فرصة عمل ورغيف عيش.. حلم المواطن الصعيدي

مع الناس

الخميس, 17 مايو 2012 11:00
فرصة عمل ورغيف عيش.. حلم المواطن الصعيدي
تحقيق - نادي مطاوع

تنمية الصعيد واحدة من أهم التحديات التي تواجه رئيس الجمهورية القادم، 8 محافظات كاملة - اذا تم استثناء الجيزة التي تعد جزءا من العاصمة -تشغل هذه المحافظات الثمانية ما يقرب من نصف المساحة

المأهولة بالسكان في مصر، ويعيش فيها حوالي 36.5٪ من سكان مصر، أي 31 مليون نسمة تقريباً نصيب هذه المحافظات من التنمية يكاد لا يذكر طوال الأعوام الماضية، لذلك أصبح الصعيد يضم أعلى نسبة فقر في مصر، وأعلى نسبة أمية، وتنتشر الأمراض الفتاكة بين سكانه، ونتيجة لكل هذا هجره عدد كبير من رجاله الى القاهرة والوجه البحري بحثاً عن فرصة عمل لتوفير الطعام والحياة الكريمة لأسرهم.
واليوم ونحن على أعتاب أول انتخابات رئاسية حقيقية في مصر، راح الحلم يراود مخيلة سكان الصعيد، هل سيكون لهم نصيب من التنمية؟ وهل سيكونون ضمن أولويات الرئيس القادم.
«الصعيد المنسي» هذا هو أدق وصف لمحافظات صعيد مصر، 8 محافظات كاملة يسكنها ما يقرب من 31 مليون نسمة نسيهم النظام السابق طوال 30 عاماً، وقبله لم تتذكرهم الحكومات السابقة، فالبعيد عن عين الحكومة، بعيد عن قلبها أيضاً، لذلك عاني هؤلاء الفقر والمرض وانعدام الخدمات حتى ذكرت التقارير أن نسبة الفقر في محافظات الصعيد تصل الى 68٪ من بين سكانه، يعيشون في أوضاع لا انسانية، فلا خدمات ولا مرافق، ولا مستشفيات للعلاج، يطحنهم الفقر والأمراض المستعصية، فوفقاً لتقارير التنمية البشرية تحتل محافظات الصعيد ذيل القائمة حيث تأتي هذه المحافظات بالترتيب من الأسوأ للأحسن: المنيا، أسيوط، سوهاج، بني سويف، الفيوم، قنا، أسوان، والأقصر.
وإذا كان هذا الترتيب قد يختلف الآن بعد الثورة نتيجة للأزمة الطاحنة التي تعيشها محافظتا الأقصر وأسوان نتيجة لانهيار السياحة بعد الثورة إلا أن المؤشرات كلها  تؤكد زيادة معدلات الفقر في محافظات الصعيد كلها بشكل عام.
بل إن محافظة أسيوط هي الأفقر على مستوى مصر كلها وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، وتوجد أفقر قرية في مصر على الاطلاق في محافظة سوهاج، وتكشف الأرقام الواقع المر للحياة في صعيد مصر، ففي حين تبلغ نسبة الفقر 68٪ معظمهم يعيش في فقر مدقع، تبلغ نسبة الأمية به 47.4٪ في حين تقدر هذه النسبة بـ 38.6٪ في الوجه البحري.
وتعاني محافظات الصعيد من انعدام الخدمات الصحية حيث يقدر عدد الأسرة لكل 10 آلاف مواطن بـ 14 سريراً فقط، وترتفع نسبة معدلات الوفاة بين الأطفال حديثي الولادة الى 48.5 لكل ألف مولود، بينما تقدر هذه النسبة بـ 27.9 في الوجه البحري، بالاضافة لانتشار أمراض الأنيميا وسوء التغذية بصورة أكبر بين الأطفال، وتكشف تقارير معهد التخطيط القومي سوء حالة سكان الصعيد الذين يعانون نقصاً في كل شىء من مدارس وخدمات ومرافق،وهو ما أدى لانتشار الفقر والأمراض وهجرة الرجال

