سر اختفاء أطفال الشوارع من المشهد السياسي؟

مع الناس

الثلاثاء, 05 يونيو 2012 11:30
سر اختفاء أطفال الشوارع من المشهد السياسي؟
تقرير : عادل عبد الرحيم

شهدت مصر العديد من الأحداث الخطيرة خلال الشهور الثلاثة الماضية، بداية من أحداث العباسية وما عرف بمجزرة وزارة الدفاع، ومرورا بمعركة الانتخابات الرئاسية  ونهاية بشرارة الثورة التي اندلعت بعد صدور أحكام القضاء بحق الرئيس "المخلوع" حسني مبارك ونجليه ووزير داخليته ، وجنرالاته الستة ، وكما يقال قامت القيامة لكنها كانت ينقصها طرف هام ألا وهم كتيبة "أطفال الشوارع"..

الذين كان وجودهم يعبر عن حجم المأساة التي تعيشها مصر وهذا الاختفاء حتما ولا بد له من سبب، بوابة الوفد حاولت إيجاد إجابة عن هذا السؤال.

دورهم انتهى

احمد عبد الله، شاب عاطل في ميدان التحرير، سألناه عن رأيه في سر اختفاء أطفال الشوارع، فقال: يبدو أن دورهم انتهى، فعلى ما يبدو كانت هناك مافيا تقوم بتجنيدهم للقيام بعمليات تخريبية، ومع ما شهدناه من ضرب مصادر التمويل الأجنبي أصبح هؤلاء الأطفال "كارت محروق" يضر اللعب به أكثر مما يفيد.

أما يوسف إبراهيم، موظف، فيقول يمكن هداهم الله إلى سبيل الرشاد، وربما وهذا الأرجح أن عصا الأمن الغليظة هي التي تولت هدايتهم على طريقتها الخاصة، فمنذ 3 شهور بالتمام والكمال ونحن لا نسمع "حس ولا خبر" عن هؤلاء المشردين الذين كانت أخبارهم ملء السمع والبصر خلال أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء.

راوية الخياط، ربة منزل اصطحبت أولادها إلى ميدان الثورة، وبمجرد ما سألناها عن أطفال الشوارع وجدناها تحتضن أبناءها بقلق شديد وتدعو بأعلى صوتها يارب ما يكون حد خلص عليهم، بصحيح احنا مابقيناش نشوفهم يارب ما يكونوا سجنوهم ولا طردوهم من البلد".

لكن الصحفي الشاب احمد بكري ،المكلف بتغطية أحداث التحرير لأحد المواقع الإليكترونية، فكان له رأي آخر حيث يرى أنه على ما يبدو فإن هذه الشريحة من أطفال الشوارع ربما كفرت بالثورة والتظاهرات خصوصاً بعد أن ساءت أحوالهم بدرجة كبيرة في الأيام الأخيرة على عكس ما كانوا ينتظرون أو يوعدون، لذلك وجدوا عمليات التظاهر هذه غير مربحة بالنسبة لهم، وربما خوفا من سيناريو "القادم الأسوأ" لذلك نعتقد وهو الأرجح أنهم قرروا أن يتحولوا إلى مقاعد غير متحركة وينضموا لحزب الكنبة.

قنبلة موقوتة

يرى بعض علماء الاجتماع أن تزايد شريحة أولاد الشوارع خطر داهم على أي مجتمع خصوصا أنهم يعانون اضطهاده ونفوره منهم مما يجعلهم قوة مدمرة ناقمة على المجتمع، فتراهم راغبين في تدمير كل ما تقع أيديهم عليه،

كما أن معظم أطفال الشوارع ينتمون لطوابير المدمنين وهذا يؤدي إلى مخاطر كثيرة جدًا، هذا بالإضافة إلى معاناتهم من الأمراض الجسدية، وعدم وجود أية رعاية صحية لهم من قِبل أية جهة من جهات الدولة.

ويلعب الفقر دورا خطيرا في تزايد ظاهرة أطفال الشوارع فربما هو أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الظاهرة واستفحالها بهذا الشكل، حيث أنه يدفع الآباء لإلقاء أولادهم إلى الشارع والبداية تكون في تشغيلهم في بيع بعض السلع البسيطة على أرصفة الشوارع مثل مناديل الورق أو حتى حلوى الأطفال كما يدفعونهم أيضا للتسول، وهذا يؤدي بهؤلاء الأطفال إلى وجودهم بمفردهم لساعات طويلة في الشوارع، مما يعرضهم للعديد من المخاطر من قِبل أُناس معدومي الضمير، سواء كانت هذه المخاطر الاغتصاب، أو الاستغلال الجنسي لهم، أو استغلالهم في الإتجار بالمخدرات، أو التسول لحساب أحد .

أما المشاكل الأسرية كالعنف بين الزوجين والتي لا يخلو بيت منها الآن تكون بمثابة الدافع والحافز الذي يدفع الأطفال إلي الهروب من البيت واللجوء إلي الشارع، بالإضافة إلي أن معظم هذه المشاكل تنتهي بالطلاق الذي ارتفعت نسبته في مصر إلي 45% أو الانفصال بين الزوجين وبالتالي ضياع الأطفال.

