رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اشترى دواك من العطار.. وفانوس من تحت الربع.. واقرأ الفاتحة لطومان باى

عجايب "خلقه" فى باب الخلق

مع الناس

الخميس, 19 أبريل 2012 13:52
عجايب خلقه فى باب الخلقالمتحف الاسلامى
كتبت: نادية صبحى وتصوير: مجدى شوقى

باب الخلق.. روح «مصراوية» وحكايات من لحم ودم «الخلق» تتراقص مثل أفكار عشوائية فوق خيط رفيع يفصل بين الماضى بسحره والحاضر بازدحامه تحاول وأحاول معها التشبث بنقطة انطلاق.

أقاوم سقوطاً - لا إرادى - فى بئر التاريخ. تشدنى رائحة العطارة والبخور فى محال أشبه بعيادات يقصدها فقراء المرضى، أتابع فى دهشة مهارة صنايعية الفوانيس وفنى عشق «الإزاز الملون للصاج اللامع» تحت الربع.
أساطير البسطاء عن طبلية الإعدام التى لا تجف بسبب دعوة شيخ شنقوه ظلماً ودموع صاحبة المقام المدفونة فى سجن الاستئناف!
السجن الذى أعدم فيه قتلة الرئيس الأسبق أنور السادات على بعد خطوات من محكمة جنوب القاهرة التى شهدت محاكمته فى قضية اغتيال أمين عثمان وزير المالية فى عهد الملك فاروق. نفس المحكمة تنظر - إدارياً - قضية قتل المتظاهرين فى موقعة الجمل وتتعلق قلوب الأمهات الثكالى بحكمها على من حرمهم من فلذات أكبادهم فى أحداث ثورة يناير.
ذكريات الأمجاد تشع من داخل المتحف الإسلامى الشاهد على أبهى العصور بجوار مسجد الحينى بفخامته دار المؤيد.. دار الكتب ومقتنيات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
سبيل محمد أغا وجامع الجرشانى.. هنا فى الحارات الضيقة يعيش عم «يحيى» على أمل فتح الكتاتيب المهجورة لتعليم الصغار كما عاش الشاعر محمود سامى البارودى «ابن الحتة» على أمل تحرير مصر من الاستعمار بالسيف والقلم.

