يعيشون عزلة إجبارية في عزب الباشا وأبوزعبل

ضحايا الجذام.. تحت الحصار

مع الناس

الخميس, 17 مايو 2012 19:00
ضحايا الجذام.. تحت الحصار
تحقيق: نادية صبحي

من 51 سنة أهلي جابوني البلد دي.. كانت صوابعي بتقع قدام عيني قالوا «جذام» هربوا أهلي وسابوني كبرت وشعري شاب.. وقلبي كمان.. عيني علي قبر مكتوب عليه اسمي.. اتاري غيري كتير عايشين ومش عايشين.

جلس العجوز محتويا ركبتيه بيدين معقودتين وأرسل نظرة عميقة لبوابة «المستعمرة» وتذكر أيام الطفولة المشوشة وبعضا من ملامح أب وأم لم يظهرا بعد يوم التأكد من إصابته.
وتبقي الحقيقة الوحيدة المؤكدة انه عجوز معزول رغم الشفاء من المرض.. رغم الزواج من زميلته.
يقفون علي مسافة واحدة بين الحياة والموت ويمثلون حالة خاصة جدا بين المرض والشفاء.. يؤكد المختصون أنهم «بشر عاديون ولا خطر من مخالطتهم.. ويؤكد الواقع أنهم يعيشون العزلة بمعناها القبيح.. لا تجدهم في غرف يرقدون علي أسرة بيضاء داخل عنابر طويلة في ممر مظلم».
بل يمشون مسافات ضيقة بين بيوت أكثر ضيقا يتزوجون وينجبون الأطفال.. ويحلمون بحاكم عادل.
ليس الخوف من العدوي هو القفص الحديدي الذي سجن بداخله «مرضي الجذام» وسكان «العزب» وكفور حول مستعمرتهم بل الظلم وانعدام العدالة الاجتماعية التي رفعها الثوار في ميدان التحرير شعار أساسي من أجل عهد جديد.
فالظلم هو الذي أوقع سكان عزبة الصفيح وعزبة شكري وعزبة الأصفر، والباشا والأبيض وغيرها داخل الحزام الجغرافي الذي تمثل مستعمرة الجذام مركزه.
انعدام الرحمة والعدالة والضمير هو الذي جعل هؤلاء المصريين فريسة لأمراض من صنع الإهمال.. وليس الجذام هو الشبح الذي قضي علي حياة هؤلاء وتساقطت أطرافهم أمام أعينهم القطعة تلو الأخري بسببه.. بل من حكموا البلاد لينهبوها أرادوا للضعفاء أن يختفوا من الصورة ولم يجد هؤلاء أمامهم سوي الاحتماء بجدران المصانع التي تصدر لهم السموم لتعجل بقتلهم.. وليست مصانع السيراميك والشبة والأسمدة والكيماويات هي فقط مصدر موتهم البطيء ولكنهم يعانون أيضا من المصارف والمستنقعات التي تخترق بيوتهم، ناهيك عن مساحات شاسعة لمخلفات المستشفي ملقاة علي الطريق دون مراعاة لأي أصول صحية لدفن المخلفات.. الكارثة هنا أن هؤلاء مرضي قالوا لهم «اخرجوا لقد شفيتم» فرفضهم المجتمع.. لم يجدوا عملا ولم يقبلهم الناس حولهم.. فعاشوا في مستعمرة كبيرة خارج حدود مستعمرة الجذام.. يعيشون في عزلة بلا أسوار.. يعتمدون في طعامهم وشرابهم علي تبرعات أهل الخير ويأتون يوميا لأخذ حصتهم من المستعمرة التي احتوتهم مرضي ومعافين بعد أن أضافوا إليهم أسرهم.


