الممتنعون عن التصويت: مصالحنا أهم

مع الناس

الجمعة, 25 مايو 2012 09:00
الممتنعون عن التصويت: مصالحنا أهم
كتبت: ليلى حلاوة

لماذا كانت المشاركة في انتخابات الرئاسة ضعيفة بهذا الشكل.. كلما ذهبت إلى أحد اللجان تتساءل بينك وبين نفسك أين الناس؟ لقد توقعت بعد كل هذا الحشد الإعلامي أن تقف ساعات أمام اللجنة لتتمكن من التصويت.. ولكنك ذهبت فلم تجد أحدا..

فلماذا امتنع البعض عن التصويت في أول انتخابات حقيقية للرئاسة تشهدها البلاد.. هل هو الإحباط واليأس من تغيير حقيقي بعد دخول الفلول لسباق الرئاسة، أو عدم حسم أمرهم فيما يتعلق باختيار شخص بعينه لانتخابه، أم هو  انشغال الكثيرين بلقمة العيش وعدم وجود رفاهية الوقت من وجهة نظرهم ليمارسوا حقهم في الاختيار...

العمر راح

تقول الحاجة أمينة 70 عاما السيدة البسيطة التي تحاول كسب رزقها ورزق أحفادها الخمسة بعد موت ابنها الوحيد: لم أذهب إلى الانتخابات لأنه ليس لدي بطاقة رقم قومي، فقد ضاعت منذ زمن ولم أفكر في إعادة استخراجها لأنه لم يبق في العمر مثل الذي راح..

وعن أهمية دورها في الانتخاب ردت قائلة: يابنتي سيبيها على الله.. "الـلي عنده رغيف وبله بات عنده الهنا كله".. واللي يسيب الأمور بتاعة البلد على الله مش هايندم."

أما الحاج علي، 55 عاما، فيبرر عدم ذهابه للانتخاب بانشغاله قائلا: "السياسة لأهل السياسة أما نحن ففقراء وبسطاء وورانا مصالح نقوم بها."

السيدة سناء ،امرأة شابة لديها ابنين وزوج لا يعمل، تقوم بتربية المواشي لتكسب قوتها وقوت أبنائها، تقول: ماتت مواشينا كلها بعد إصابتها بالحمى القلاعية، ولم يسأل فينا أحد.. وعادة لا يسأل المسئولون في فلاحين مصر .. لا أملك سوى الدعاء على المجتمع كله.. إحنا بنزرع ونحصد وتطلع عنينا ونبيع محصولنا بأبخس الأسعار وعندما نقوم بشراء أي شىء آخر نجد الأسعار نار.. وبعد كل ده عايزاني انتخب ؟! من يأتي يأتي ومن يذهب يذهب.. فلا حاجة بنا لأحد.

البقرة أهم

أما والدة سناء فتقول أنها تجلس مع بقرتها المريضة بالحمى القلاعية كي تداويها، فهي تحتاج إلى كثير من المتابعة والعناية حتى تخف، لأنها هي الشىء الوحيد الذي ستبيعه كي تجهز به ابنتها الصغرى التي ستتزوج في شهر يوليو القادم.. وتقول أيضا أنها لم تذهب إلى الانتخابات لأنها لم تتعود على الذهاب لترشح أحدا وأنها لا تريد أن يضحك عليها أحد.

على الجانب الآخر، وعلى شاطىء الإسكندرية كانت رشا الجامعية تأخذ أبناءها ليشموا هواء البحر النقي.. تقول رشا: حقيقة لم أهتم كثيرا بالعودة في موعد الانتخابات إلى محافظتي بالجيزة لأنتخب الرئيس لأنني مصابة بكثير من الاحباط، فلم أحسم أمرى بعد ولا أعرف من أنتخب، ومن خلال متابعتي لجميع المرشحين لم أجد من يستحق أن أقطع اجازتي وأعود لانتخابه. 

أما شريف وزوجته صافيناز وبالرغم من دراستهم بكلية السياسة والاقتصاد وبالرغم من اقتناعهما بأحد المرشحين الرئاسيين، إلا أنهما وجدا صعوبة في العودة من القاهرة -حيث يقيما منذ أن تزوجا- ليمارسا حقهما في الانتخاب في بلدهما بمحافظة الشرقية، فمن ناحية سيوفرا نفقات السفر ومن ناحية أخرى سيوفرا على ابنتهما الرضيعة عناء السفر في الجو شديد الحرارة.

نبض الشعب بالطول

في تعليقه على هذا الموضوع يقول د.محمد المهدي ،الطبيب النفسي: من الضرورى أن نقيس نبض الشعب المصري بشكل طولي ففي الاستفتاء على الدستور وعقب الثورة مباشرة كان الحضور الشعبي على صناديق الاقتراع في غاية القوة، وفي الانتخابات البرلمانية كان كذلك أما في انتخابات مجلس الشورى بدأ الخفوت الشديد وتكرر الأمر بالنسبة لانتخابات الرئاسة بالرغم من أهميتها.. فلابد من وقفة هنا لمعرفة دلالات ذلك.

فعندما ذهب الناس جميعهم للاستفتاء على الدستور كانت الناس مازالت خارجة من الثورة لديها قدرة على التغيير ولديها تطلع لمستقبل أفضل لذا كان الحضور مكثف. وفي الانتخابات التشريعية الخاصة بمجلس الشعب كان الحضور قوي لأن الناس أرادت أن تذهب لتعطي الإسلاميين صوتها حتى يتقوا الله فيهم. وعندما لم يذهب الناس لانتخبات مجلس الشورى ظن الجميع أن الشعب لم يذهب لأن مصر ليست بحاجة الآن إلى مجلس الشورى، لأنها تمر بظروف استثنائية ومصر في حاجة للأموال التي تصرفها على هذا المجلس وكانت رسالة قوية

من الشعب المصري حينذاك لعدم حاجته إلى مجلس الشورى.