باب زويلة


وفى باب الخلق.. يكتم الغلابة أنين الظلم فى بيوت أشبه بشقوق فى صخر أصم.. يحلمون بحقبة جديدة أساسها العدل.. كما كتم السلطان طومان باى آلامه ونطق بالشهادتين قبل أن تترنح جثته على باب زويلة.. لتطوى صفحة حكم المماليك من تاريخ مصر ويبدأ حكم العثمانيين!
كانت الساعة تقترب من الواحدة ظهراً عندما قطعت طريقى إلى الشارع الطويل المزدحم دائماً تربكه السيارات وصوت المارة كل شيء هنا يختلط بعضه البعض لكن الأبنية العريقة على جانبيه تحاول الثبات رغم الضجيج.. قاصدة أنا «باب الخلق» لكن لافتات عديدة فى كل مكان تؤكد أنه ميدان أحمد ماهر الذى يتوسط شارع القلعة «محمد على سابقاً» وأياً كان فأنت هنا فى مفترق عدة أحياء مهمة فى القاهرة.. عابدين، السيدة زينب، الحلمية، الدرب الأحمر، قصبة رضوان، حى الأزهر وما يتفرع منه من أحياء أكثر عراقة وقدماً، وعلى أية حال فأنت فى باب الخلق تطالع أكثر من مكان ذى قيمة وروح مصرية خالصة، المتحف الإسلامى محكمة جنوب القاهرة، جامع الجيش، دار المؤيد، هذا المكان الذى يزخر بملامح شديدة الخصوصية يختلط فيه الماضى بعراقته والحاضر بصخبه، هنا مقاهى ومحال فى كل مكان. كانت حتى أوائل هذا القرن مركز ثقل حقيقى وإلى الآن مازال باعة المشروبات الشعبية كالخروب والعرقسوس ينتشرون كأنهم جزء أساسى منه.
وإذا كان الاسم الحديث «أحمد ماهر» يشير إلى واحد من كبار رجال السياسة قبل الثورة وأيضاً شغل منصب رئيس الوزراء، فإن كثيرين لا يعرفون أصل تسمية المكان بـ «باب الخلق» الذى هو أصلاً باب الخرق، وكان على رأس الطريق المؤدى إلى باب زويلة وهو الطريق المعروف الآن بشارع «تحت الربع» وأنشئ هذا الباب أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 639 هـ/ 1241 ميلادية وكان شارع الخليج المصرى الذى يسمى الآن «فم الخليج» ممراً مائياً يخترق العاصمة من الجنوب إلى الشمال ويرفع المياه حتى القلعة ويعرف باسم «الخليج الناصري» ويوجد به سور على جانب الخليج مازال بقاياه موجودة حتى الآن، وفى هذا السور كانت توجد فجوة واسعة يخرج منها الناس ويدخلون وتسمى «الخرق» ومع مرور السنين تم تحريف الاسم ليصبح باب الخلق لمرور «خلق» كثيرة منه.
وكانت هذه الفتحة مورداً للسقايين فى عهد الفاطميين وقنطرة باب الخلق أو الخرق مثبتة فى خرائط الحملة الفرنسية وظلت على حالها إلى أن جاء على باشا مبارك ناظر ديوان الأشغال فهدمت القنطرة واستبدلت بأخرى فى عرض شارع محمد على ثم ردمت مع ردم الخليج بعد ذلك.
كأنها على خط مستقيم جامع الحسين بمئذنته فريدة التصميم وساحته الواسعة يفترش ساحته الواسعة عدد كبير من السائلين.. يمعنون النظر فى كل من يمر تجاه المسجد كأنما يطلبون الرحمة من أحوال قست عليهم.. أحدهم افترش السلم المؤدى إلى باب المسجد الرئيسى وقد أمسك برغيف مدّه إلى ولم ينطق بكلمة لكنّ عينيه دامعتان بصدق لا يدعى الحاجة فتأكدت أن ساكنى ساحة الحسين ليسوا من المتسولين المحترمين بعضهم نام فى هدوء فى رحاب المسجد رغم الصخب وأصوات السيارات التى تكاد تلتصق بالأسفلت ولا تتحرك.
على بعد أمتار قليلة دار الكتب التى أنشئت فى عهد الخديو إسماعيل بمبادرة من على باشا مبارك عام 1870 ميلادية لتأسيس الكتبخانة المصرية فى الطابق الأرضى بسراى الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديو وذلك من أجل تجميع المخطوطات النفيسة لدى السلاطين والعلماء، ومع ازدياد نمو المكتبة وضيق المكان بمقتنياته تم تأسيس مبنى جديد للكتبخانة الخديوية ودار الآثار العربية «المتحف الإسلامي» فى الميدان وتم تخصيص الطابق الأرضى لدار الآثار العربية والأول للكتبخانة الخديوية وتم افتتاح المبنى عام 1904، بعد ذلك تم وضع مبنى جديد لدار الكتب على كورنيش النيل.
على باب المتحف الإسلامى قابلت الأستاذ سعيد وهو مدرس لغة عربية فى إحدى مدارس السيدة زينب والذى أخذ يمسح زجاج نظارته بهمة شديدة كأنما تستعد عيناه لرؤية كنز، قال الأستاذ ذو الهيئة الرسمية جداً

- ده أهم مبنى فى المنطقة وأنا جاى أزوره علشان أعمل رحلة للأولاد فى الصيف ليعرفوا تاريخهم وكمان فيه مقتنيات الزعيم الراحل عبدالناصر وهى موضوعة من شهر واحد فقط نظارته ومصحفه وهدايا الزعماء له وبالمرة يزوروا كنوز العصر الإسلامى بالمتحف وكأن أستاذ اللغة العربية موسوعة متنقلة حكى لى وشاهدت معه مئات القطع النادرة حوالى مائة ألف قطعة تقريباً، دنانير ذهبية مكاحل أختام.. أوزان كلها من العصر الإسلامى الأموى والعباسى والعصر العثمانى.. حتى محمد على، فضلاً عن مجموعة نادرة من السجاجيد الصوف والحرة، المتحف بكنوزه شاهد على حقبة مهمة فى تاريخ مصر والإسلام وتم افتتاحه بعد تجديدات استمرت 8 سنوات فى أكتوبر عام 2010، وتكلف أكثر من 58 مليون جنيه.
خرجت من المتحف ولم أكن بحاجة لقطع الطريق كى أرى محكمة جنوب القاهرة الابتدائية، وهنا تذكرت تفاصيل اليوم المشئوم الذى خرجت فيه الجمال والأحصنة تدهس الثائرين من شباب مصر الشرفاء، استأجرها أعداء الحياة لتقتل كل من يقول لا للفساد.. ونعم للحرية.. الموقعة الأشهر فى أيام الثورة القريبة «موقعة الجمل» فالمحكمة تنظر القضية إدارياً - لكن وقائع الجلسات تتم - لأسباب أمنية فى التجمع الخامس، لكن مبنى المحكمة وسط «باب الخلق» يكاد يصرخ من هول ما شهده على مر سنين طويلة، كم من الأبرياء هتفوا «يحيا العدل» تحت سقف هذا المكان وكم من الصرخات دوت إما حسرة أو ندماً، وهنا فى هذه المحكمة وقف رئيس مصر الأسبق أنور السادات ليحاكم فى قضية اغتيال أمين عثمان وزير المالية عام 1946 وسميت القاعة التى شهدت الجلسات باسمه، وقضى السادات عامين ونصف العام فى سجن القاهرة المركزى وتحديداً فى الزنزانة 54، حيث أنشأ صحيفة ساخرة يكتب فيها خواطره وأفكاره.
ومن المفارقات «المدهشة» أن يشهد سجن الاستئناف خلف المحكمة مباشرة تنفيذ حكم الإعدام فى قتلة السادات بعد محاكمته فى جنوب القاهرة بأعوام لا تعد كثيرة فى عمر الزمن.