في الطريق إلي عزبة الصفيح أو- عبدالمنعم رياض- شاهدنا حالة من الرعب علي وجوه الأطفال والنساء حتي الرجال يتأهبون للدفاع عن النفس وفسر لنا محمود السيد من سكان العزبة ما يحدث.. لقد عاشوا ليلة من الرعب بعد هجوم «العرب» أو البدو الذين يسكنون حول المنطقة.. قال محمود: أطلقوا علينا النيران طوال الليل من الرشاشات سألته لماذا؟
- عاوزين يفرضوا علي كل بيت 10 جنيهات قال علشان نحميكم وإحنا مش عاوزينهم دي اسمها بلطجة.
ولماذا لم تطلبوا الشرطة؟
- ولا شرطة ولا جيش ولا حكومة قادرة عليهم وإحنا بنبات خايفين يهجموا علينا كل ليلة.
حاولت أن أعرف أسباب الخلاف بين «العرب» وأهالي العزبة فسمعت قصصًا عديدة، منها أن أحد شباب العزبة هو الذي تعدي علي العرب في منطقتهم، أما أغلب ما سمعت فيدور حول فرض إتاوات علي مساكن عزبة الصفيح.
والعزبة عبارة عن مجموعة بيوت أو عشش ضيقة تؤوي مرضي الجذام وأسرهم بعد شفائهم والسماح لهم بالعيش خارج المستعمرة التي تقع علي مسافة قريبة من البيوت، وتكاد تكون جزءا من المباني الملاصقة لها، فسكان العزبة يدخلون ويخرجون من المستعمرة بشكل دائم.


وفسرت لنا الحاجة صفية السبب فهم يأتون إلي المستعمرة ليحصلوا علي طعامهم قالت: ماحدش سائل فينا في المستشفي.. هنا بيدونا عيش وأكل ومش مخلينا عاوزين حاجة.
وصفية كانت من نزلاء مستعمرة الجذام

ولا يظهر عليها أي أثر من ذلك وبعد أن خرجت منها تزوجت وأنجبت خمسة أولاد تعيش معهم في حجرة صغيرة في العزبة، ومثلها مبروكة التي وجدناها تقطع طريقها وسط أكوام من البلاستيك القديم والقمامة علي جانبي الطريق تحمل فوق رأسها «شوال عيش مكسر»، واعتقدت أنها تربي الدجاج في الشارع وتطعمه هذا العيش لكنها قالت بابتسامة البؤساء: «ده علشان العيال أصلهم خمسة»، ومبروكة جاءت إلي المستعمرة وهي طفلة تفتحت عيناها علي المرض والحرمان من الأهل وهم علي قيد الحياة، قالت: لا أتذكر شيئا سوي الأدوية وليالي طويلة عشتها بين زملائي المرضي والأطباء والممرضات الذين اعتبرتهم أهلي، كما أصبحت المستعمرة بيتي وسكني وكبرت وشفيت الحمد لله وتزوجت مريضًا زميلي وسكنا في العزبة وأنجبنا.. وفجأة طلقني زوجي وهجرني ولا أعلم طريقه وضاقت الدنيا بي وبأبنائي وليس في يدي صنعة أكسب منها.. لكن الحمد لله عايشة علي خير المستعمرة تعطيني أنا وأبنائي ما يكفيني من طعام لكن لا أعلم عن المستقبل شيئا.. وهل سيعاني أبنائي نفس معاناتي.. هل سيعيشون عزلة فرضها عليهم المرض والفقر.. لا أعلم.


