مصر المدفونة

مع الناس

الخميس, 28 أبريل 2011 14:00
هانم الفشني

في مقابر الامام الشافعي لفتت انتباهي سيدة تجلس وتشرب شيئا ذا لون مميز ذهبت اليها وسألتها عن اسمها؟ فقالت‮: ‬الحاجة فتحية شعبان حجاج،‮ ‬سألتها عن سنها؟ ردت‮: ‬50‮ ‬عاماً،‮ ‬وعن اولادها قالت‮:

‬عندي اربع عيال بنتين وولدين،‮ ‬ثم توقفت عن الكلام وقالت‮: ‬اوعي تكوني من التليفزيون او الصحافة،‮ ‬فقلت لها‮: ‬و ما المانع؟ فأجابت‮: ‬انا مش بحب بتوع التليفزون ولا الاعلام،‮ ‬حاولت الخروج من المأزق بادعاء أني باحثة جاءت لمعرفة من يستحقون مساكن بديلة،‮ ‬فقالت‮: ‬واسيب القصر؟ فقالت‮: ‬ايوه طبعاً‮ ‬لا جار يضايقك ولا يتكلم عليكي ولا يقولك وطي التليفزيون شوية،‮ ‬انا كده مستريحة قوي.
‬قلت لها‮: ‬إيه اللي بتشربيه ده؟ فقالت دي‮ "‬سلامكا‮" ‬أعشاب بنزرعها هنا في المقابر علشان علاج الامراض،‮ ‬لمشاهدة‮ "‬القصر‮" ‬من الداخل دخلت معي ابنتها سماح‮ (‬30‮ ‬عاما‮) ‬سألتها عن ملاك هذا الحوش؟ فأجابت‮: ‬إحنا مانعرفش حد من الملاك احنا الملاك‮.. ‬أصل احنا اتولدنا هنا،‮ ‬وأجدادي كانوا عايشين هنا،‮ ‬بس بيقولوا ان الحوش ده كان بيتاع باشا كبير قوي،‮ ‬ومش عارفين مين هو‮.‬

ذهبنا الي حوش آخر فخرجت لنا السيدة اعتماد عبد الحميد‮ (‬65‮ ‬عاما‮) ‬قالت‮: ‬انا هنا من أيام اجدادي،‮ ‬اتولدت هنا وكبرت في المقابر،‮ ‬وبصراحة العيشة هنا احسن من عيشة القصور،‮ ‬مبارك أهو كان عايش في قصر،‮ ‬ودلوقتي مرمي بين اربع حيطان‮.. ‬راحة البال أهم من أي حاجة‮.‬

سألتها عن ملاك الحوش؟ فأجابت‮: ‬هما مين ملاك الحوش؟ احنا الملاك،‮ ‬احنا عايشين هنا من زمان،‮ ‬لا شوفنا ملاك ولا أي حد فكر ييجي هنا‮.‬

وفي حوش آخر كانت تجلس عائلة صغيرة امام التليفزيون،‮ ‬جلسنا معهم‮ ‬وسألناهم عن ملاك الحوش؟ ميرفت سعيد مافيش حد بيملك الحوش ده احنا اتولدنا هنا انا واخواتي،‮ ‬ولما اتجوزت سكنت في شقة قانون جديد،‮ ‬لكن ماقدرتش علي الايجار،‮ ‬فجبت عيالي وجوزي وجينا هنا تاني،‮ ‬لا مالك يذلنا ولا يطالبنا بحاجة،‮ ‬واجابت شقيقتها انتصار الأم لعشرة ابناء‮: ‬احنا عايشين في مكان محترم.

‬المدافن هنا سكانها نالس محترمين ومتربيين،‮ ‬كفاية ان الاطفال بيتربوا وسط ميتين،‮ ‬لا بيتكلموا ولا بينطقوا،‮ ‬ولا بنخاف علي عيالنا من حاجة،‮ ‬بالعربي كده دي دولة ملهاش ريس فاسد زي مبارك،‮ ‬رئيسنا هو ربنا العادل،‮ ‬بنخاف منه وبنحبه ومش عاوزين‮ ‬غير كده‮.‬

عبدالله محمد رزق‮ (‬24‮ ‬عاما‮) ‬يقول‮: ‬انا اتولدت هنا وامي وابويا اتولدوا هنا،‮ ‬وخلاص اخدنا علي العيشة هنا ومضي يقول‮: ‬فيه احواش ماحدش يعرف عن ملاكها حاجة،‮ ‬وفي احواش ملاكها بييجوا يزوروها في الاعياد،‮ ‬ويدونا اللي فيه النصيب واحنا هنا بصراحة عايشين مرتاحين،‮ ‬لا فيه ظلم ولا فساد‮.‬

