دمعة المحرومين من الحج يمسحها الأمل والدعاء والصدقات

مع الله

الخميس, 18 نوفمبر 2010 21:10


أكد الدكتور محمد المهدي،‮ ‬أستاذ الطب النفسي‮ ‬بجامعة الأزهر،‮ ‬أن كل مؤمن صادق‮ ‬يشعر بحنين هائل إلى زيارة الأراضي‮ ‬المقدسة،‮ ‬وهو حنين مودع في‮ ‬القلوب بأمر خالقها استجابة لدعوة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام‮ "‬واجعل أفئدة من الناس تهوي‮ ‬إليهم‮"‬،‮ ‬فالأفئدة منساقة محبة وشغوفة ومتعلقة بهذه الأرض الطيبة،‮ ‬يملؤها جلال البيت الحرام بمكة وجمال الحضرة النبوية في‮ ‬المدينة المنورة‮.‬

أضاف أن تلك المشاعر الفياضة تزداد لدى أولئك الذين عقدوا النية على الذهاب وادخروا أموالهم على مدى السنين استعدادا لهذه الرحلة التي‮ ‬طالما حلموا بها،‮ ‬فإذا تصورنا أن شيئا ما حال بينهم وبين أداء هذه الفريضة كبعض الأحداث الطارئة،‮ ‬فلنا أن نتصور كيف تكون التأثيرات في‮ ‬نفوس من تشوقوا واستعدوا وحلموا برحلة العمر ولحظة الميلاد الجديد وأمل المغفرة مما تقدم من الذنوب وفرحة النظر إلى الكعبة ونورانية الجلوس في‮ ‬الروضة الشريفة بجوار أغلى الأحبة‮.‬

وحول ردود الأفعال المحتملة والمتوقعة للمحرومىن من الحج،‮ ‬أكد الدكتور المهدي‮ ‬في‮ ‬مقال بموقع‮ "‬أون إسلام.نت‮" ‬أن فريقا منهم قد‮ ‬يسلم بأمر الله وهم‮ ‬يعلمون أن هذا قدره سبحانه،‮ ‬وأن نيتهم واستعدادهم‮ ‬يعطي‮ ‬لهم أجر الحج‮ (‬وإن كانوا حرموا متعته‮) ‬ويسألون الله أن‮ ‬يهيء لهم الحج في‮ ‬الأعوام القادمة‮.‬

وهناك فريق ثان قد‮ ‬يشعر بالحزن والأسى على الحرمان من فرصة العمر،‮ ‬وقد تستعيد ذاكرته مواقف من حياته حرم فيها من أشياء كان‮ ‬يتطلع إليها بينما كان قاب قوسين أو أدنى منها،‮ ‬وقد‮ ‬يشعر بأنه قليل الحظ في‮ ‬أمور الدنيا وحتى في‮ ‬أمور الآخرة،‮ ‬وهذا الفريق معرض لاجترار مزيد من الأحزان وقد‮ ‬يصاب بالاكتئاب‮.‬

وفريق ثالث قد تراوده فكرة أنه حرم من الحج لأنه

لا‮ ‬يستحقه بسبب ما ارتكب من خطايا وموبقات في‮ ‬حياته،‮ ‬وكأن الله لم‮ ‬يقبل نيته ولم‮ ‬يتقبل سعيه،‮ ‬ورد له قربانه كما رده لقابيل،‮ ‬وهنا تتزايد مشاعر الذنب وتحقير الذات،‮ ‬وقد‮ ‬يصل الأمر إلى الشعور باليأس والإصابة أيضا بالاكتئاب النفسي‮. ‬

وفريق رابع قد‮ ‬يشعر بالغضب من التعليمات التي‮ ‬منعته من الحج ويصرخ محتجا في‮ ‬وجه من حرموه ذلك‮: "‬لماذا تحرمونني‮ ‬وأنا لا تهمني‮ ‬مسألة الصحة أو المرض فقد تجاوزت هذا الخوف التافه وأنا ذاهب وأتمنى أن ألقى الله على هذه الأرض الطاهرة المطهرة‮".‬

وهناك فريق خامس قد تصيبه صدمة فلا‮ ‬يشعر بشيء على الإطلاق،‮ ‬ويعيش حالة من الإنكار وكأن شيئا لم‮ ‬يحدث‮.‬

أما الفريق السادس فيعيش شعائر الحج ويزور المشاعر المقدسة في‮ ‬أحلامه وهو نائم وفي‮ ‬خياله وهو مستيقظ،‮ ‬فالحلم والخيال ملكتان نعوض بهما ما فاتنا في‮ ‬الواقع‮.‬

بينما الفريق السابع قد‮ ‬يفكر في‮ ‬التحايل على القوانين والنظم والتعليمات ليتمكن من السفر وذلك من خلال بعض الوساطات أو تغيير في‮ ‬بعض الأوراق،‮ ‬وهو‮ ‬يبرر لنفسه أن ذلك جائز له بما أنه‮ ‬ينوي‮ ‬خيرا‮.‬

