ميت الكرماء.. قرية ترفع العلم الإيطالي

مع الناس

الثلاثاء, 24 مايو 2011 16:50
الوفد- متابعات

من بين 4 آلاف محل تجاري ومطعم في ميت الكرماء.. يحمل 75 % منها على الأقل أسماء إيطالية، فميت الكرماء وقراها الخمس صارت تتحدث الإيطالية بطلاقة،

والسر وراء ذلك الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا والتي سافر إليها خلال السنوات الخمس الأخيرة 40 ألفا من الشباب، بينما فشل 20 ألف آخرون في تحقيق الحلم الإيطالي فعادوا إلى القرية إما مرحلين بأيدي خفر السواحل أو غارقين في قوارب الموت.
لا يكتفي أهالي ميت الكرماء ببعض شركات الصرافة التي تأسست في شوارعها لتلبي حاجة أهلها في تغيير اليورو إلى الجنيه المصري ، بل وصل الأمر إلى أن أكثر من ألف محل تجاري بالقرى الست التابعة للوحدة المحلية لميت الكرماء تعمل في الصرافة وتتعامل رسميا باليورو في الشراء والبيع، فهي العملة المعتمدة والمتوفرة بكثرة في جيوب أهالى القري الست " جوجر وسرسق ومنشاة البدوي وكفر الخوازم وميت نابت وكفر العرب".
حالة الثراء واضحة على النسبة الغالبة من أهالي تلك القري ، طبقا لما جاء في تقرير مجلة المصور، وهي مرتبطة تحديدا بالأسر التي نجح أحد أبنائها في الوصول لإيطاليا، حتى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت بناء ما يقرب من خمسمائة فيلا وقصر على أحدث طراز معمارى كلها تمتلكها أسر المهاجرين لإيطاليا.
والغريب أن القرية التي تزيد مساحة أراضيها المزروعة على 1500 فدان شهدت تراجعا في أسعار الأراضى الزراعية بها، بينما قفزت أسعار أراضي المباني إلى 8000 جنيه للمتر .. والسبب كما يقر المسئولون هو اليورو.

لعنة إيطاليا

الفلاحون ممن لم يهاجر أبناؤهم يسمونها لعنة إيطاليا، ويصفون أصحاب القصور بأنهم طبقة الإيطاليين الجدد، فعدد سكان ميت الكرما يتعدى 185 ألف نسمة ، نسبة ليست قليلة منهم ما زالوا فقراء لم يمسهم اليورو ولم يدخل بيوتهم ، لذلك ورغم الفيلات الأنيقة والقصور الشاهقة والمحلات الفخمة إلا ان

الخدمات داخل القري الست عادية وفقيرة والشوارع متهالكة مثل بقية القرى المصرية.

ولذا يعيش معظم هؤلاء البسطاء على حلم إيطاليا لدرجة أن موتوسيكلات التوك توك يرسم عليها الشباب العلم الإيطالي بدلا من المصري ، وبعض المحلات كذلك تضعه في أحد أركانها..!

المصرية تكسب

الطريف أنه رغم العدد الضخم المستقر في إيطاليا من أبناء الكرماء ، إلا أن نسبة لا تزيد على 1% منهم متزوجون من إيطاليات، بينما الغالبية العظمى يفضلون الزيجات المصرية التي تتميز هناك بطقوس خاصة تختلف عن كل الزيجات الأخرى.

فالانشغال بجمع الثروة جعل الأهالي يكتفون بالسؤال عن تمتع العريس بـ "البريمسو"- بطاقة الإقامة في إيطاليا- وإن توافرت يتم تسهيل كل أمور الزواج ، وغالبا لا يحضر العريس وتتم الزيجة عن طريق العائلة بإرسال صورة العروس المرشحة عبر النت ، وبعد الموافقة تُتم الأسرة مراسم الزواج نيابة عن العريس المقيم في إيطاليا!

والطريف أن الزفة تتم أيضا في غيابه.. فتجلس العروس على كرسى بالكوشة وعلى الكرسى الآخر يكتفى بصورة العريس الذي ينتظرها في بلد الأحلام كما يسمونها .

