رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شعار الباعة‮ اشتري وأنت مغمض عينيك‮

‮ مرمطة‮ ‬المصريين بسوق الخميس

مع الناس

الأربعاء, 08 يونيو 2011 19:55
أحمد أبو حجر وأماني زكي


في‮ »‬سوق الخميس‮« ‬ألف دليل إدانة لحكم الرئيس السابق‮.. ‬ففي هذا السوق الشعبي الواقع بمنطقة الكابلات القريبة من حي المطرية،‮ ‬لا تعرف الوجوه سوي ملامح المعاناة وإرهاق الفقر بفعل سياسات نظام مبارك التي رعت الاحتكارات وأسواق الرفاهية في شرم الشيخ ومارينا،‮ ‬وتركت للغالبية من الفقراء حرية البيع والشراء في سلع أكثرها مستعمل وكلها فاقد لصلاحية الاستهلاك الآدمي‮.‬

تشعر،‮ ‬إذا لم تكن من بين المترددين علي السوق عادة،‮ ‬بالضجر من شدة الزحام وعفن الرائحة‮.. ‬تتمشي قليلاً‮ ‬بين بضائع قاربت علي الانتهاء وتم تسريبها من المصانع تحت شعار‮ »‬اللي يجيي منها أحسن منها‮«.. ‬كشفت كاميرا زميلنا المصور‮.. »‬انتوا صحافة‮.. ‬اوعوا تكتبوا حاجة مش كويسة عن السوق ولا البضاعة والا‮...« ‬قالها شاب محذراً‮.. ‬تذكرنا التحذيرات الكثيرة التي أطلقها أصدقاؤنا من الكشف عن هويتنا الصحفية بسبب سيطرة البلطجية علي الأسواق وغيره من الأسواق‮.‬

بيع بعض السلع الغذائية التي قاربت علي انتهاء الصلاحية؛ كان يتم في السابق بين جنبات السوق،‮ ‬ولكن في نطاق ضيق خوفاً‮ ‬من البلدية والرقابة الوهمية والإتاوات التي كان يفرضها مسئولو المحليات‮.‬

تختلف المحلات هنا فكل بضاعة لها طبيعة خاصة في العرض فإذا كانت مفروشات وستائر يكون المحل من ثلاثة جوانب ثم تشكيلها من البضاعة نفسها وعليها سقف قماشي من‮ »‬الفراشة‮« ‬أما إذا كانت أدوات منزلية أو كهربائية فإنه يتم فرشها علي الأرض‮.‬

الخطر يكمن في عرض الأطعمة المختلفة من ملوحة وأسماك وجبن وحلويات وخضروات علي هذه الأرضية أو علي ترابيزة تعلوها شمسية‮.. »‬عاشور‮« ‬الذي يقف علي فرشة لبيع الجبنة يرفض عرض بضاعته علي الأرض قائلاً‮: »‬مش ناقصة تراب وعفرة وحد يدوس عليها من الزحمة‮«.. ‬أسعار الجبنة عند عاشور تكاد تخطف العقل فكيلو الجبن الفيتا لا يتجاوز الـ‮ ‬7‮ ‬جنيهات في حين أنها لا تباع أقل من‮ ‬20‮ ‬جنيهاً‮ ‬في أي مكان آخر،‮ ‬أما الجبنة القشدة فسعرها‮ ‬5‮ ‬جنيهات فقط،‮ ‬وبرطمان الجبنة الفاخرة يباع بثلاثة جنيهات في حين أن سعره خارج السوق يتجاوز‮ ‬15‮ ‬جنيهاً،‮ ‬وثلاث علب من الجبنة المثلثات تباع بخمسة جنيهات،‮ ‬والجبنة الرومي المخصصة للغلابة بـ‮ ‬16‮ ‬جنيهاً‮ ‬في حين أنها تصل إلي‮ ‬45‮ ‬جنيهاً‮ ‬في المحلات العادية،‮ ‬ولكنها تختلف في الجودة لأنها من بقايا تلك المحليات حسب أم شوقي بائعة الجبن‮ »‬تعالي حتي تذوقيها يا أبلة دي زي الفل والناس هنا بتحبها ودي أكلة الغلابة أحسن ما يتحرموا منها‮«.‬

 