أما عندما يتكرر الأمر في انتخابات الرئاسة وتكون المشاركة ضعيفة على الرغم من التحريض الإعلامي على المشاركة وعرض كل شىء عن المرشحين  ليل نهار وفي كل وقت وعلى جميع القنوات، فقد كان للناس رأي مختلف يجب قراءته بدقة وأمانة...
أول هذه الدلالات الخاصة بقراءة الموقف أن نسبة كبيرة من الناس لم تستطع حسم رأيها في المرشح، وهذا ما كانت تعكسه جميع استطلاعات الرأي فبالرغم من اختلافها في كثير من الأمور إلا أنها اجتمعت في شىء واحد وهو نسبة العزوف الشعبي عن المشاركة في التصويت والانتخاب. إذن فهناك من الشعب المصري ممن لم يجدوا في المرشحين الـ 13 من يعطه ثقته الكاملة ويطمئن إليه.

أخطاء الإسلاميين

النقطة الثانية: أن المصريين ممن أعطوا صوتهم في الانتخابات السابقة للتيار الإسلامي لم يجدوا من هذا التيار سوى الإحباط الذي أصابوهم به بسبب كثرة الأخطاء التي ارتكبوها منذ توليهم السلطة، فلم يجدوا منهم سوى محاولات  الاستحواذ والتكويش على السلطة التشريعية والاستئثار باللجنة التأسيسية ومحاولات اسقاط الحكومة وفشلهم في ذلك، ورجوعهم في الوعد فيما يتعلق بعدم ترشيحهم رئيس.. كل هذه الأخطاء التي وقع فيها حزب الأغلبية وعدم تقديم اعتذار واحد للشعب المصري أصابت الجماهير بالإحباط ، ومن هنا فقد الناس حماسهم للتيار الإسلامي لأنه أصبح متأكدا أنه سيكرر نفس الأخطاء التي وقع فيها من قبل.

وفي نفس الوقت فقد يجد هذا الناخب أن البدائل المتاحة لا ترضيه، فهو لا يحب انتخاب الفلول، وربما لا يستريح لليساريين والليبراليين لأن كلمات مثل الليبرالية واليسارية قد تلقى بظلال سلبية لدى المواطن  المصري لأنه قد يعتقد أنها تتضاد مع توجهه الإسلامي.

لذا فإن الناخب المصري أخذ موقف بعدم الذهاب إلى الانتخابات اعتراضا على كل التيارت التي لم يجد منها سوى المناورات، ولم يجد أحدا من التيارات على اختلافها يحافظ على مصالحه ويدافع عنها، بل كل ما وجده هو اهتمام كل الجميع بمصالحهم الحزبية والفئوية لذا لم يذهب إلى الإنتخابات.

مسألة تعود

النقطة الثالثة تتلخص في أن المصريين لم يتعودوا على أن ينتخبوا الرئيس، فهي تجربة جديدة فربما يجد الشخص صعوبة في أن يختار شخص الرئيس الذي لم يتعود على آلية اختياره.. لذا فهو يترك الأمر كما هو ويتصرف كما اعتاد أن يتصرف دائما بأن يترك الأمر برمته لأصحاب الأمر لأنه يعرف أن صوته لن يفرق كثيرا.

إضافة إلى أنه في الفترة الأخيرة المعروفة بالفترة الانتقالية كان يحكمنا الخوف من ضعف الأمن ومن تردي الاقتصاد.. وكذلك خوف البعض من صعود التيار الإسلامي مثل كثير من الإخوة المسيحيين فهم يخافون في حال فوز أحد المرشحين الإسلاميين أن يتوجه إلى تكوين الدولة الدينية.

ساد أيضا حالة من الخوف من المرشح اليساري، وكذلك من المرشح الفلولي.. والشعور بالخوف الزائد يجعل الشخص يقف حائرا ويحجم عن الحركة وعن الفعل والقرار.
ومعروف أن حالة الخوف التي سادت الفترة الماضية جزء منها مقصود حتى يتم وضع المواطن المصري في حالة من عدم اليقين، وبالتالي فإنه من كثرة خوفه لا يستطيع أن يختار.

البسطاء ورفاهية السياسة

ويكمل: أما البسطاء فهم دائما مهمومون بشيئين الأمن ولقمة العيش، وعندما مارسوا السياسة في البداية كي يهتم السياسيون بهم ولم يفعلوا فقدوا إيمانهم بالسياسة فانصرفوا إلى ضرورات حياتهم.. لأن البسطاء عندهم حس سياسي موجه نحو ضرورات حياتهم، فليست لديهم رفاهية ممارسة السياسة من أجل السياسة ومن أجل السجال السياسي بين التيارات، بل يهتمون بالسياسة التي تؤثر في لقمة عيشه فقط. 

ويجب الإشارة هنا إلى الخطورة التي تكمن في عزوف الناس عن الانتخابات الرئاسية لأنها تعطي فرصة لقوى مضادة للثورة أن تحشد من خلال التنظيم والأموال ناخبيها فتأتي النتائج ضد أهداف الثورة.. وهذا ما يمكن أن يحدث في هذه الانتخابات.. فقد لوحظ مثلا اليوم أن رجال الحزب الوطني ظهروا بكثافة في قرى كثيرة ليحشدوا الناس، ولوحظ وجود رشاوى انتخابية كثيرة، كما شوهد كثير من البسطاء يسألون عن مرشح بعينه وهم لا يعرفون شيئا..

أهم الاخبار