهر بفتاوى عن الاقتصاد والربا وعن الإرهاب والتطرف، فضلا عن افتقاد المؤسسة لآليات التطور والسجلات الوثائقية لإنجازها الفكري ومساهماتها ومحاضر الاجتماعات الرسمية مع الوفود الخارجية .

وعن سبب ضعف التعليم الأزهري، أكد الشيخ جمال قطب أنه يكمن في ندرة الوعاظ والتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية بغير تناسق وعدم التناسب بين عدد طلاب العلوم الشرعية وطلاب العلوم الحديثة وذهاب أصحاب المجاميع الضعيفة من المعاهد إلى الكليات الشرعية والعربية مما هبط كثيرا بمستوى الدعاة وثقل المناهج اللغوية والتمهيدية وعدم الإحاطة بالهدف الإنساني للإسلام ومقاصد شريعته.

واختتم قطب حديثه بضرورة استعادة دور الأزهر المفقود في العالم الإسلامي، بتحرير الثقافة الدينية والتقريب بين الشعوب الإسلامية وتجديد اللغة العربية ودعم مكانتها ودعم التوجه التنموي لموارد الأمة الإسلامية بالإضافة إلى دفع مصر إلى المقدمة مرة اخرى عن طريق إحياء النواة العلمية للعلوم الشرعية وإدارة الحوار الإسلامي الداخلي وتهيئة المناخ الثقافي والفكري وتزكية فكرة التعاون بين الدول الإسلامية من خلال إرسال بعوث الدعاة الوسطيين لها للعمل في حقل الدعوة الدينية.

من جانبه، أكد الدكتور عبد الله عبد العليم الصبان أنه لن ينصلح حال الأزهر إلا بعد تهذيب العقائد والمعاملات وتنقيتها مما جد فيها وابتدع، وتهذيب العادات الإسلامية بحيث تتفق وقواعد الإسلام الصحيحة، بالإضافة إلى تدريس الفقه دون التعصب لمذهب، وأن تدرس قواعده مرتبطة بأصولها من الأدلة، وأن تكون الغاية من هذه الدراسة عدم المساس بالأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة، والأحكام المجمع عليها، والنظر في الأحكام الاجتهادية لجعلها ملائمة للعصور والأمكنة والعرف وأمزجة الأمم المختلفة.

 

ونبه على ضرورة تدريس الأديان، مقارنة بالإسلام، لينظر الناس يسره وامتيازه.. وأن يدرس تاريخ الأديان، وأسباب الفرقة والتفرق.. وأن تدرس أصول المذاهب.. والعلوم الطبيعية في ضوء الإشارات القرآنية.. وأن يتم تجديد طرق التأليف، وذلك لإعداد علماء الدين الذين يواكبون الزمان والمكان.

في حين تقدم عدد من أعضاء هيئة التدريس بالأزهر بمذكرة رسمية لاستقلال الأزهر واستعادة دوره المفقود، حيث طالبوا بإصلاح حال جامعة الأزهر التي تراجع دورها من المركز الثاني يوم أنشئت إلى المركز 8019 بين جامعات العالم وعلى مستوى أفريقيا رقم 74، مؤكدين أن ثورة 25 يناير مفتاح مهم لإصلاحها.

وطالب أساتذة الأزهر بتكوين هيئة كبار العلماء كبديل لمجمع البحوث الإسلامية على أن يختار أعضاؤها من الأزهريين العاملين في حقل الجامعة والأزهر والأوقاف وغيرها من العلماء المشهود لهم بالكفاءة العلمية والسمعة الطيبة وبطريق الانتخاب الحر، لفترة لا تزيد على أربعة أعوام وقد تتكرر لمدة ثانية، وأن تتولى هذه الهيئة اختيار شيخ الأزهر ووكيله ومفتي الديار المصرية ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ووكيله، على أن تحدد مدة توليتهم لهذا المنصب لمدة أربعة أعوام ولا تزيد على فترتين.

وشددوا على ضرورة إعادة جميع المفصولين من مؤسسات الأزهر فصلا تعسفيا مع تعويضهم، وتولي مشيخة الأزهر بالتنسيق مع وزارة الأوقاف إدارة الأوقاف الخاصة بالأزهر وطلاب العلم ومنها العقارات والأراضي الزراعية للإنفاق منها على الدعوة والدعاة وطلاب العلم الشرعي مع التحقيق في الأوقاف المنهوبة والمسروقة والتي بيع بعضها بثمن بخس وإرجاع هذه الأموال لأصحابها ومعاقبة المتسببين في ذلك، والتوسع في رسالة دار الإفتاء المصرية بحيث يكون لها فروع في المحافظات تتكون من أعضاء مرشحين من قبل الكليات الأزهرية الموجودة بهذه المحافظات وكذا إدارة المعاهد الأزهرية والوعظ وإدارة الأوقاف المشهود لهم بالصلاح والفقه في الدين .

إصلاح المناهج

كما نبهوا على ضرورة إعادة النظر في المناهج والمقررات الدراسية بالمعاهد الأزهرية وزيادة الاهتمام بالطلاب المبعوثين والراغبين في الالتحاق بالأزهر الشريف وزيادة المنح المخصصة لهم مع تيسير سبل الراحة والاستقرار لهم حتى يحققوا الغاية التي وفدوا إلينا من أجلها ويكونوا نموذجا مشرفا للدعاة والمصلحين في شتى بلاد المسلمين، وإبراز دور الأزهر ورسالته في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والشبكة العنكبوتية والصحافة وإنشاء قناة تتولى هذه المهمة.

وكان قد اتفق مع هذه المطالب الدكتور عبد الله بركات والذي زاد عليها بضرورة استقلال الجامعة ماليا ومطالبة ولاة الأمر والمسئولين بعدالة توزيع الميزانية بين الجامعات، مشيرا إلى أنه في الوقت الذي يرصد فيه لجامعة القاهرة التي يدرس بها 290 ألف طالب - مليار وثلاثمائة مليون جنيه، يرصد لجامعة الأزهر التي يدرس بها 325 ألف طالب 650 مليون جنيه فقط .

يذكر أن الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف قد أعلن عن برنامج عمل جديد لإصلاح الأزهر وفق متطلبات المرحلة المقبلة بما يحقق استقلال المؤسسة وتفعيل دورها ويتفق مع ما حققته ثورة 25 يناير، موضحا أن البرنامج يتضمن إنشاء خمس لجان قانونية وإدارية وعلمية أكاديمية ومالية وفكرية لتحقيق هذه الأهداف، كما سيتم تنظيم مؤتمرين لتفعيل دور الدعوة والدعاة والأزهر لرسم مستقبل مصر .

وأضاف شيخ الأزهر، أن لجنة كبار العلماء ستتولى اختيار منصب شيخ الأزهر سواء بالانتخاب أو التعيين وستضم علماء ومفكرين من مصر والعالم الإسلامى، ملمحا إلى احتمال أن يقع الاختيار على شيخ الأزهر من خارج مصر كما تحقق فى الماضى .

 

 

 

أهم الاخبار