«ضل ست».. ولا ألف راجل!

مع الناس

الخميس, 03 مايو 2012 13:00
«ضل ست».. ولا ألف راجل!
نادية صبحي

قاربت شمس المغيب علي الرحيل.. ألقت عليها نظرة وداع أسندت رأسها إلي حائط خشن.. وقد وضعت يدها خلف ظهرها تخفي ألما داهمها اعتدلت فجأة أيضا.. كأنما تتحدي لحظة ضعف..

مسحت بيد قوية عينيها تخفي آثار الدموع.. قالت لنفسها.. هانت.. بكرة العيال تكبر.. هيعوضوني علي اللي راح.. الشباب والصحة والعمر هيريحوني من الشقا والعذاب والمر.. وإن ماحسوش باللي عملته.. مش مهم.. عوضي علي الله.
فادية.. نادية.. صفية.. روايح.. أم النصر، مجرد نساء يعشن حالات مفعمة بالرجولة والشهامة.. لسن مجرد «قوارير» سهلة الكسر لكن مصريات «بجد» ينسجن من قصص غدر الرجال أجمل لوحة للكفاح والشقاء الممزوج بطعم العزيمة والإصرار.

أعدادهن تتزايد باستمرار وتنمو وتعجز الإحصاءات عن حصرها فهن أكثر من خمسة ملايين امرأة.. أحوالهن أكثر سوءا مما تصفه الأقلام أو تصوره الأفلام.. هن لسن بالضرورة ضحية قدر كتب علي زوج شاب الموت فجأة.. أو نصيب أقعد رب العائلة عن العمل عجزا أو مرضا.

حكايات النساء المعيلات زاخرة بقصص الهجر والطلاق والغدر و«الندالة» أحيانا.. وفي كل الأحوال تجد أمامك ست «جدعة» تغلق الباب علي أنوثة تفرد جناح الستر والرحمة علي صغار لا حول لهم ولا قوة تفني صحتها في عمل شريف ولقمة حلال.. تخدم في البيوت.. تبيع بضاعة رخيصة علي الأرصفة تسهر علي راحة مريض.. تمسح الأرض في المصانع  والمستشفيات ويصبح ضلها ولا ضل ألف راجل!

يوم من عمرى

كانت السكينة تلف أجواء المكان يقطع الهدوء صوت جهاز التنفس الاصطناعي وآهات المرضي بين حين وآخر وهي تضع رأسها فوق المكتب المجاور لسرير مريض يصارع الموت.. تنظر إليه بلهفة ترجو أن يبقي.. فالحياة حلوة رغم ما تجرعته من مرارة، تبتسم في وجه الجميع كأنها تبعث الأمل في النفوس.. تمنحهم ما حرمها الزمن منه.. «تعتبر فادية» في مهنتها كممرضة.. عوضا عما فقدته في الدنيا.. فالمرضي جميعهم أهلها والزملاء هم «الونس والسند».

تذكرت تفاصيل يوم انقلبت فيه حياتها رأسا علي عقب منذ 14 عاما كانت في نوباتجية ليل قضته في الشقاء لم تغمض لها عين حرصا علي المرضي عادت إلي بيتها آنذاك وهي حامل في الشهر السادس مما ضاعف إحساسها بالتعب لتفاجأ بباب حديدي يسد مدخل شقتها، وعندما سمعها الجيران أخبروها بالكارثة.. لقد تزوج الزوج بأخري واستولي علي الشقة بمحتوياتها ومنعها من الدخول هي ومن تحمله في أحشائها.. قالت فادية إسماعيل وهي تغالب دموعها: عدت إلي المستشفي والحسرة تأكل قلبي علي غدر الرجل الذي كنت أشقي لأساعده، تبددت أحلامي في بيت وزوج وأب لابني يرعاه..