صلاحيات السلع لم تنته بعد‮.. ‬أخبرنا عاشور الذي شاهدنا نتفحص في تاريخ صلاحية العلبة،‮ ‬وقال‮: ‬يتبقي لها شهر أو شهران علي الانتهاء،‮ ‬والكثيرون ينكبون علي البضاعة هنا،‮ ‬لكن المشترين رفضوا التحدث إلينا‮.. ‬هم يقولون إن الفقر يحرجهم أمام أعين الكاميرا‮.. ‬أطرقنا إلي حديث رجل وابنه أحمد من زبائن السوق‮ »‬الأب‮: ‬هانشتري ولا قلقان؟‮.. ‬الابن‮: ‬ما هي كويسة يا بابا تاريخ الصلاحية فاضل له شهرين لسه وإحنا هناك لها قبل الشهرين‮. ‬الأب‮: ‬أنا متردد وقلقان‮. ‬الابن‮: ‬دي فرصة تعرف دي هنا بـ‮ ‬2‮ ‬جنيه وبتتباع بره بـ‮ ‬8‮ ‬جنيهات‮. ‬الأب‮: ‬خلاص نتوكل علي الله نشتري‮«.‬

هذا هو مبدأ الفقراء عند شراء الأطعمة والسلع الغذائية هنا فضلاً‮

‬عن مبدأ الباعة‮ »‬اشتري وانت مغمض عينيك‮«‬،‮ ‬فالمستهلك وحده هو الحكم علي جودة السلعة،‮ ‬وهناك عدة مظاهر تدل علي ذلك بداية من الرائحة وشكل العلبة نفسها إذا كانت منتفخة أو معوجة،‮ ‬حسب الدكتور نبيه عبدالحميد مدير مركز تكنولوجيا الغذاء‮.‬

طريقة جلب المنتجات في هذا السوق تتلخص في قيام وسيط أو تاجر كبير بشراء السلع التي أوشكت صلاحيتها علي الانتهاء بأسعار قليلة جداً‮ ‬وبالجملة ويقوم بتوزيعها علي الباعة‮ »‬السريحة‮« ‬الذين يفترشون كل الأسواق،‮ ‬سوق الخميس في المطرية،‮ ‬والجمعة في البساتين،‮ ‬وسوق المنيب،‮ ‬حسب رواية‮ »‬سيف‮« ‬أحد بائعي السوق،‮ ‬والذي قال‮: ‬نعتمد علي الزبون الطياري‮: ‬يعني اللي مش هنشوفه تاني الحاجة رخيصة لو منفعتوش هيرميها بس مش هيشوفني تاني‮.‬

أغرب نداءات ترويج البضاعة تلك التي أطلقها‮ »‬حسن‮« ‬صاحب فرشة بيع الملوحة الذي يصرخ في زبائنه‮ »‬الملوحة الفاسدة دوق وبـ‮ ‬40‮ ‬جنيه بس‮«.. ‬هو خصص من بضاعته سردينة كبيرة يقتطع منها حتي يتمكن الزبون من التذوق قبل الشراء،‮ ‬وهو مظهر لافت للنظر جعل المشترين ينكبون عليه،‮ ‬وبسماحة وجهه وخفة ظله جذب الانتباه للشراء دون النظر إلي كمية الذباب التي تجمعت علي بضاعته‮.‬

البضاعة أيضاً‮ ‬كما البشر هنا لها طبيعتها الخاصة وهو ما يجعل الشراء يكون علي مراحل،‮ ‬فأمام فرشة الأحذية بدا شاب رحلة البحث عن حذاء مناسب فكانت المرحلة الأولي البحث عن فردتين متشابهتين بعد عناء وتدخل من البائع،‮ ‬ثم يبدأ في القياس،‮ ‬أما المرحلة الأخيرة فهي رحلة الفصال،‮ ‬الشاب التي تحفظ علي ذكر اسمه يقول‮ »‬الأسعار هنا بالنص لو قال‮ ‬40‮ ‬يبقي أنا هشتري‮ ‬20‮ ‬أو‮ ‬25‮ ‬جنيهاً‮ ‬علي أقصي تقدير‮« ‬يعني من الآخر لازم نفاصل معاه،‮ ‬وكذلك الملابس المستعملة من قمصان وبنطلونات يباع الواحد منها بـ‮ ‬15‮ ‬جنيهاً‮ ‬قبل الفصال يعني ممكن تاخد طقم كامل بـ‮ ‬20‮ ‬جنيهاً‮.‬