وفريق ثامن‮ ‬يشعر بالخجل من الناس،‮ ‬وقد‮ ‬يشعر بالشماتة ظاهرة على وجوه بعض كارهيه،‮ ‬وكأنهم‮ ‬يرددون‮: "‬إنك لا تستحق الحج بما فعلت في‮ ‬حياتك‮.. ‬وهاهي‮ ‬علامة سوء خاتمتك‮ ‬يضعها القدر على جبينك بما كسبت‮ ‬يداك‮".‬

وأخيرا الفريق التاسع الذي‮ ‬يشعر بخيبة الأمل في‮ ‬حرمانه من لقب‮ "‬الحاج‮" ‬والذي‮ ‬يعني‮ ‬في‮ ‬بيئته

ومجتمعه التفخيم والتعظيم‮.‬

تجاوز الصدمة

وأشار د‮. ‬المهدي‮ ‬إلى أن واجب المجتمع التخفيف من محنة المحرومين من الحج لتجاوز الصدمة،‮ ‬من خلال عدة أشياء،‮ ‬منها‮:‬

بيان الحكم الشرعي‮ ‬في‮ ‬ذلك بواسطة علماء دين ثقات لهم مصداقية عند الناس،‮ ‬مستندين في‮ ‬ذلك إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والذي‮ ‬يقرر أنه إذا نزل الطاعون بأرض فلا‮ ‬يدخلها أحد ولا‮ ‬يخرج منها أحد،‮ ‬وهذا الحديث‮ ‬يشكل قاعدة شرعية للحجر الصحي‮ ‬للتقليل من آثار انتشار الأوبئة،‮ ‬وأن أي‮ ‬تعليمات‮ ‬يصدرها ولاة الأمر في‮ ‬هذا الشأن واجبة الاتباع،‮ ‬وأن من حرم الحج بسبب خارج عن إرادته فإنه‮ ‬يأخذ ثواب الحج‮ (‬وإن كانت الفريضة لا تسقط طالما ظل حيا مستطيعا‮). ‬هذه المفاهيم الدينية تصحح من أفكار الناس الذين حرموا الحج وتضع الأمور في‮ ‬نصابها فتنضبط أفكارهم وبالتالي‮ ‬مشاعرهم وسلوكياتهم‮.‬

وكذلك مناقشة الأفكار السلبية التي‮ ‬تدور بأذهان هؤلاء الناس حتى لا‮ ‬يقعوا في‮ ‬هوة الشعور بالذنب وتحقير الذات والاكتئاب خاصة أن هذه السن لديها قابلية عالية للإصابة بالاكتئاب‮.‬

وأيضا فتح أبواب بديلة لفعل الخيرات كالصدقة والسعي‮ ‬في‮ ‬مصالح الناس ورعاية الفقراء والأيتام مع بيان أن كل أبواب الخير تصب في‮ ‬النهاية عند رضا الله تعالى،‮ ‬وأن الله قد‮ ‬يفرغ‮ ‬الإنسان من شيء ليسخره في‮ ‬شيء آخر‮.‬

وكذا فتح باب الأمل أمام كل من حرم من الحج هذا العام،‮ ‬فالأمور تتغير والأحوال تتبدل،‮ ‬وما حال دون حجه هذا العام قد‮ ‬يزول في‮ ‬أي‮ ‬وقت،‮ ‬وما عليه إلا أن‮ ‬يحتفظ بالنية الصادقة والجاهزية للذهاب حين تفتح الأبواب‮.‬

وأخيرا الدعاء المستمر بالتيسير للحج،‮ ‬إذ لا توجد عقبة أمام دعوة صالحة صادقة مخلصة‮. ‬وأخيرا لا‮ ‬ينسى المحرومون من الحج أن الكون كون الله،‮ ‬وأنهم وسائر مخلوقاته جنود له سبحانه‮ ‬يضعهم حيث‮ ‬يشاء وقتما‮ ‬يشاء كيفما‮ ‬يشاء،‮ ‬وأن الخالق العظيم الرحيم وضع قاعدة ذهبية تحمي‮ ‬النفس البشرية من الضعف والزلل والسقوط حين تريد شيئا ويحدث شيء آخر،‮ ‬تلك هي‮ ‬قاعدة‮: "..... ‬وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ‮ ‬شَيْئاً‮ ‬وَهُوَ‮ ‬خَيْرٌ‮ ‬لَّكُمْ‮ ‬وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ‮ ‬شَيْئاً‮ ‬وَهُوَ‮ ‬شَرٌّ‮ ‬لَّكُمْ‮ ‬وَاللّهُ‮ ‬يَعْلَمُ‮ ‬وَأَنتُمْ‮ ‬لاَ‮ ‬تَعْلَمُونَ‮" (‬البقرة‮: ‬216‮)‬‭ ‬