اهالي المقابر لايتزوجون الا من نفس المنطقة،‮ ‬ولهم عاداتهم وتقاليدهم ايضا،‮ ‬فلابد من أن تسكن العروس في حوش ليس له ملاك،‮ ‬ربما كشرط يماثل لمبدأ الشقة التمليك ولابد من قيام أهل العريس بعمل دي جي لمدة ثلاثة ايام متواصلة‮.‬

فهم يمارسون حياتهم هنا بشكل طبيعي ولا يشعرون بالخوف ولا القلق‮.‬

في الإمام الشافعي‮.. ‬دش وسيراميك وناس بتقول‮: "‬إحنا مرتاحين كده‮"‬

غرف نوم قيمة وأجهزة كهربائية باهظة الثمن،‮ ‬في مقابر الإمام الشافعي،‮ ‬وهي أقدم المقابر التي عرف المصريون طريقا إلي العيش بها‮. ‬ومن هؤلاء سيدة

وشقيقتها وأبناؤهما يجلسون لمشاهدة الدش،‮ ‬وهم يضحكون بصوت عال،‮ ‬سألنا السيدة عن سبب اقامتها في المقابر رغم مظاهر الحياة العادية عندها؟ فقالت‮: ‬إتولدنا هنا،‮ ‬ومش هانخرج من هنا،‮ ‬وإحنا مرتاحين قوي كده‮.‬

تركناها وذهبنا إلي عائلة أخري،‮ ‬واستقبلتنا سيدة تدعي عائشة محمد،‮ ‬تعيش هي وأبناؤها وزوجها بمقبرة من‮ ‬غرفتين في‮ ‬غرفة نوم قيمة جداً،‮ ‬سألناها عن سبب عيشتها في المقابر،‮ ‬فقالت‮: ‬مش بالفلوس،‮ ‬لو معانا فلوس الدنيا كلها،‮ ‬مش هانسيب المقابر،‮ ‬لأنها أصلنا،‮ ‬ومن نسي أصله نسي نفسه‮.‬

فتحية حفظي تعيش مع والديها وزوجها وأبنائها،‮ ‬لديها بوتاجاز‮ ‬5‮ ‬شعلة ماركة عالمية،‮ ‬وثلاجة‮ ‬14‭ ‬قدم،‮ ‬والحوش الذي تعيش فيه مبلط بالسيراميك،‮ ‬وهي تقول إن تكاليف تجهيزه كانت توفر لهم شقة في مكان راق،‮ ‬لكنها تؤكد ما قدرش أعيش في مكان‮ ‬غير هنا،‮ ‬خلاص إحنا أخدنا علي هنا‮.‬

في حوش آخر تعيش إبتسام السيد علي‮ (‬خمسين عاما‮)‬،‮ ‬كانت ترتدي مصوغات ذهبية كثيرة قالت‮: ‬إحنا هنا مرتاحين،‮ ‬لا مالك يطالبنا بإيجار،‮ ‬ولا جار يضايقني،‮ ‬وبصراحة كده إحنا مانعرفش نعيش بعيداً‮ ‬عن الحوش بتاعنا،‮ ‬بينما تقول جميلة السعيد‮: ‬أنا اتولدت هنا،‮ ‬ولقيت أهلي كلهم هنا،‮ ‬يعني ماينفعش أعيش بعيداً‮ ‬عن أهلي،‮ ‬وجوزي من هنا،‮ ‬وكلنا عارفين بعض،‮ ‬ولا في بلطجة ولا كلام فارغ‮ ‬زي اللي موجود في الأحياء الراقية،‮ ‬وهنا ناس معاهم فلوس كتيرة قوي،‮ ‬ومش بيفكروا يسيبوا هنا خالص‮.‬

عندما يصبح عنوانك في بطاقة الرقم القومي‮ "‬قرافة‮"‬

‬وداد‮: ‬الدكتور رفض إجراء عملية جراحية لي عندما قرأ البطاقة وقال‮: "‬ازاي أعمل عملية لواحدة ميتة‮"!‬

محمود‮: ‬لما حد بيشوف بطاقتي ويقرأ العنوان يسخر مني ويقول لي‮: "‬اتفضل يا مرحوم‮"‬