‮»‬الكل في السوق بيسترزق‮« ‬فبين أرجائه يمكنك أن تلاحظ العديد من باعة العطور وأدوات التجميل الخاصة بالمرأة‮. ‬والغريب أن هذه الأدوات تحمل ماركات عالمية شهيرة ولكنها بالطبع مزورة أو‮ ‬غير معلومة المصدر وتتراوح أسعارها بين جنيه واحد إلي‮ ‬10‮ ‬جنيهات،‮ ‬فيصل سعر علبتي الشامبو من الحجم الكبير إلي‮ ‬8‮ ‬جنيهات رغم أن سعر الواحدة منها يبدأ من‮ ‬12‮ ‬جنيهاً‮ ‬في الخارج‮.‬

 

حينما تتجول في سوق الخميس لابد أن يلفت انتباهك سوق المحمول،‮ ‬الذي تجد فيه أنواعاً‮ ‬مختلفة من الأجهزة لا تشهد زحاماً‮ ‬بسبب رداءة البضاعة‮. ‬واللافت هو نظرات الريبة والخوف الصادرة من بائعي الموبايلات بما يوحي أن تلك الأجهزة مسروقة،‮ ‬إلا أنك تتأكد من ذلك حينما تسمع أسعار الأجهزة،‮ ‬فالموبايل لا يتجاوز سعره‮ ‬30‮ ‬أو‮ ‬40‮ ‬جنيهاً،‮ ‬استوقفنا موبايل‮ »‬30‮ ‬جنيهاً‮ ‬بس عايز بطارية وبصراحة ضارب شاشة‮« ‬هكذا بادرنا

البائع‮.‬

السوق يطلق عليه سوق الغلابة،‮ ‬لذا كان لابد أن يخصص به مكان لبيع شيء من اللحوم والدجاج أو بالأحري بقايا الفراخ وهياكلها،‮ ‬ويبلغ‮ ‬سعر الكيلو منها‮ ‬5‮ ‬جنيهات،‮ ‬إلا أنها لا تجد إقبالاً‮ ‬عليها فبمجرد أن تقف السيدات أمام البائع وتسأل عن السعر تسرع بالذهاب قائلة‮ »‬غالية‮«.. ‬حاولنا التحدث إلي بعضهن،‮ ‬فاطمة واحدة من هؤلاء قالت لنا‮ »‬الحمد لله الحالة ماشية‮.. ‬بنشتري الهياكل لما الأمور بتتيسر معانا ولكنها‮ ‬غالية من بعد الأحداث الأخيرة ونضطر للاستغناء عنها‮«.‬

‮»‬كل حاجة هنا لها ثمنها والزبون معروف‮« ‬يقول عمرو هياكل أحد بائعي الفراخ‮.. »‬فبعد‮ ‬غلاء الأسعار كان لازم نرفع السعر لأنه فيه تجار كبار هما اللي بيفرضوا علينا الأسعار‮«.. ‬وهو يوضح أن سعر كيلو الهياكل التي تضم الصدر والجناح والأرجل بلغ‮ ‬6‮ ‬جنيهات بعد أن كان يباع بـ‮ ‬3‮ ‬أو‮ ‬4‮ ‬جنيهات قبل الثورة وكمان الزبون بتاعها بيشتري بشكل أسبوعي،‮ ‬أما الجناح الصافي فيصل سعر الكيلو منه إلي‮ ‬10‮ ‬جنيهات والوراك‮ ‬14‮ ‬جنيهاً‮«.‬

هنا لا تتوفر أي وسائل لضمان نظافة أي سلعة،‮ ‬مما يسبب أمراض الكبد والفشل الكلوي وما إلي ذلك نتيجة الترسبات التي يحملها تناول مثل هذه الأغذية،‮ ‬وهو ما جاء علي لسان رئيس جهاز سلامة الغذاء‮«.‬

