رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحوالة صفرا .. والعذاب ألوان!

مع الناس

الخميس, 29 مارس 2012 13:02
الحوالة صفرا .. والعذاب ألوان!زحام شديد فى صرف الحوالات الصفراء
نادية صبحي

خمسة جنيهات فضة.. وديون جواز البنات وشعر أبيض فوق جبين شاحب وربع قرن من عمر ضاع.جاء متكئا على أمل صرف مستحقاته.. صدق كلام «الحكومة» وقال لأم العيال فى الفجر خلاص «هتفرج».

كان عليه أن يسند قلبه بشيء من التفاؤل وبقرصين طعمية ورغيف.. استعان على الجوع فى رحلته من البلد للقاهرة.
انتظر ساعات وساعات ضاع صوته فى الزحام ووسط زملاء الغربة والعذاب.
أوشك اليوم أن ينقضى ولم يعثر على اسمه فى الكشوف.. زادته كلمات الموظف بمراجعة بياناته على الإنترنت توهانا، لكنه لم ينس أن يسأل الشاب بجواره عن أبيه الذى اعتاد أن يأتى معه للاستفسار عن صرف مستحقاته بالعراق.. بكى الشاب قائلا: أبويا مات من 10 أيام وماصرفش حاجة وأنا جايب شهادة وفاته علشان آخذ حق امى واخواتي.
أدار الرجل ظهره للبنك وهم بالعودة ليلحق بالقطار قبل غروب الشمس، التفت فجأة قبل أن يرحل ورمق الشاب بنظرة وداع ونصف ابتسامة.. اتجه الى محطة المترو وطوى فى جيبه «الحوالة الصفراء».
ربما كان الانتظار قدرهم.. أصحاب تلك الحوالات صفراء اللون الشاحبة مثل وجوههم التى سطر عليها العذاب ألواناً. جاءوا بالآلاف من كل قرى ومحافظات مصر للسؤال عن حقوقهم التى غيبتها الحروب والسياسات والأنظمة الروتينية التى لا تحسب للبشر حساباً وفى اتساق تام مع الفوضى السائدة ألقت بهم تصريحات الحكومة ببدء صرف المستحقات فى بحار من العشوائية.. وتركتهم يغرقون وسط أمواج الزحام أمام أفرع البنوك تائهين بين أخطاء فى الأسماء أو أختام طمسها طول الانتظار. وأمام بنوك عديدة مثل الرافدين والأهلى وغيرهما جاءوا يجرون أحلام استرداد الحقوق الضائعة من كل المحافظات بناء على توجيه أفرع البنوك بتلك المحافظات ليزيد عذابهم وليتكبدوا عناء السفر والانتقال.. وليعودوا خائبى الأمل.. جيوبهم خالية.. قد يعتقد البعض أنهم ينتظرون الملايين وعندما تسمع عن أرقام المبالغ بالحوالات تندهش فبعضهم ينتظر بعض مئات من الجنيهات أنفق فى سبيلها أضعافها فى رحلة البحث عنها. وبعضهم مات دون أن يصرفها ليبدأ الورثة مشوارا لم يمهل القدر أصحابه من استكماله.


من قرية صغيرة بمحافظة المنيا جاء غنيم، وقبل أن يبدأ كلامه أخرج من جيبه بضعة جنيهات معدنية وصرخ فى يأس: كنت فاكر هارجع بفلوس وكنت سالف 50 جنيهاً علشان آجى دول الباقيين منه.. رجعونى علشان أراجع البيانات فى الفرع الموجود بالبلد وهم أصلاً فى الفرع قالولى: انزل مصر على بنك الرافدين ومستوفى كل أوراقى.
غنيم الذى تجاوز الستين بقليل قضى أكثر من 20 عاماً بالعراق قبل أن تأكلها نيران الحروب.. كان حداداً عاد إلى مصر مجبراً أو كما قال «هربت من النار للنار.. كان ورايا جهاز ثلاث بنات، اشتريت الجهاز بالقسط والديون بفوائد «خنقتنى وفى كل مرة أسمع فيها عن صرف «الفلوس» أجرى علشان أسدد ديونى.. أنا مش عاوز أموت مديون قالها وهو ينظر إلى مئات من زملاء الغربة والعذاب وأخرج من جيبه الحوالة وقد تفتتت أطرافها وتشققت مواضع السطر، نظر إلى الرجل بيأس عندما سألته عن قيمة الحوالات التى ينتظرها قال: حوالى 10 آلاف جنيه بالمصرى يعنى كانوا وقتها يعملوا عمل وعلى الأقل أسدد ديونى منهم.
عاد عيد خائب الأمل وكل ما يشغله الآن كيف سيواجه زوجته التى ودعته صباحاً وكلها أمل أن تعطى كل ذى حق حقه.