مشنقة باب زويلة


كوب شاي ساخن من يد فاطمة.. ارتشفته في عشر دقائق جعلني أفتح عيناي علي دنيا خلف الأسوار.. جلست بجوارها وهي تعد ما استطاعت حمله من أكواب الشاي بالنعناع توزعها علي زائري المساجين بسجن الاستئناف.. وبينما هي منهمكة في عملها علي «نصبة الشاي» كانت تسرد حكايات الموت والنهايات المرعبة علي بعد خطوات منها.
الشارع بيتقفل من الساعة 7 لـ 8 الصبح والراية السوداء «بعيد عنك» ترفع علي سور السجن.. كلمات قالتها وهي ترتجف كأنها تشاهد عمليات الإعدام بنفسها. وقصص فاطمة فيها ما تستطيع أن تؤكد أنه الخيال بعينه.
قالت وهي تجتهد في الحكي وتمزجه بمؤثرات صوتية بيرفعوا العلم الأسود فوق «الكشك».
وأسمع صراخ المسجون وهو - يا عيني - هيعدموه وبعدين الطبلية تعمل صوت جامد تعرف ان السر الإلهي طلع وأهله ييجوا يصوتوا والله ما بنام.. مش روح؟!
< أُمّال لو شفتي اللي أنا شفته؟!
- صوت جاء ليقطع حديث فاطمة: قال أنا 15 سنة سجنا في قضية قتل، لفيت 11 سجنا إنما أحسن سجن عندي هو ده وأشار لسجن الاستئناف قضيت فيه أحلي أيام عمري؟!
< سألته: أحلي أيام في السجن؟
- أيوه الصحبة الحلوة ماتتعوضش ودايما آجي هنا اسأل عن صحابي ربنا يفك سجنهم، واستطرد ايهاب أمين في حديث الذكريات قائلا: كان عمري 20 سنة طلعت في سن الـ35 لكني حفظت القرآن، وصمت برهة وكأنه يعيد أفكاره، ثم قال: علي فكرة السجن مش تأديب وإصلاح ده مدرسة للجريمة الكاملة - كله بيعلم بعضه - لكن أنا حافظت علي نفسي وطلعت حسن سير وسلوك.
لم ينس السجين السابق أن يحكي لنا عن بركات صاحبة المقام داخل السجن حيث لم يستطع أحد هدمه بينما يقال انها تزور المساجين وتبكي من الظلم الذي يجري لهم بينما يؤكد المارة خارج السجن انها الست فاطمة الزهراء بنت الحسين وحفيدة الرسول صلي الله عليه وسلم إلا أن أحد كبار تجار الأخشاب قال انها «ست مبروكة» يقال انها السيدة صفية أو السيدة فاطمة، ولذلك فالشارع خلف السجن مسمي بسكة فاطمة النبوية وهي بنت الإمام جعفر الصادق وعبّر أحد شيوخ المنطقة عن استيائه من هذه الأحاديث التي وصفها بالخرافات لكنه أكد أن طبلية الإعدام لا تجف من المياه وعندما سألته عن السبب قال إن شيخا مظلوما أعدمه عبدالناصر ودموعه لا تجف من وقتها!
ليس غريبا أن يكون ظهير السجين المزدحم بالتعساء دربا للسعادة فهو سجن وفي الشارع حرية لكن استوقفني ذلك التضاد في المعني بين اسم الشارع وحال أصحاب المحال فيه.. فهم من تجار الأخشاب الذين يتشابه حالهم الآن مع كثير من