وبجوار عمرو افترشت سيدة كبيرة الأرض لتبيع الحلويات‮ »‬سقط اللحوم‮« ‬من الفشة والكرشة ولحمة الراس،‮ ‬التي يقبل عليها الفقراء،‮ ‬أما الكوارع والممبار فتشير أسعارهما إلي انتقالهما لطعام الطبقات الغنية‮.. ‬وهي تتهم النظام السابق بأنه السبب في معاناتهم من‮ ‬غلاء وارتفاع الأسعار ووقف الحال‮.. ‬تقول‮: ‬الفشة والكرشة اللي كانت بـ‮ ‬7‮ ‬جنيهات دلوقتي بـ‮ ‬15‮ ‬جنيهاً‮ ‬وأضافت إحنا كنا بنشتري الساقط بتاع الدبيحة بـ‮ ‬350‮ ‬أو‮ ‬400‮ ‬جنيه لكن الآن أقل سعر له يوصل‮ ‬750‮ ‬جنيهاً‮.‬

لا مجال هنا للتذكير بأن نوعية الغذاء التي ينكب عليها الفقراء في السوق تحتوي علي جزء عال من الدهون التي تؤدي إلي مصائب صحية ومنها الكوليسترول وانسداد الشرايين،‮ ‬وهو ما أضافه رئيس جهاز سلامة الغذاء‮.‬

الزبائن‮ - ‬من ناحية أخري‮ - ‬قالوا عن سبب اتجاههم إلي ما يسمونه‮ »‬أشباه اللحوم‮« ‬هو رخص سعرها،‮ ‬وعدم القدرة علي شراء اللحوم الحمراء‮ »‬نكتفي من الحين للآخر بشراء كيلو أو اثنين من أرجل الفراخ ودسها في الطبيخ لتكسبه طعم اللحم حتي لا يشعر الأطفال بالحرمان الدائم منها‮«.‬

علي رصيف جانبي وضع أحد الباعة بضاعته من رؤوس أسماك المبروكة التي يصل سعرها إلي‮ ‬3‮ ‬جنيهات،‮ ‬أما جسم السمكة فيتم بيعه للفنادق ومحلات الأسماك الكبري في سوق العبور‮.‬

خبراء التغذية يرون أن التلوث الغذائي يصل الغني والفقير علي حد سواء‮.. ‬الدكتور حسين منصور رئيس جهاز سلامة الغذاء يؤكد تعرض البعض للأمراض المزمنة نتيجة تناولهم هذه المأكولات،‮ ‬ويقول‮: ‬المشكلة في أنهم‮ ‬غير قادرين علي توفير علاجهم كما يفعل ميسورو الحال،‮ ‬مما يؤدي إلي الوفاة،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أن النتائج السلبية لمثل هذه الميكروبات المتراكمة هو التكاسل عن العمل وفقدان الحيوية التي تؤدي إلي حتمية التسول في النهاية‮.‬

ومن بين الآثار السلبية التي تتركها هذه الملوثات مادة الرصاص التي تترك أثراً‮ ‬بالغ‮ ‬الخطورة علي المخ يخلف نوعاً‮ ‬من البلادة الذهنية وتباطؤ التحصيل الدراسي،‮ ‬حسب منصور الذي يشير إلي احتياجنا لتغيير ثقافة المجتمع فقيراً‮ ‬كان أو‮ ‬غنياً‮ ‬حتي نتجنب اللوم علي الفقراء فقط،‮ ‬وحل أزمة سلامة الغذاء بدلاً‮ ‬من البحث عن الاكتفاء منه‮.‬

منصور يؤكد أن فترة صلاحية سلعة ما هي حكم نسبي وانقضاء الأجل لا يعني عدم سلامة السلعة،‮ ‬وأنه من الأفضل إتاحة الفرصة للمستهلك لاختيار الأنسب،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلي أن الضوابط التي تفرض عليها تتمثل في تسهيل المراقبة وهي معيار مناسب للحكم عليها من خلال اختبارات حسية ومكروبية،‮ ‬حيث من المؤسف في مصر أنه لا يوجد ما يجبر التجار في القانون علي عرض السلع وخاصة الألبان في ظروف مناخية مناسبة،‮ ‬فالحكومة نفسها تصنع ذلك،‮ ‬حين تلجأ لعرض اللحوم في شوادر كبيرة دون رقابة صحية تذكر‮.‬



 

 

أهم الاخبار