عدت وكأن المستشفي بيتي ساعدتني «الريسة» رضا وهي امرأة عطوفة تتعامل معنا كأسرة واحدة ومكنتني من الإقامة بالمستشفي «ادوني أوضة» أبات فيها وظل هذا الوضع أعمل وأنفق علي نفسي وابني، وكان راتبي وقتها ضعيفا جدا لكنني صممت علي أن أتحدي و«بقي ابني علي إيدي من سرير لـ سرير.. رايحة جايا بيه» وزادني ذلك إخلاصا لعملي بعد أن صار مستشفي المنيرة هو كل حياتي ، منحت عملي صحتي ووفائي وصممت علي أن يكون ابني «من أحسن الناس.. إلي أن جمع أخوتي مبلغا بسيطا واستأجروا لي حجرة في بيت عشت فيه مع ابني».

سألتها :لماذا لم تقاضي زوجك وتحصلين علي حقوقك وابنك منه؟

فأجابت: اتحبس 6 شهور وفضل السجن علي انه يساعدني، ومن وقتها صرفت نظر عن «الجري في المحاكم» ومازلت علي ذمته- لكنني لم أره وهو لم يسع حتي للسؤال عن ابنه وهو في «الإعدادية» الآن ولم يكن معي مصاريف للحصول علي حقوقنا.. وأعمل الآن من أجل ابني فهو سيكون «راجلي» ويعوضني عن سنين العمر.

وردية ليل

يجمع الليل في المستشفي الكبير هموم النساء يحكين قصص العمر اللي راح في الشقا.. في لحظات ينتزعنها من أنياب زمن لم يرحم ضعفهن، وبينما تتذكر فادية تحاول.. وفاء النسيان.. رغم أنها أرملة منذ 8 سنوات فقط، إلا أنها كالعديد من النساء المعيلات يبدأن مشوار الكفاح ويد بيد حتي في حياة الرجل، قالت وعيناها تترقرقان بالدموع: كان موظفا الله يرحمه «علي قده» وكان لازم أساعده علشان نربي العيال، يعني تقدري تقولي «34 سنة كفاح»، من صغري حتي قبل ما أتجوز كنت أعول والدتي لأن والدي كان متوفي وكان أصلا «سايبني وعمري سنة وأول ما وقفت علي رجلي اشتغلت علشان أصرف علي أبنائي ووالدتي.

الحكيمة وفاء- تبدو حكيمة فعلا فهي راضية بنصيبها قانعة بما قسمه الله لها وفي عينيها رضا بالغ التأثير.. حتي انها بكت وهي تتذكر والدتها وتقول: «ياريتها كانت عاشت.. كانت واخدة حسي ومصبراني علي الدنيا وقسوتها».
والله كان مرتبي 18 جنيها.. وكنت عاملة لأمي مصروف 5 جنيهات والـ 13 جنيها ربيت بيهم عيالي، صحيح المرتب كان بيزيد لكن الولاد مصاريفهم كتير، مدارس ودروس وكل حاجة غالية.. لكن ربنا كان بيبارك، وتفخر وفاء ان ابنتها الآن طالبة في الجامعة وابنها سيلحق بها إن شاء الله.

سألتها: هل تتمنين أن تصبح ابنتك امرأة عاملة مثلك؟

فكان ردها: عاملة لكن مش شقيانة وماتشلش اللهم زيي لكن لازم تقف مع جوزها.

أما هدي أو أم أحمد التي مات زوجها منذ عام ونصف العام فقط فقد قررت منذ زمن أن تصبح «ست جدعة» ولم تتخل عن أبو ولادها عندما أصيب بفيروس «سي» وظلت تسانده تعمل ليل نهار لتنفق علي علاجه، وتعلم الولد والبنت وبراتب قليل صبرت معه علي البلاء، تتشابه قصتها كثيرا مع نادية سعودي تلك الممرضة التي تتمتع بحب الناس لسماحة وجهها ورأفتها بمرضي «القدم السكري» وهم فئة خاصة من المرضي تحتاج إلي رعاية قصوي لكنها لم تنهر أحدا وتعمل بكل حب وإخلاص حتي بعدما توفي زوجها وترك لها طفلتين لم تقصر في عملها، فهو مصدر رزقها ورزق ابنتيها. وحكايات شقاء ملائكة الرحمة هي مزيح بين دراما شخصية ألقت بهن في بحر الكفاح.