شهادة وفاة
هذا الشاب لا يمسك فى يده ورقة صفراء كباقى المتزاحمين أمام البنك بل شهادة وفاة والده «جبر بكر».. كان الأب سائقاً فى العراق، عاش ما يقرب من 18 عاماً فى الغربة بعيداً عن الأهل والأصحاب، وعاد فى عام 1989 ليعيش غربة من نوع آخر فى بلده.
أخفى الابن دموعه عندما تذكر أكثر من رحلة عذاب عاشها الوالد فى سبيل صرف حوالة واحدة كان يأتى لاهثاً خلف كل تصريح حكومى بصرف مستحقات العاملين بالعراق.. قال الابن: أبويا عاش غلبان ومات أغلب من الغلب، كان نفسه يحج بيت الله.. كنت أساعده وأسعى معه على رزق إخواتى البنات، لكنه كان متفائلاً ودائماً ما كان يقول: بس الفلوس تيجى يا ربيع وأجوزك ست البنات.
مات الأب وورث عنه محمود رحلة البحث عن الحق الضائع حاملاً شهادة وفاة وإعلاناً شرعياً وشيئاً من أمل يحاول أن يقاوم به احتجاج موظفى البنك على البيانات «الممسوحة» بالحوالة، فضلاً عن اسمه غير موجود فى بنك مصر حيث أرسلوه إلى بنك الرافدين.
قال الشاب: أبى كان دائماً يؤمن بأن الحق لا يضيع.. وأن الفلوس الحلال مسيرها لأصحابها لكنه مات دون أن يحصل على هذا الحق.

 

معاش ابني
كان ضرورياً أن تحضر تلك العجوز من بنى سويف إلى القاهرة وكأن الزمن يأبى أن يرحمها وقد فقدت من قبل فلذة كبدها الذى سافر إلى العراق لينفق عليها وعلى أخوته بعد أن مات عائل الأسرة.
كان من الضرورى أن تأتى أم ياسين حتى وإن لم تضمن أنها ستعود.. ترتدى الجلباب الصعيدى الأسود وطرحة من نفس اللون القاتم تغلف وجهها الحزين.. تتذكر بالكاد أنها على قيد الحياة فتسأل عن حق ابنها الذى لقى مصرعه فى الغربة وعاد إليها جثة هامدة ولم يبق منه سوى معاش لا يتعد الـ 100 دولار تم صرفه ثلاث سنوات فقط ليتوقف منذ عام 1983 ولتنقلب الدنيا حولها إلى تفاصيل بلون رداءها. قال ابنها جئنا لنسأل عن المعاش المتأخر وهم يصرون أن الأموال الموجودة لأصحاب الحوالات بعد عام 1990 فقط. تساءل الابن سعد عبدالحكم: مش عارف الفلوس موجودة ولا لأ لكنى والله الحاجة بتموت مننا، وأنا يا دوب أشقى على أخواتى ومصاريف أمى كثيرة بسبب أمراض الشيخوخة وأخى «الله يرحمه» كان هو أبونا والمفروض حقه ما يروحش هدر.

قلب مفتوح!
640 دولاراً.. حق حسن وثمن سنين عمره التى أفنى فيها صحته فى بلاد الغربة.. لم تعد فقط مجرد مستحقات تأخرت بسبب الحرب فى العراق بل هى القشة التى يتعلق بها الرجل المريض بعد أن وهن قلبه ولم يعد يحتمل عناء أكثر.. بصوت تكاد تسمعه أشبه بالأنين قال: رجعت واشتغلت «بإيدى وسناني» علشان أربى الخمس عيال وفى بلدنا المنشية الصغرى بكفر الشيخ فرص العمل ضعيفة واللقمة بتيجى بطلوع الروح وأنا عندى 65 سنة يعنى رسمى ماقدرش أشتغل لكنى سأعمل حتى لا أمد يدى لكن المشكلة

فى عملية القلب المفتوح التى أكد الأطباء أنها ضرورية وحياتى فى خطر لو ما عملتهاش.
اعتقد حسن أن مشكلته ستنتهى فور سماعه عن صرف الحوالات فجاء ليصطدم بالواقع الأليم.. كاتبين الأسامى على النت طيب هو إحنا بنعرف نقرا أصلاً؟!
واحد فى البلد قاللى أيوه اسمك مكتوب واستلفت أجرة السفر لاقيت زحمة ومافيش نظام ولازم أرجع.. وإلا أنام فى الشارع وماليش حد فى مصر!
حاول أن يختلس لحظات الذكري وسط ضجيج الزحام.. أصوات المطالبين والحقوق لا تتوقف ينظر في حسرة إلى «عكاز» يعينه علي المشى البطىء.. لا يعرف من يلوم حظه العثر.. أم عروسه التي تركته في «عز شدته» عندما عاد من العراق بعد اشتعال الحرب وهو الذي لم يمر علي سفره وقتها ثلاث سنوات لم يستطع خلالها أن يشتري حتي شقة الزواج سرقت الحرب أحلامه في تكوين أسرة وسلبه عذاب الروتين تعويضاً لا يتجاوز الـ 5 آلاف جنيه كان يمكن أن يكون نواة لأي مشروع يبدأ به حياته من جديد.