المصريين الذين يتحملون ضريبة الانتقال من 30 سنة ظلما الي عصر جديد من العدالة الاجتماعية.. هو الركود إذن.. لا بيع ولا شراء كلهم حزاني لم أر فيهم من يبتسم رغم أن الشارع يحمل اسم الشيخ سعادة التركي كما يروون فالحاج فتحي هريدي يحلم بنقل السجن لأنه يراه سببا رئيسيا في سوء أحوالهم.
قال الرجل: بيقفلوا الشارع بعربيات السجن والزيارات عاملة قلق وبيورد علينا أشكال الله لا يوريكم، الواحد بييجي يزور المسجون ويأمن علي محل.
< سألته يعني إيه؟
- يعني بييجي بالليل يسرقه وحصلت سرقات كثيرة ومفيش أمان حتي من قبل الثورة لكن أيام الأحداث شفنا الويل والمساجين حرقت البطاطين وكانوا عاوزين يهربوا واحنا اللي حاميناه.
أما الحاج سعيد علي فقد طوي جريدته وقال: وقف الحال مسيره ينصلح لما العسكر يسلم السلطة وربنا يولي رئيس صالح «يعدل المايل».. والشباب الحلو اللي عمل الثورة مش هيسكت ع الظلم بعد كده وده أملنا لكن المشكلة في الإهمال وقلة الضمير يعني الحتة كلها آثار ومهملة جوامع بنعملها علي حسابنا رغم انها تابعة للآثار زي جامع «سنقر البريقاني» تحفة جددناه وجمعنا من بعضنا علشان نصلي فيه.
ظل كلام الرجل يتردد وصداه في عقلي ويزاحم أفكاري وأنا أطالع أسماء الحارات الضيقة جدا التي يختبئ فيها أناس يشبهون حالهم كثيرا، يعيشون في بيوت كأنها شقوق في صخر أصم تحكي لنا أم سيد عن معاشها الذي أصبح 220 جنيها لكنها مازالت غير قادرة علي عمل طبخة كويسة لأولادها، وهي لا تشكو أسعار اللحم لكن هياكل الفراخ وأجنحتها التي كانت تصنع منها المرق مرة كل أسبوعين قالت: مش لاقياها في السوق كانت بتنفع ولو عاوزة كيلو لازم أوصي عليه قبلها بيومين وبـ10 جنيهات ومافيهاش لحمة.. لكن أحسن من مفيش.
ليس من المناسب هنا أن تظهر اعتراضا علي البضائع المرصوصة علي جدران مبان أثرية فعندما نتحدث عن «لقمة العيش» يتواري الآثار لكن قضية الشيخ يحيي ساكن عطفة الدرويش أكبر من ذلك وتجد من المنطقي أن يتم افتتاح الكتاتيب المهملة ليتعلم فيها صغار الحارات، فهي هنا كثيرة وتحولت الي خرابات مليئة بالقمامة رغم طرزها المعمارية فائقة الجمال، كُتّاب الشيخ أحمد وكُتّاب الجداوي وغيرهما من الكتاتيب التي تزخر بها شوارع باب الخلق قال الشيخ نصلحها بجهودنا وتساعدنا الحكومة لنعلم فيها الصغار، والمدرسين كتير عندنا من أهل الشارع نفسه.. وده حلم ممكن يتحقق.
الرجل يحلم بالنور كما كان يحلم الشاعر محمود سامي البارودي بالحرية لوطنه فهو شاعر السيف والقلم ابن باب الخلق لأب وأم من أصل شركسي وأحد أبطال ثورة عرابي ضد الخديو توفيق وأسندت اليه الوزارة الوطنية في فبراير 1882 وتم نفيه مع زعماء الثورة العرابية الي سريلانكا وبقي الحلم حلما من البارودي لشيخ عطفة الدرويش.