تحسنت الأحوال كثيرا بعد الثورة كما تؤكد مني وهي أيضا تعول ثلاثة أبناء توفي عنهم والدهم، فالنوباتجية كانت حتي شهور قليلة 90 قرشا أصبحت عشرة جنيهات، والسهرة كانت خمسة جنيهات أصبحت 15 جنيها، إلا أن «الحمل» مازال ثقيلا وأحلامهن في أن يصبح أولادهن في «أعلي المراكز» تصبح وقودا يشعل معركة الكفاح يوما بعد يوم.

ضل حيط

أحيانا يكون «ضل الحيط» أنفع من ضل ألف راجل من نوعية «إسماعيل» زوج صفية التي لم تجد في يديها أي صنعة تعينها علي مصروفات خمسة أولاد، عمر أكبرهم لا يتجاوز 12 عاما.

في الصباح الباكر أراها تقف في طابور طويل أمام كشك العيش «أبوشلن» تتعارك مع البائع بصوت فيه بحة وحزن لأنه لا يعطيها أكثر من جنيه وهي تريد بـ 2 جنيه تعطيهم لأبنائهم يأكلون منه طيلة مدة عملها في إحدي الشقق أو الفيلات بالأحياء الراقية بمدينة 6 أكتوبر تقطع كيلو مترين سيرا علي الأقدام لتوفر أجرة التوك

توك، حيث يعيش الأبناء مع زوج «يدعي العجز ويكتفي بالإقامة طوال النهار بكشك خشب مع الأبناء علي أمل أن يعينه أحد أصحاب الفيلات كخفير لكن أحدا لا يحبه ويعلمون أنه جاء من الفيوم ليشغِّل زوجته المسكينة وأطفاله في البيوت ويرتاح ويكفيه علبة سجائر تلتزم بتوفيرها الزوجة يوميا!

صفية أو أم مني كما تناديها مخدومتها بائسة لا تلمح علي وجهها أي بادرة أمل، تشعر كأنها مكبلة بقيود من حديد.
«أيوة العيال مكتفاني مش عارفة اخلص منه».. غلابة لو سبتهم هيرميهم لازم اشتغل علشان يدوب اللقمة الحاف ولو ما اشتغلتش يضربني علشان «الدخان» ومش مهم أكل العيال.
كثير من سكان حي الأشجار ودريم والفردوس بـ 6 أكتوبر يعرفون صفية ويعطفون عليها لكنها ترفض أن تأخذ «صدقة» وتقول: أنا هربي عيالي بكرامة وبشقايا وعرقي مش بمد الإيد.. وأحيانا أسافر الفيوم أمي تديني شوية طيور وبيض أبيعهم «للمدامات في الفلل» بما يرضي الله.. لكني لا أمد يدي لأحد.

أكثر ما يهدد النساء المعيلات هو المرض لأن الصحة هي رأسمالهن والغلاء لأنه يشعرهن بالعجز وكما تقول فتحية عبداللطيف بائعة حلوي الأطفال- ماحدش بيساعد حد.. ولما سألتها عن الشقا.. ردت بسرعة غير متوقعة: «شاربينه».
كنت باشتغل في المتحف أكنس وأمسح ولما جاتلي جلطة قعدت بشوية حلويات علي الرصيف.. ربيت 3 عيال لما أبوهم سابني..
 

سألتها: مش الحمد لله بيساعدوكي؟

ماحدش بيتمر فيه؟ أنا قاعدة لواحدي وكل واحد فيهم شايف حاله.. بعد 20 سنة ضهري اتقطم عليهم ماحدش قاللي يا أمه انت فين؟!