ومن هنا تتحول براءة الأطفال هذه إلى قوة تدميرية لا أحد يعرف أين ستنفجر المرة القادمة خصوصا وأن كلفة استقطابهم من أي جهة معادية لا تتكلف سوى 50 جنيها، هي في نظرهم ثمن بيع انسانيتهم بل ووطنهم خصوصا وأنهم إفراز طبيعي للجهل والفقر والتهميش والبطالة الذى رسب داخلهم عدم الانتماء لهذا البلد ، ومن ثم يسهل توجيههم للقيام بأعمال غير مشروعة لعدم وجود انتماء لديهم تجاه الوطن فبداخلهم حقد تجاه المجتمع وتجاه الناس، وهم معذورون بسبب نشأتهم والظروف الصعبه التى عاشوا فيها وخرجوا بسببها للشارع ونظرة الناس لهم ، والخطر الأكبر هو سهولة تحريك أولاد الشوارع واستخدامهم بسهولة فى توقيت معين.. وهو ما يحدث الآن لأن هؤلاء الصبية كما أسلفنا من السهل جدا استقطابهم .

الثورة فرصة ذهبية

وتشير بعض الدراسات إلى أن أولاد الشوارع وجدوا في اندلاع ثورة 25 يناير فرصة ذهبية ليطفوا على السطح في أمان ، فهذه هي المرة الوحيدة التي شعروا فيها بقوتهم ودورهم فالمتتبع لهم منذ الثورة سيجد أن لهم خيمة ثابتة لم تتزحزح بميدان التحرير منذ 25 يناير ، وهم لا يخفون سعادتهم الغامرة بالثورة ووجودهم بين الثوار حيث لايسألهم أحد عن أصلهم ولا يصفهم بأولاد الشوارع.

ومن أقوالهم "نشعر الآن بالآمان ، فقد حصلنا على مصر التى نحبها ونتمنى أن تكون مصر كلها ميدان التحرير"، والغريب أنه لم يرتكب واحد منهم حالة سرقة واحدة وبسؤالهم عن تفسير هذا أجابوا: لماذا نسرق ونحن نجد الطعام مع الثوار وكنا نتعاطى المخدرات لكى ننسى آلامنا والآن لا نعانى من آلام بل نحن سعداء لأننا نعامل هنا باحترام.

وقد ساهمت ثورة يناير فى زيادة عددهم فى المجتمع وفى تناقض سلوكياتهم وفى تغير الخصائص المكانية أى الأماكن التى يتركزون فيها، زاد عددهم لتسريحهم من الجمعيات لعدم توافر الإمكانيات للجمعيات الأهلية وهم يتواجدون بعد الثورة فى الأماكن القريبه من ميدان التحرير وبعضهم له سلوكيات ايجابية والبعض الآخر سلوكياتهم سلبية.

فيما ترى وجهات نظر أخرى أنه من الصعب المساواة بين البلطجية وأولاد الشوارع، فالبلطجية صنعهم النظام السابق ويستخدمهم بعد تدريبهم وتأهيلهم وهم يعرفون ماذا يفعلون، لكن أولاد الشوارع مغيبون وعندما يتم تأجيرهم للتخريب بمقابل يقومون بهذه الأعمال وهم يتصورون أنها من قبيل البطولة وهم معذرون فهم ضحية لمجتمع اعتاد على النظرة الطبقية العنصرية لأفراده، وبالتالى ترسب لدى هؤلاء الأولاد عقد نفسية متوارثه عبر سنوات طويلة، ولكى نعالج لابد أن نعيد النظر فى هذه النظرة الطبقية الدونية تجاه هذه الفئة، حتى نبدأ فى رعايتهم وعدم تجاهلهم وتهميشهم ويتواكب هذا مع تطوير فى التعليم لتحرير العقل المصري .

والواقع أن قضية أولاد الشوارع يجب أن تفرض نفسها من باب واحد ألا وهو أن يضع كل منا نفسه وأبناءه في هذا الوضع ، فمن الطبيعي أنه لن يمر على هذه الكارثة مرور الكرام بل سيحاول إنقاذهم بكل ما أوتي من قوة!! ويبقى السؤال الحائر الموجه لكل مسئول في مصر كيف ننقذ ما تبقى من هؤلاء البشر ونعيدهم  ونحن نعيش حالة شيزوفرينيا.. نسمع كلاما جميلا معسولا ونري واقعا بشعا ومرا نعجز عن التعامل معه؟!

فأين دور المجلس القومي للأمومة والطفولة الذي وضع منذ أكثر من ثلاث سنوات استراتيجية حماية وتأهيل الأطفال بلا مأوي، وكانت إحدي توصياته إنشاء صندوق يشارك فيه رجال الأعمال والصناعة المصريون ويقام له جهاز وظيفي ليتولي ايجاد حلول جذرية لمشكلة أطفال الشوارع، وحتي الآن لم يتم تشكيل هذا الصندوق.. فهل هناك قضية الآن أخطر من أطفال الشوارع التي عقد من أجلها عشرات المؤتمرات بالفنادق الفاخرة التي يقف وينام حول الشوارع المؤدية لها آلاف من أطفال الشوارع ينتظرون أن يخرج أعضاء المجلس من الفنادق ليقدموا الحلول الجذرية لهذه المشكلة المزمنة.. نعتقد الإجابة بالطبع لا
 

أهم الاخبار