صباح إمام عاشور إمام‮.. ‬العنوان قرافة عبد القادر‮.‬

سماح سيد محمد‮.. ‬العنوان‮: ‬قرافة عزت عرابي‮.‬

سناء السيد ابراهيم‮.. ‬العنوان‮: ‬مقابر الامام الشافعي

زينب حسن‮.. ‬العنوان‮: ‬قرافة حفيظ باشا

هؤلاء السيدات ولدن في المقابر ولم يعرفن وطنا‮ ‬غيرها‮.. ‬بل ان الحكومة نفسها قامت باستخراج شهادات ميلاد وبطاقات رقم قومي لهؤلاء مسجل فيها عنوان قرافات ومدافن،‮ ‬في تأكيد منها علي أن هذه الحياة علي حافة الموت هي قدرهم الابدي‮.‬

الحاج محمود محمد‮ "‬65‮ ‬عاما‮" ‬يقول‮: ‬لما بروح أي مكان،‮ ‬والناس تقرأ البطاقة،‮ ‬بيضحكوا علينا ويسخرون منا،‮ ‬ويفضلوا يقولولي‮ "‬اتفضل يا مرحوم‮" ‬ولد استطيع أن أتفوه بكلمة واتركهم وامشي،‮ ‬وتقول وداد السيد عابد‮: ‬أنا رحت المستشفي أعمل عملية،‮ ‬ولما الدكتور شاف البطاقة فضل يضحك ويقول لي‮: ‬انتي ميتة وجاية تعملي عملية،‮ ‬دا انتي بتفولي علي نفسك‮"‬،‮ ‬فقلت له‮: ‬قدري يا دكتور،‮ ‬فقال‮: ‬قدرك انتي بس مش قدري أنا أعمل عملية لواحدة ميتة ازاي،‮ ‬وتركني ومشي‮.‬

وتقول فاطمة محمود عباس‮: ‬انا طالبة في الجامعة ولما رحت اقدم في التنسيق،‮ ‬كان واقف مجموعة من الطلبة بجواري لملء الاستمارات وكانوا لطاف

جداً‮ ‬معايا،‮ ‬ولما قرأوا عنواني اخذوا يضحكوا عليا،‮ ‬ثم تركوني وذهبوا بينما يقول حسام مجدي عباس‮ "‬19‮ ‬عاما‮" ‬كنت فرحان لما طلعت البطاقة بس كل ما حد يشوف بطاقتي يستهزأ بي،‮ ‬فقررت أمشي من‮ ‬غير بطاقة‮.‬
الحاج محروس‮: ‬المقابر خرّجت دكاترة ومهندسين ونوابا كمان

سعيد‮: ‬أنا لحام وافتخر بحياتي داخل المقابر وابني ليس لديه عقدة منذ ذلك

عندما تعيش قريبا من الموت تدرك اكثر قيمة الحياة‮.. ‬لذا يهتم كثير من سكان المقابر‮ - ‬علي‮ ‬غير ما نظن‮ - ‬بتعليم ابنائهم ومستقبلهم،‮ ‬والحاقهم بالمدارس والجامعات حيث تخرج الكثير من هؤلاء اطباء ومهندسين وعلماء أيضا‮.‬

نعيمة حسن تقول‮: ‬بنتي سوزان دكتورة في الجامعة وبنتي الثانية مدرسة،‮ ‬وابني طالب في الثانوية العامة،‮ ‬واتولدوا هنا واتربوا هنا،‮ ‬ومن وقت للتاني بيجوا يزورونا،‮ ‬لأنهم اتجوزوا واحدة اتجوزت في مدينة نصر والتانية في جسر السويس‮.‬

وتقول سمية صابر‮: ‬أنا حاصلة علي معهد كمبيوتر،‮ ‬وجوزي مش متعلم وعايشة هنا لأساعد زوجي في دفن الموتي،‮ ‬حيث يعمل‮ "‬تربي‮" ‬تركناها وذهبنا الي الحاج محروس النجدي لنسأله عن خريجي المقابر؟ فأجاب‮: ‬مش اطباء ومهندسين فقط،‮ ‬دا كمان اعضاء مجلس شعب وضباط ايضاً،‮ ‬ويقومون من وقت الي آخر بزيارة الاحواش هنا،‮ ‬كما يقومون بنحر الاضحية هنا،‮ ‬ويتبرعون ويعطون الفقراء،‮ ‬ولا ينكرون ابداً‮ ‬أنهم خرجوا من هذه الأحواش ومن المقابر،‮ ‬بل يفتخرون‮.‬

