جوه البيوت.. ثورة على السلبيات

مع الناس

الخميس, 10 مارس 2011 11:17
كتبت- ليلى حلاوة:


بعد أن تأكد المصريون من قيامهم بثورة حقيقية كالتي قرأوا عنها في التاريخ تبدلت أحوالهم.. وحين شاهدوا أخلاق الميدان ورأوا تأثيرها المذهل ثار كل مصري على منظومته الشخصية بما فيها من سلبيات، وعادت علاقات كانت قد اضطربت منذ سنوات طويلة إلي سابق قوتها وترابطها، أصبح هناك هم واحد وعقل واحد وروح واحدة شعر بها المصريون في ميدان التحرير وأرادوا أن يسقطوها على كل مجالات حياتهم.

هل أثرت الثورة المصرية التي لم يمر على نجاحها أكثر من الشهر بقليل على العلاقات الاجتماعية بين الناس؟ وهل يحمل هذا التغيير بالفعل ملامح إيجابية؟ وهل هي مهددة بعدم الاستمرار؟ وكيف يمكن استغلالها بشكل أكبر في الفترة القادمة؟

أهلا بالضيوف

يقول هيثم 25 سنة: شاركت في ثورة مصر الجميلة وكنت أذهب إلى الميدان كلما تسنى لي ذلك، وبعد نجاح الثورة لم يكف هاتفي عن الرنين.. فأنا وأصدقائي لا نتوقف عن الحديث عن الثورة ومن شارك فيها ومن لم يشارك. كما أنني بدأت اتصل بزملائي وأصدقائي ممن لم أحدثهم منذ زمن كي نتجمع ونتبادل الأحاديث عن مستقبل بلادنا.

"مديحة" ربة منزل ولديها 3 أطفال تقول: كلمنى زوجي وقال لي إنه عزم أسرة صديقه على الغداء في المنزل بمناسبة "الثورة"، وطالبني بتجهيز وليمة فاخرة تليق بالحدث وبنجاح الثورة.

وتضيف أنها ولأول مرة لا تعبأ بالجهد الزائد الخاص بالعزومات، لأنها بالفعل تريد أن تشارك جميع الناس الحديث والنقاش عن الأحداث الأخيرة التي مرت بها مصر، كما أنها تريد أن تعرف كيف يشعر الناس وماذا يتوقعون مستقبلا.

"منى" 20 سنة، تحكي أن زوجها لم يكن يجعلها تظهر أبدا في حجرة الاستقبال بشقتها عندما كان يستقبل أحد أصدقائه، وعندما كانت تأتى أسرة صديقه

كانت تجلس السيدات مع بعضهن البعض في غرفة الأطفال أما زوجها فكان يجلس مع أصدقائه الرجال في الصالون، أما بعد الثورة وفي أول زيارة لعائلة صديقه لنا جلس الجميع في مكان واحد يتبادلون التهاني وسرد الأخبار والتسابق في الحكي وما حدث وما يتوقع أن يحدث..

تقول: لقد غطت الثورة وأحداثها المتسارعة والجميلة وفرحة الجميع بها على تفاصيل صغيرة مملة لم تكن تعجب كثيرين منا.

أما "هند" 18 سنة فتقول إن أسرتها أخذت في تنظيم زيارات عائلية لكل الأسر التي يعرفونها، فالجميع يتلهف لرؤية كل معارفه بعد الثورة وكأنهم لم يروا بعضهم البعض منذ فترة طويلة، وكأننا سنتلاقى في زمن مختلف أو جو مختلف بعد سفر طويل.

"ياسمين" تحكي عن زيارتها الأخيرة لصديقتها ليلى المتزوجة فتقول: ذهبت لليلى بعد أن دعتنا لتناول الغداء مع أسرتها بعد الثورة.. وعلى غير المعتاد لم نتحدث سوى عن أحداث الثورة، وأخذت أحكي لها عن مغامراتي على كوبري قصر النيل يوم جمعة الغضب وكيف انهال علينا جنود الأمن المركزي بالقنابل المسيلة للدموع والأخرى الخانقة، وكيف أنني أصبت بواحدة في وجهي وأغمى علي وكنت على وشك مفارقة الحياة لولا تدخل شباب من حولي لإنقاذي وكان بينهم أطباء.

وتكمل ياسمين: تصادف أن حكي زوج صديقتي عن نفس المأساة الخاصة بكوبري قصر النيل يوم جمعة الغضب وكيف أنه تعرض لنفس المشاهد التي كنت أحكيها.. وما كان من أبناء صديقتي إلا أنهم كانوا يستمعون بإمعان

شديد مستمتعين بما نقوله كأنه شيء من الخيال، وعندهم حق فما حدث في مصر لا يمكن استيعابه.

ثورة على السلبيات

وفي تعليقها على هذا الموضوع تقول د.دعاء راجح المستشارة الاجتماعية: جاءت ثورة 25 لتحدث ثورة في كل مجالات الحياة، فهي ليست ثورة سياسية ضد نظام حاكم ظالم بقدر ما هي ثورة على كل ما هو سلبي في حياة المصريين. فعلى المستوى الفردي أحدثت الثورة ثورة داخلية داخل كل إنسان جعلته ينظر إلى نظامه الشخصي ويثور على منظومته الشخصية بما فيها من سلبيات، وانعكس ذلك على المنظومة الاجتماعية بما لا يدع مجالا للشك.

فالفردية والذاتية التي أمرضت الكائن المصري لسنوات طويلة رأيناها تنهار في ميدان التحرير، وأدرك المصري أن تمحور نظرته حول ذاته واهتماماتها وتلبية مطالبها هو السبب في إخفاقه وفشله، رأى المصري كيف كان التحامه بأخيه المصري سببا في القضاء على أعتى القوى التي لم يكن يحلم يوما ما بانهيارها، فما بالك بمشكلاته اليومية التي من السهل أن تُحل بمجرد أن يلتئم النسيج المصري.

عانى المصري طويلا من السلبية واللامبالاة ورأى كيف فعلت الإيجابية الأفاعيل، عانى المصري من أزمة أخلاق، ولكن حين شاهد أخلاق الميدان ورأى تأثيرها المذهل نفض عنه غبار الماضي وأثبت أنها كانت أخلاق الأزمة وليست أزمة أخلاق.

هذه الثورة الداخلية بلا شك أثرت على النسيج الاجتماعى ككل، فشعر المصري أنه ضعيف بذاته وقوي بالمجموع، شعر أنه كان منغلقا حول مشكلاته الشخصية أكثر من اللازم وأنه عندما نظر بانفتاحية إلى مشكلات المجموع وتعاون معهم على حلها، وتوحدت الجهود تجاه هدف موحد تضاءلت في نظره همومه الشخصية أمام هموم الوطن، شعر أنه ليس وحده الذي يعانى بل الكل يعانى بشكل ما ولن تعالج هذه المعاناة بجهود فردية.

وتستطرد راجح قائلة: لقد شاهدت علاقات اضطربت منذ سنوات طويلة كانت الثورة سببا لإعادتها وتنميتها وتوثيقها، فقد شعر الجميع بضآلة مثل هذه المشكلات أمام هموم الوطن.. شعروا بانتمائهم لهذا المجتمع وبتوحدهم حول أهداف أمتهم بقدرتهم على التفاهم والتعاون والتناصر رغم الاختلافات. كان هناك هم واحد وعقل واحد وروح واحدة شعر بها المصريون في ميدان التحرير وأرادوا أن يسقطوها على كل مجالات حياتهم.

أهم الاخبار