أم النصر

أنا من الصعيد ورماني الزمن هنا.. جملة قالتها العجوز «أم النصر» التي تبيع حزم جرجير وخس ولا تكف عن إعطاء النصائح للنساء من زبائنها، فتقول لإحداهن «اعملي حساب الزمن واوعي لنفسك ماتعمليش زيي؟!».

سألتها: ليه؟

أجابت: جوزي جابني هنا من سنين طويلة سبت بلدي وأهلي واتغربت وبعدين طفش من 30 سنة وسابلي كوم لحم.. اشتغلت في المصانع والبيوت «اتكفيت علي وشي وضهري اتقطم.. كنت أجوع وأطعمهم.. سابوني زي أبوهم.. البنت هي القاعدة وجوزها مات باصرف عليها هي وعيالها وكل حاجة غالية واللي جاي علي قد اللي رايح.
أم النصر تؤكد يقينا بداخلها لا حكومة بتنفع ولا عيل لو مابعتش بـ 5 جنيهات أنام من غير عشا أنا والبنية والفراخ مابندوقهاش.. يوم في العالي ويوم ما نلاقيهاش لو حبيت اعمل طبخة أشتري ربع كيلو لحمة مستوردة كل اسبوع أو اتنين و«نشم ريحتها».

أما أنعام التي تبدو في السبعين من عمرها فتؤكد أن عمرها لا يتجاوز الـ 45 سنة وهي تتمني أن تجري السنين بها لتتخلص من كآبتها وبؤسها بل لتحصل علي معاش يعينها علي الحياة بعد أن تعبت من العمل قالت: كنت باشتغل في مصنع بـ 45 جنيها في اليوم ومن كام سنة جالي السكر والضغط وسناني اتكسرت عملت شوية طعمية وبقيت أعمل ساندوتشات للتلامذة عند المدرسة.. وبعد كام شهر عملت عملية في ايدي.. ابني استلم «موضوع الساندوتشات» وأنا نفسي في معاش وكنت باشتغل كده لا تأمينات ولا غيره».

القوارير

لا تنس أبدا انها امرأة رغم ما يدعم مشوارها الطويل من مواقف رجولية.. لم تنكسر «روايح» عندما طلقها زوجها منذ 20 سنة ليتزوج بأخري تركت البيت لتخرج إلي حياة جديدة قوامها مبدأ «إن مال عليك الزمن ميل علي دراعك» وزي أحسن راجل اشتغلت بالنهار «عاملة في مستشفي وفي المساء في عيادة طبيب» لتربي أطفالها ويصبحون عونا لها.. عشرون عاما لم يهزمها إلا المرض، حيث أصيبت بالغضروف «من كتر المسح» والدكتور قالي «كده غلط.. وانت مالكيش شغل.. تقاوم روايح دموعها وتقول: ما اقدرتش أقعد ومين يربي العيال أنا هشتغل لحد ما أموت سألت روايح ايه أكثر شيء مضايقك في الدنيا؟

قالت: الغلاء.. كل ما الحاجة تغلي اشتغل اكتر وأكتر وماحدش حاسس بينا.

الهلع نفسه يصيب «حميدة» بائعة السميط والجبنة عندما يرتفع حتي سعر الطماطم.. تقول وهي ترص بضاعتها في عناية عندي ستة عيال لازم ياكلوا ويشربوا وماليش حد في الدنيا غير ربنا انزل م الفجر بالقفص وابيع السميطة بـ 50 قرشا علي شوية جبنة وربنا يكرمني اروح السوق اشتري نصف كيلو رز كسر وكيس صلصة علشان الطماطم غالية واعمل شوية رز يغمس بيه العيال ويشبعوا.. لكن نفسي اعملهم فراخ ولا لحمة تقول حميدة: بكل شقا «مافيش رجالة» إحنا اللي شايلين الهم.. الراجل يشوف العيال يجري يشوف حاله وإحنا الحمد لله نفسنا نعلم ولادنا ونبعدهم عن العذاب ويبقوا في مناصب كويسة ساعتها ننسي كل سنين العمر اللي راحت.

أهم الاخبار