تحت الربع
لم أفصل بين ملامح الحاج أحمد السني صانع الفوانيس وعم صالح بائع كراسي وشماسي المصايف لكن صناع تحت الربع يتمتعون بسمات تكاد تتوحد للرائي فالسني يستعد داخل ورشته لرمضان الكريم الذي تكاد تحسه في كل شيء هنا مثله مثل أكثر من 11 عائلة هنا توارثت هذه المهنة، صانع فوانيس الزجاج يقول بكل فخر: المصري مصري يا أولاد بلا صيني بلا غير ما وقع خلاص.. إن شاء الله هتفرج، صحيح الخامات مولعة نار لكن الناس هتشتري المصري، هو هنا منذ 40 عاما يصنع الزجاج الملون والصاج اللامع أحلي فوانيس لرمضان وتمتد جذوره ليصبح من عمر السوق اذا أضفت له أجداده فسوق تحت الربع الممتد من باب الخلق لباب زويلة تخصص في صناعة الفوانيس منذ الدولة الفاطمية لم يقهره «المستورد» لأن العراقة تصقله.
يبدأ الصناع عملهم في جمادي الآخرة لتخزين الفوانيس وليبدأ العرض في السوق من بداية رجب ويصل الي ذروته في منتصف شعبان حتي شهر رمضان، لكن الصاج غالي وهذه مشكلة كبري الآن وستؤثر علي سعر الفانوس كما يقول الحاج إبراهيم وكذلك القصدير والصفيح.
صناع الخيام والمراسي والشماسي أيضا يملأون تحت الربع لكن لأن الناس تعبانة ومفيش فلوس ما عدش حد بيصيف - كما يقول الحاج - عباس - والكراسي البلاستيك مالية الشواطئ ورغم ركود السوق إلا أن الخامات تواصل ارتفاع الأسعار وكرسي الخشب كان بـ18 أصبح بـ25 جنيها وفيه كراسي للتلامذة اللي بيركبوا المترو سلك وقماش ودي عليها الطلب علشان الزحمة، والكروم غطي علي الاستنلس ولوح الصاج أبو 30 جنيه وصل الي 50.
تحت الربع «ضايع» والمسألة بتضيق يوم عن يوم كنا زمان شغالين حلوين وأقل محل بيشغل 4 عمال دلوقت صاحب المحل مع نفسه.
كلمات قالها عم محمود صاحب محل لبيع الصواني والأنتيكات النحاسية عبر بها عن همومه وأشار الي أن الربع الخالي من الزبائن والذي لم يكن أحد يستطيع السير فيه من شدة الزحام.
التجار هنا عطشي للرزق رغم الأسبلة التي كانت يوما تروي السائرين في المكان.. سبيل أحمد حبيش وسبيل محمد أغا الذي تحول أحدهما لخرابة والآخر وضع فيه أحد الخبازين فرن غاز يصنع فيه العيش ويبيعه للتجار.
ما اعتبره أصحاب المكان سوء حال اعتبرته أنا حُسن حظ فالمكان خال أتاح لي أن أستمتع بكل تفاصيله وأشم رائحة العطارة والبخور المنبعثة من المحل الأشهر الذي يتعامل معه الزبائن علي انه مشفي فيصف الغلابة الأغراض للبائع ويكتب لهم العطار الملقب بالدكتور الأعشاب الشافية بإذن الله.. فهذا كسرت قدماه.. وآخر يعاني من آلام بالكلي وتلك المرأة المنتقبة جاءت بحثا عن وسيلة للإنجاب بعد خمس سنوات بلا جدوي في عيادات الأطباء!
مازلت أسير تحت الربع وبينما كنت أتحدث مع بائع الأسبتة القش لفت انتباهي ذلك المسجد المبهر وأعمال الصيانة تحبسه داخل قفص خشبي.. انه مسجد فاطمة الشقراء.
لم أكن أنوي إنهاء رحلتي عند باب زويلة لكنها أشبه بنهاية حتمية لطريق السائر في هذا السوق علي اليمين مسجد الصالح طلائع وفي المقابل تاريخ انتهي وتاريخ بدأ.. هنا قادوا السلطان بعد أن غدروه ونصبوا له مشنقة مازالت باقية تشهد بأن طومان باي مات مرفوع الرأس لأنه حارب العثمانيين بشرف وقاوم حتي النهاية الي أن أسلم جسده لشانقه.. صعد الرجل وفي حلقه مرارة من خيانة المماليك له، ليسلموا مصر للسلطان سليم الأول لينتهي عصر المماليك ويبدأ الحكم العثماني لمصر.
قطع المشهد التراچيدي في مخيلتي كلمات محمود بائع الخروب وهو يقول: اقري الفاتحة يا ست.. كل اللي بيعدي هنا يقرا الفاتحة علي روح الراجل المحترم الله يرحمه.
قرأت الفاتحة وعلمت أن كل من يمر من بوابة زويلة يفعل ما فعلت ويحكي أن آخر سلاطين المماليك نظر الي الجماهير التي حضرت إعدامه وقال لهم: «يا أهل مصر لا تنسوا أن تقرأوا الفاتحة علي روحي».

أهم الاخبار