مئات من سكان العزبة محاصرون بالأبخرة المتصاعدة من مصنع الشبة والكيماويات والأسمدة وكلها جوار هيئة الطاقة الذرية، والآلاف في العزب والكفور المجاورة يعيشون حياة بائسة علي ضفاف مصرف طويل يشق الطريق بين عزبة الصفيح وعزبة الباشا وعزبة الأبيض والمصرف شبه مغلق بالقمامة والقاذورات.
في الطريق التقيت عبدالفتاح وهو شاب في العقد الرابع من العمر ولا يستحي أن يقدم نفسه علي أنه «نزيل مستعمرة الجذام وكهربائي في نفس المستعمرة» يقول: أنا متجوز واحدة مريضة من المستشفي وعايشين في عزبة الأبيض.. أنا عايش حياتي عادي ولي أصحاب كويسين وباشتغل وباكسب لكن المشكلة اني عايش زي كتير من أهل العزبة في «الضلمة» مش عاوزين يدخلونا الكهرباء رغم اني خلصت كل الإجراءات، ويضيف بحسرة وألم وإحنا 4 آلاف أسرة، المرض سابنا والظلم مش عاوز يسيبنا!
رئيس عادل
عاوزين رئيس عادل.. إحنا مواطنين ولينا حقوق، هكذا نادي الرجل العجوز بصوت عال كأنه يخطب في ميدان التحرير.. قال عم علي محمد أحمد: جيت مصر من 51 سنة كنت في أسيوط طفل صغير مرضت وأهلي جابوني المستعمرة كبرت فيها ولما خرجت ماقدرتش أروح بلدنا اتجوزت في عزبة الأبيض.. سألت عم أحمد الذي أخفي أطرافا مشوهة من آثار الجذام- عما يحزنه في البلد فقال: اللي زينا مش عايشين ربنا كتب لنا الشفاء لكن الناس مش قابلانا، يعني كان نفسي اشتغل وأكسب لقمتي وأكل ولادي لكن الحمد لله أهل الخير بيساعدونا والناس في المستعمرة مش مخليانا محتاجين حاجة.. ثم فكر الرجل وكأنه حكيم وأطلق كلمات لم أصدق نفسي عند سماعها: البطالة لو استمرت الثورة هتفشل والبلد دي عاوزة راجل جدع والجنزوري راجل محترم.. أنا حضرت عهد عبدالناصر والسادات وفاروق ومبارك ونفسي أشوف في مصر رئيس عادل.
سألته: هل عرفت شيئا عن برامج مرشحي الرئاسة؟


- استغربت لـ عمر سليمان وسمعت أحمد شفيق والعوا وعمرو موسي خبرة وربنا يولي مصر الأصلح.. أهم شيء يقضوا علي البطالة والمجرمين وقطاع الطرق ثم استشهد بواقعة الهجوم علي المنطقة من العرب وقال:

«عاوزين يرجعونا لزمن الإتاوات ومستغلين ان ماحدش عارف حاجة عننا وكأننا خارج مصر وليس في قلبها».
عمري ألف عام
أنا شاب لكن عمري ولا ألف عام.. كلمات صلاح جاهين قفزت أمام عيني وأنا أتفحص ملامح أحمد إمام تلميذ نهائي الإعدادية في عزبة شكري، وهو أيضا من ضحايا الجذام لكنه لا يحب أن نتحدث معه عن هذا الموضوع وقال ده زي دور الانفلونزا وخفينا منه وأنا أروح المدرسة وأتعلم ومن حقي أحلم أبقي مهندس، لكن بصراحة كلما نظرت حولي وجدت الحلم مستحيلا.. لكن الثورة منحتني الأمل، لكن «البيئة» التي نعيش فيها خطيرة جدا وملوثات المصانع أصابت الأطفال والشباب بالتحجر الرئوي وكل أمراض الجهاز التنفسي والرشاح مفتوح زي الوحش كل يوم عيل يقع فيه.. وأكوام القمامة في كل مكان «زي ما أنتو شايفين»، والذباب أكثر من البني آدمين والأكثر من ذلك إن مافيش مسئول خطي عتبة أي عزبة هنا.
مسئولية اجتماعية
الأهالي في هذه المنطقة يعتبرون مستعمرة الجذام «بيت العيلة» ولذلك تجد سكان عزبة الصفيح والأبيض والباشا وغيرها.. داخلين خارجين من بوابة المستعمرة يحملون طعامهم.. ووجدت في هذا المشهد سرا كشف عنه الدكتور أحمد رشاد مدير المستعمرة فهذا الكيان أكبر من مجرد مكان للعلاج فهو مؤسسة اجتماعية تحمل علي عاتقها مسئولية مساعدة المرضي وأسرهم من ناحية الرعاية الصحية والاجتماعية، فإذا كان عدد المرضي المسجلين داخل المستعمرة 700 مريض فهناك مئات غيرهم من سكان العزب المجاورة لهم حق الغذاء والرعاية لهم ولأسرهم.