في حين يقول سعيد محمد‮: ‬أنا محامي وساكن هنا ومكتبي هنا أيضاً‮ ‬وافتخر بكوني ولدت وعشت في المقابر،‮ ‬وعندما يمتنع ابني عن المذاكرة أذكره واقول‮: ‬انا كنت اذاكر علي لمبة الجاز،‮ ‬ووصلت لهدفي وحققت حلمي،‮ ‬واصبحت محام،‮ ‬ومخطئ من يقول‮: ‬إن الاطفال الذين يخرجون من جو المقابر،‮ ‬تصبح لديهم عقد كثيرة،‮ ‬بالعكس اولادنا يفتخرون بهذا الشرف ولا ينكرون فضل المقابر عليهم،‮ ‬لأنهم لولا المقابر لما ظلوا احياء في هذا البلد‮.‬

سكان حوش الباشا‮: ‬نرفض استقبال مبارك ميتاً‮ ‬لأنه لم يشعر بنا حيا

‮ ‬مديحة‮: ‬عندما طالبنا الحكومة بشقق قالوا لنا‮ "‬مش عاجبكم المقابر طب هنسحبها منكم‮"‬

‮ ‬أحمد‮: ‬قمنا بتشكيل لجان شعبية لحماية المقابر من البلطجية الهاربين وربنا بيسترها معانا

 

قامت الثورة في كل مكان في مصر،‮ ‬في الأحياء الشعبية والراقية وفي المقابر أيضا،‮ ‬حيث نظم سكان المقابر ثورة ضد النظام،‮ ‬وقرروا،‮ ‬إذا مات مبارك،‮ ‬فانهم لا يوافقون علي دفنه في أي مقبرة من مقابر حوش الباشا،‮ ‬بمنشأة ناصر،‮ ‬حيث أنهم عاصروا الفساد،‮ ‬وعاشوا الظلم في عهده‮ ‬‭,‬وحرمهم هذا النظام من حق العيش كمواطنين علي قيد الحياة حيث تقدموا بأوراق لطلب شقق‮ ‬،ولكن الحكومة،‮ ‬لم تستمع لهم،‮ ‬وعاملتهم كمواطنين في حكم العدم‮.‬

تقول مديحة ممدوح سعد‮ (‬35‮ ‬عاما‮): ‬إحنا عملنا ثورة هنا،‮ ‬علشان نقضي علي النظام الفاسد،‮ ‬ونمشي مبارك والحاشية الفاسدة بتاعته،‮ ‬لأن اللي شوفناه في عهده كان صعبا فإحساس صعب لما تعيشي وتموتي في نفس المكان،‮ ‬تبقي عايشة في قبر عارفة إنك هاتندفني فيه،‮ ‬ونروح نقدم علي شقق،‮ ‬يقولولنا‮ "‬تعالوا السنة الجاية‮"‬‭ ‬وبعدها نلاقيهم باعوا الأراضي الفاضية،‮ ‬اللي كنا حطين آمالنا علي إنهم يبنوا عليها مساكن لينا،‮ ‬ونروح نسأل‮ ‬تاني يقولولنا‮ "‬إنتوا مش عاجبكم المقابر اللي عايشين فيها‮.. ‬طب والله نسحبها منكم لو طالبتوا بشقق مرة تانية‮"‬‭ ‬فنخاف ونمشي،‮ ‬ليرمونا في الشارع إحنا وعيالنا‮.‬

ويقول سيد سيد حفني‮ (‬36عاماً‮):‬‭ ‬بصراحة شباب التحرير جددوا فينا الأمل،‮ ‬وإدونا الشجاعة إننا نتكلم ونقول لأ،‮ ‬وعلي فكرة أنا وشوية شباب من المنطقة روحنا عند قصر العروبة،‮ ‬وكنا عاوزين ندخل،‮ ‬بس الجيش منعنا علشان مبارك ماحسش بينا وهو عايش ويمكن يحس بينا وهو ميت‮.‬

أحمد محمد‮ (‬29عاماً‮) ‬يلتقط طرف الحديث‮:‬‭ ‬إحنا كنا بنحرس أمهاتنا وأخواتنا و قبورنا أثناء الثورة،‮ ‬وضبطنا بلطجية كثيرين كانوا يحاولون الإختباء في المقابر،‮ ‬ولكننا بفضل الله استطعنا السيطرة علي الموقف،‮ ‬بينما تقول سناء السيد إبراهيم‮: ‬وضعنا زجاجا علي السور بتاع المقابر،‮ ‬علشان الحرامية والبلطجية لما بيعملوا أي كارثة،‮ ‬بييجوا يستخبوا هنا،‮ ‬بس ربنا بيسترها معانا،‮ ‬والرجالة بيمسكوهم،‮ ‬ودلوقتي مفيش حد يجرؤ ييجي المقابر‮ .‬

أهم الاخبار