للقاهرة تاركين وراءهم أسراً تعاني الفقر الشديد، وهو ما أدى بدوره الى زيادة تسرب الأطفال من التعليم للالتحاق بالعمل في الزراعة أو المهن الهامشية للانفاق على أسرهم بعد غياب الأب، أو لمساعدته في الإنفاق على الأسرة.
وتنتشر البطالة بين سكان الصعيد بشكل عام نتيجة لانعدام فرص العمل، ونقص مشروعات التنمية، رغم الحديث الكثير منذ الثمانينيات عن ضرورة تنمية الصعيد خاصة بعد انتشار أحداث الارهاب في الصعيد.
هذه كانت نظرة عامة على أحوال أهلنا في صعيد مصر، فقر مدقع، أمراض فتاكة، أمية، بطالة، تخلف، حياة غير آدمية يعيشها مايزيد على ثلث سكان مصر، واليوم ومع جولات المرشحين لانتخابات الرئاسة، وأحاديثهم عن الاهتمام بالصعيد وتنميته أصبح هؤلاء المظاليم يحلمون بغد أفضل، يحلمون برئيس جديد يوفر لهم حياة كريمة، فرصة عمل، ورغيف عيش بدون ذل أو اهانة، مدرسة يتعلم فيها أبناؤهم، ومستشفى أو وحدة صحية يعالج فيها مريضهم، مسكن جيد التهوية تدخله الشمس بعيداً عن العشوائيات والعشش التي تعد النموذج الأكثر انتشاراً في معظم قري الصعيد.
ورغم أن تنمية الصعيد جاءت مجرد جملة عابرة في معظم برامج المرشحين للرئاسة، الا أن الحلم مازال يراود مخيلة سكان الصعيد في غد أفضل، خاصة أن معظم البرامج تضمنت عبارة رفع مستوى الصعيد، وتنمية بحيرة ناصر، والاهتمام بالصناعة والزراعة، وزيادة تقديم الدعم لمحافظات الصعيد لرفع المعاناة عن سكانه.
ورغم أنها مجرد خطوط عريضة، الا أنها يجب أن تخرج الى حيز التنفيذ من خلال مشروعات وبرامج حقيقية يشعر بها المواطنون واهمال الصعيد وتهميشه طوال السنوات الماضية كان له أثر خطير يكشفه الدكتور فتحي مصيلحي خبير التنمية الاقليمية بمركز التخطيط القومي مشيراً الى أن هذا الاهمال والتهميش أدى الى ظهور دعوات بانفصال الصعيد كله أو اجزاء منه عن مصر، نتيجة لعدم ارتباط السكان، وفقدهم لمعنى الوطن الذي لا يقدم لهم شيئا، وبالتالي أصبحت تنمية محافظات الصعيد فرضاً واجباً على الرئيس القادم، يجب أن يبدأ به مرحلة حكمه الجديد، فسكان الصعيد لابد أن يشعروا بأن النظام تغير بالفعل، وأنهم أصبحوا على رأس اهتمامات الحكومة والرئيس، وأنهم ليسوا مجرد كتلة تصويتية يسعى المرشحون لاجتذابها بالوعود البراقة التي تنتهي بعد الانتخابات ويطالب بضرورة ان تشمل التنمية مفهوم «العدالة المكانية» بحيث تقام المشروعات في محافظات الصعيد نفسه للاحتفاظ بالسكان في أماكنهم، ويختفي لديهم الإحساس بالفجوة بينهم  وبين العاصمة
المركزية.
ويضرب مصيلحي مثلاً بتهميش الجنوب بما حدث في السودان، حيث أن انفصال جنوب السودان جاء نتيجة تهميشه واهماله لسنوات طويلة، وهو ما حدث من قبل في اليمن، لذلك يجب أن ننتبه قبل أن يتكرر هذا السيناريو في مصر، وهذا الاهمال والتهميش لن ينتهي إلا بإقامة مشروعات التنمية التي تقلل من الفجوات بين الأقاليم المختلفة.
وكان مؤتمر «مصر 2050» الذي عقد مؤخراً بالمعهد القومي للتخطيط قد كشف أن التهميش يؤدي الى خلق «مناطق حمراء» قابلة للانفجار في أي وقت، وبما أن الصعيد يعد نموذجاً لهذه المناطق لذلك لابد أن يبدأ العمل في تنميته فوراً.