سألت الدكتور رشاد: وهل ميزانية المستشفي تكفي كل ذلك؟
- هناك جزء كبير يقوم علي تبرعات أهل الخير التي ساعدتنا في إنشاء مدرستين ابتدائية وإعدادية لخدمة أبناء المنطقة.
هل اسم المستعمرة من العوامل الضارة نفسياً بالمرضي؟
- لا.. وتغيير اسم المستعمرة سيضر بالمرضي.
كيف؟
- المستعمرة تعتبر مأوي لمرضي الجذام وإذا كانت مجرد مستشفي، فالمريض سيخرج بمجرد شفائه ولن يعود وهم لا يستطيعون الاستغناء عن المستعمرة كمؤسسة رعاية اجتماعية وصحية.
هل الخوف من العدوي يمنع «الخير» عن المرضي؟
- للأسف هناك جهل شديد في هذا الموضوع فلا خوف من أي عدوي طالما أن المريض تناول العلاج، وبعد عشرة أيام من تناوله الدواء لا يصبح المرض معدياً.. والحديث بدون علم في هذا الموضوع يجعل الناس تخاف من مساعدة هؤلاء المرضي المساكين ويفرض عليهم عزلة إجبارية حتي بعد شفائهم.
علي بعد خطوات من مستعمرة الجذام.. استوقفنا محمد «عامل في مصنع الصبغة» قال يا جماعة الناس دول غلابة.. اكتبوا عن «البلاوي» بتاعة مصنع الصبغة والكيماويات اللي سببت للناس تليف كبد.. وأشار إلي سماء المكان قائلا شايفين الدخان الأبيض دي كلها سموم بتدخل صدرنا «العيال هنا كلها عيانة».
والأتربة والأبخرة المتصاعدة في مصنع الأسمدة والشبة والسيراميك.. المنطقة كأنها مافيهاش بشر.. ثم أشار الشاب إلي الطريق الخلفي لمستعمرة الجذام ونصحنا بالتوجه إليه وهناك قطعنا مسافة طويلة بين أكوام من مخلفات المستعمرة مكشوفة تتصاعد منها الأرض بفعل الاشتعال الذاتي وحولها أكوام من القمامة ومساحات هائلة علي الجهة المقابلة مغطاة بالنباتات الصحراوية كأنها تعلم السكان الصبر علي ما ابتلاهم.
وعلي بعد خطوات مقابر مرضي الجذام وكأن الأهالي هنا يعيشون في عزلة لا تختلف كثيرا عن مشاهد القبور المتراصة، ورغم أنها لا تخص مرضي الجذام وحدهم حرص البعض علي كتابة عبارة «هنا مدفون فلان مريض الجذام»، الصمت مازال يخيم علي المكان في مكان يدفن البشر بما قد كانوا به يحلمون.. والمشهد لا يختلف في تفاصيل كثيرة عما شاهدناه في بيوت مبنية بالطين في عزبة الباشا.
راضيين
أصوات الأطفال تأتي علي فترات متباعدة كأنما أنهكها الجوع لا اللعب.. محمود وليلي وعيد جميعهم متكومون حول الجدة العجوز في «كوخ طيني» والجدة مشغولة بالبحث عن «لقمة سليمة وسط كومة من العيش العفن» لكنها تبادرني بقولها «الحمد لله راضيين».
ورغم عدم وجود تليفزيون أو أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي إلا أن الجدة لديها معلومات جيدة عن الثورة.. ومبارك «الله يجازيه» و«الرئيس الجاي» ربنا يجعله عادلا وعنده ضمير.. ويحس باللي زينا.
مين بيصرف عليكم؟
- ابنتي أرملة أم العيال دي بتشتغل في البلاستيك وتجيبلنا بالليل شوية عيش وفول والله يا ابني هي اللقمة نقعد عليها لتاني يوم، والعيال تصرخ «جاعنين يا ستي» وأنا مافيش في إيدي حاجة.. حتي المياه بنشتريها الجركن بـ 50 قرش.
تركت مرضي الجذام وجيرانهم وأصبح لدي يقين بأن ملايين علي أرض هذا الوطن كتب عليهم الصبر علي البلاء، لكن أصبح من حق المصريين أن ينسجوا ثوب الأحلام حتي علي ساكني العزب والكفور علي أطراف العاصمة.. منسيون لكن الحلم باق.. رغم صراخ المعذبين الذين ذاقوا مرارة ظلم نظام مبارك الفاسد.

أهم الاخبار