قال رمضان عبدالعزيز من شبين بالمنوفية: أصبت بجلطة من الحزن علي الحال وتركتنى عاجزا لا أستطيع السير إلا بالعكاز.. جربت حظي في أكثر من شغلة وما نفعش.. وما ليش حد إلا ربنا وحوالة بـ 300 دولار دايخ عليها وليس لي أي دخل آخر ولا معاش ولا غيره.. نسيت موضوع الجواز أصلاً وتساءل مين هترضي بواحد شبه ميت.. كل أملي في صرف الحوالة لكن الزحام شديد وكان ممكن يصرفولنا من البلد بدل البهدلة.
«كنا مبسوطين وفاتحين بيوت أهالينا» جملة قالها «أبو العلا» الذي أضناه العذاب بحثاً وراء حقه.. طلب منه يوسف الذي جاء معه بحوالة من كفر الشيخ، الجلوس علي الطريق لقطعه حتي يرتبك المرور ويسمع مسؤلو البنك صوتهم ويصرفوا لهم حقهم.
قال في بساطة فلاح مصري شقيان: اللي داق الظلم ما بيظلمش، قال أيضاً إن الحوالة بيده قيمتها أقل من 1500 جنيه لكنها منذ سنة 1989 والموظف قال إن معالم الحوالة مطموسة وعليه أن يأتي بما يثبت حقه من فرع البنك في بلدهم.. وأقسم أنه استلف ثمن المواصلات لأن الحال واقف وكان يعمل «لحاماً» أضاف أبو العلا: صحتي تعبت وثمن الحوالة هشتري بيه دوا السكر وشوية حاجة حلوة أبيعها أمام البيت في البلد، وطالب بنفس البساطة بضرورة أن يأمر المسئولون بالصرف من البلد أو علي الأقل يتم تحديد ميعاد للصرف وآخر للتصحيح بدل «الدوخة».
أما بشري فايد فتلمح علامات غضب صارخة علي ملامحه، كان يتصبب عرقاً رغم اعتدال حرارة الجو، لكن الصدمة أشعلت ناراً حارقة بداخله.
قال: شمال العراق ماجاش منه أي حاجة.
< ماذا تقصد بالتحديد؟
- كنا أصحاب محلات في اربيل ومصف وصلاح الدين ودهوك وقالوا في البنك مافيش حاجة اسمها «اربيل» ليس معنا أي ورق وشكونا أكثر من مرة قالولنا بلغوا الأمم المتحدة، نروح فين ونيجي منين «إحنا بنتسول في بلدنا».
قاطعت سعاد حديثنا وهى تبكى.. طيب أنا معايا ورق معاش جوزى وعندما طلبت حقى وحق أولادى قالولى «لما يطلعوا الأمريكان».
وعلمت أن زوج سعاد مات فى الغربة وكانت تحصل على المعاش من سنة 1985 وبعد عام 1992 توقف قالت المسكينة: ربيت عيالى بالعافية اشتغلت فى البيوت ومسحت البلاط علشان ياكلوا وأبوهم فلوسه موجودة وآدينى مستنية خروج الأمريكان.

غلطة كمبيوتر
غلطة كمبيوتر دفع ثمنها أحمد عيسى وزوجته غالياً من مشتول السوق بالشرقية جاء الزوجان حاملين 13 حوالة هي فى الحقيقة مستحقات 20 سنة شغل فى العراق قالت الزوجة: كنا «فراشين في شركة سياحية اشتغلت معه كي ننفق على أبنائنا الذين تركناهم مع جدهم في البلد ورجعنا بعد الحرب بأسبوعين ورغم أننا قطعنا هذه الرحلة أكثر من مرة على مدى أكثر من 20 سنة إلا أن الأمل كان دافعنا وحاجة أولادنا لشقا عمرنا.. قاطعها الزوج قائلاً: مكتوب في الحوالة عربى واسمى عرفة وهذا الخطأ قد يتسبب في ضياع حقنا المشكلة أن الزحام شديد وما حدش عاوز يفهمنا نعمل إيه.
تركت الزوجين المصدومين.. تاهت تفاصيل الحكايات وسط زحام أصحاب الحقوق الضائعة.. منهم من افترش الرصيف ومنهم من عاد إلى بلده خائب الأمل.
 

أهم الاخبار