تكاليف الزواج داخل القرية ارتفعت بشكل جنوني ..فلم يعد غريبا في ميت الكرماء أن تجهز العروس مطبخا بـ 100 ألف جنيه، وغرفة اطفال بـ20 ألفا كحد ادنى ، والسبكة لا تقل عن 50 ألف جنيه أما مؤخر الصداق فيصل لـ 250 ألف جنيه ويقوم العريس بفرش الشقة بأفخم أنواع الأثاث.

كأس العالم .. البداية

حسب روايات أهالى ميت الكرماء فإن الظاهرة بدأت مع دخول مصر لكأس العالم في بداية التسعينيات وسفر مجموعة من الشباب لتشجيع المنتخب ، إلا

ان الحياة هناك أبهرتهم فتخلفوا واستطاعوا الهرب داخل إيطاليا ثم عادوا بعد سنوات بسيارات فارهة وملابس على أحدث موضة، واشتروا أغلى عقارات القرية مما أغرى الكثيرين بخوض التجربة إلا ان الطريق الشرعي للسفر لم يكن سهلا فسعر الفيزا الرسمية وصل وقتها لـ 50 ألفا مع صعوبة توفر شروط الحصول عليها.

وبدأ السماسرة في الظهور .. حيث يدفع الراغب في السفر بين 15 -20 ألف جنيه مقابلها ينتقل إلى ليبيا ومنها لمركب صيد متهالك يلقي به قبالة سواحل قبرص إن كان محظوظا ولم يغرق به المركب ، ليلتقطه أحد المراكب المارة قدرا لتبدأ معاناة البحث عن عمل مؤقت داخل قبرص لحين الانتقال إلى إيطاليا.. وهناك تستمر رحلة الهروب من مطاردة البوليس الإيطالي ومكافحة الهجرة غير الشرعية لحين الحصول على الإقامة وهي فرصة لا تتاح إلا لعدد قليل جدا.

مدارس البمبينو

ويعتبر الأطفال في سن 16 -18 سنة الأكثر حظا ..فهؤلاء الأطفال يسلمون انفسهم إلى الصليب الحمر على السواحل ، وهناك يدخلونهم إحدى مدارس البمبينو ، وهي تعتبر دار إيواء تعلمهم اللغة وتمنحهم الإقامة لمدة 5 أيام حتى يجدوا أسرة أوأحد الأقارب في إيطاليا يطلب ضمهم ويمنحهم جنسية دائمة ليعودوا بعد ذلك إلى مصر ليستفزوا باقي زملائه على حد قول الأهالى.

وتتنوع المهن التي يعمل بها هؤلاء الشباب بين عامل كاشينة أي حظيرة خنازير ، وهو الأوفر حظا لأنه سيجد طعاما ومأوى بالإضافة إلى أنه الأعلى في الراتب من الحداد والشيال والنجار، وهي أفضل المهن التي يعملون بها ويجمعون من خلالها اليورو الذي يتحول سريعا إلى ملايين تتحول بدورها إلى عقارات وأراض.

ويعود المليونيرات الجدد إلى القرية لينفقوا على أسرهم ببذخ حتى أن نسبة التعليم بلغت 100 % لكن أغلب الأبناء يلتحقون بمدارس متوسطة ، فليس في القرية اهتمام كبير بالتعليم الجامعي والأهم هو الحصول على دبلوم الصنايع ثم السفر إلى إيطاليا .

لذلك لا يخفي عماد القصبي، مدير الجمعية الشرعية ، نقمته على إيطاليا ومن هاجر إليها بسبب كارثة لم تظهر كل آثارها بعد ، حيث بدأت بالتفاوت الطبقي الذي يهدد الوضع الاجتماعي بأكمله وانتهت بالطلاق الذي زادت نسبته نتيجة هذا التفاوت ، إضافة إلى أن المتعلمين ومثقفوا البلد أصبحوا في القاع لتظهر طبقة أصحاب اليورو التي أصبحت تتحكم في كل شيء .

أهم الاخبار