ويرى الدكتور فتحي مصيلحي أن هذه التنمية يجب أن تتم على أكتاف أبناء الصعيد، وإذا كانت الدراسات تشير الى أن الدلتا لم تعد تصلح لإقامة أي مشروعات تنموية جديدة، لذلك يجب الاتجاه للصعيد خاصة محافظات وسط وجنوب الصعيد، والاهتمام بالظهير الصحراوي لمحافظاته، وإقامة المشروعات فيها، مع اقامة مشروعات سكنية لتوفير شقق سكنية للعاملين في هذه المشروعات والذين يجب أن يكونوا من أبناء الصعيد.
وأضاف: بالصعيد موارد معدنية في الصحراء الشرقية، وتحجيرية في الصحراء الغربية، لذلك يمكن استغلالها في اقامة مدن صناعية سكنية متكاملة على جانبي المحافظات التقليدية في صعيد مصر، بشرط أن تخصص هذه المشروعات للصناعات الوسطية، التي تدخل في العديد من الصناعات التكميلية الأخرى، وانشاء ما يمكن تسميته «مستعمرات صناعية» لضمان توفير أكبر عدد ممكن من فرص العمل لأبناء الصعيد.
وأشار الى أن الزراعة تعد هي المهنة التقليدية لأبناء الصعيد، ولكنها مهنة غير مربحة ونتيجة لمشكلة نقص المياه أصبحت تمثل عبئا على الاقتصاد المصري، لذلك لابد من تطويرها واستحداث أساليب جديدة للري مثل الري بالتنقيط والرش، والتي توفر كميات كبيرة من المياه تصل لحوالي 80٪ من المياه المستخدمة في الزراعة، وبالتالي يمكن التوسع في استصلاح المزيد من الأراضي الزراعية، وبالتالي توفير آلاف من فرص العمل لأبناء الصعيد في مهنتهم التقليدية الاولى، مع التوسع في مشروعات الصوب الزراعية التي تمنع بخر المياه.
وتلتقط الدكتورة علا سليمان الحكيم - أستاذة الاقتصاد الاقليمي، مدير معهد التخطيط القومي سابقاً - أطراف الحديث مشيرة الى أن العدالة الاجتماعية كانت شعار الثورة، وتحقيق العدالة يتطلب تنمية كل مكان في مصر، وبالتالي فلا يجوز أن تكون المشروعات مركزة في المحافظات الرئيسية والوجه البحري والعاصمة، بينما يعاني الصعيد الإهمال الشديد، وأضافت: في الماضي كانت خطط الحكومة تركز على العائد السريع، وبالتالي اهتموا بمشروعات المدن الجديدة والقاهرة، وتركوا الصعيد، وبالتالي أصبح منطقة طاردة للسكان، واليوم لابد من بداية حقيقية لتنمية الصعيد من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية لذلك لابد من توزيع الاستثمارات توزيعاً عادلاً، مع ضرورة دراسة أحوال كل محافظات الصعيد ومشاكل سكانه، كل محافظة على حدة والعمل على اعداد برامج التنمية وفقاً لخطة أولويات، واضافت: هناك عشرات الدراسات تم اجراؤها على محافظات الصعيد، فمشاكلهم معروفة وحلولها ايضاً موجودة، ويمكن للرئيس القادم الاستعانة بهذه الدراسات لمعرفة الاحتياجات الفعلية لكل محافظة، والبدء في حل المشكلات وطالبت الدكتورة علا بضرورة مشاركة منظمات المجتمع المدني مع الحكومة في تنمية الصعيد، واقامة المشروعات المختلفة به للقضاء على مشاكله خاصة البطالة التي تنعكس على مستوى المعيشة، وأضافت أن برامج التنمية يجب أن تكون شاملة بحيث تتضمن توفير فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة، وتوفير رعاية صحية وتعليمية واجتماعية، أي أن تكون برامج متكاملة وهذه تتطلب تضافر جهود الحكومة والمنظمات الأهلية معاً.

أهم الاخبار