رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

آخر أيام الشتوية..

بالصور. حكايات البرد.. والشقا.. والثورة

مع الناس

الخميس, 08 مارس 2012 09:45
بالصور. حكايات البرد.. والشقا.. والثورة
نادية صبحي

أجمل ما في أيام الشتاء.. لحظات الدفء وأبدع ما في شوارع مصر حكايات ولادها المحفورة علي الوجوه.. ولأن أكل العيش «ما يعرفش» برد ولا عواطف، ولأن الجوع «ما بيرحمش»..

تجد الجميع في قصص السعي علي الرزق- سواء، والغلابة في بلدنا مازالوا «ينحتون» في الصخر يلهمهم الحرمان بسياط الألم.. فلا يصبح للدفء معني.. ويصير برد الشتاء نارا.. يحترق بها العجوز علي أعتاب النهايات ويضع من خلالها «الشاب» خطة قضاء سريع علي ما تبقي من أمل ويتوه فيها «الطفل» حتي يتلاشي جسدا وروحا.. لكن شيئا ما يجبر الجميع علي الاستمرار.
سر، قد نجد مفتاحه في قصة عوض «الجنايني» وإصراره علي ري حدائقه في عز البرد والمطر لقناعته بأن الشجر بيسبح ربنا.. أو في دعاء عم «فرج».. البائع المتجول بالستر وأكلة لحمة قبل أن يموت!.
وربما يكون السر في حلم «محمود» الشاب الأرزقي، بالعودة إلي حضن أمه وإخوته وبلدته الصغيرة في الصعيد البعيد..
أما اللغز الأكبر فيبقي.. في قناعة إسماعيل ذي السبع سنوات بأنه سيصبح «دكتورا كبيرا»، رغم انه ترك المدرسة واحترف التنقيب عن الزجاجات الفارغة في أكوام الزبالة!!.

كاد النهار ينتصف لكن الشمس مازالت مختبئة وسط الغيوم، السحب حبلي بالأمطار تكاد تلامس الأرض، الهواء يطيح بكل ما خف حمله أو ثقل من فوق الأرصفة حتي البشر المتناثرين علي جانبي الطريق تكاد الرياح ترفعهم.. الوقت يمر والشوارع مازالت صاخبة بأنفاس السائرين.. والسيارات تسابق الرياح في شق المسافات.
هي آخر أيام الشتاء.. تأبي أن ترحل في هدوء.. يقولون إنه الأكثر قسوة منذ أكثر من شتاء مضي، شعر فيه الفقراء بالبرد «بجد» ارتعدت أجساد الغلابة لم يتمكن الكثيرون من غلق النوافذ بالبيوت لأنهم بلا بيوت.. ولم يستطع الكثيرون مقاطعة الشوارع والاحتماء بأي وسيلة تدفئة.. لأن في الشوارع رزقهم.. وحياتهم.. لم تحم الملابس الثقيلة جسدا نحيلا، ولم تملأ وجبة ساخنة امعاء خاوية.. الجوع في هذا الشتاء.. كان أكثر قسوة وألما وكان «التوهان» حالة خاصة جدا في زخم أحداث الثورة..


عندي 70 لأ.. قولي 80 سنة.. سنين كتير والنبي ما أنا فاكر!! هذا هو تقديره لعمره من الواضح ان عم «فرج صالح» بائع البرتقال «السريح» لا يأبه لما فات من عمره- رغم أن ملامحه مبتسمة تشق طريق التفاؤل وسط تجاعيد مبعثرة بعناية علي وجهه بالكامل.. لا يحاول حتي حمايته من الهواء شديد البرودة والتراب الذي يعصف بكل شىء حوله..
< بتكسب من البرتقال يا عم سيد؟
-يعني ده رزق زي ما ربنا يأذن.
< بتصحي الساعة كام؟
- من الفجر.. ساكن في بولاق الدكرور يا دوب آجي أسرح في الدقي علشان أبيعه بـ2 جنيه.
مش بدري.. والجو برد عليك؟
- آكل منين.. عيالي كل واحد في ناحية.

السكر وأمراض الشيخوخة يتعاملون مع العجوز كأنه غنيمة.. فقر وجوع وعمر راح في الشقا، عندما سألته عن بلده علمت انه من «ابوتيج» تركها وعمره 17 عاما- علي ما يتذكر- لاحظت أن الرجل يحمل من ملامح البؤس الكثير، مبتسم رغم ضعف هيأته، يداري وهن جسده النحيل في جلباب قديم يكاد تمزقه الرياح.. لكنه لا يحتمي من موجة برد قارس.. ومن المؤكد أن الإحساس بالبرد يكون أشد إيلاما وقت استيقاظه فجرا.
قال: لما أجر العربية أدفي.. وربنا بيقويني.. أردف الرجل: الحياة صعبة لكن ما باليد حيلة، أيام وتعدي..

عمل عم «فرج» يستمر حتي العاشرة أو الحادية عشرة مساء حتي «يجبر» أي ينتهي من بيع بضاعته.
اشتري بالليل شوية فول أتعشي ويمكن يفضل شوية للفطار- والله مافيش نفس.. الزوجة الله يرحمها وأولادي ما اعرفش عنهم حاجة، والوحدة صعبة.. رفع يده إلي السماء داعيا الله بالستر.. قال: أنا

مش طالب غيره، ثم ابتسم ليكشف عن فم ودع أسنانه من زمن- ويعني لو ممكن ندوق اللحمة قبل ما نموت..
أكثر ما يضايق بائع البرتقال هو «الفصال» لأن «الحكاية مش «مستاهلة» علي حد قوله، المكسب يا دوب ناكل بيه عيش حاف.

الغربة.. جوانا

عندما سألت عم «عوض جنايني» حدائق طريق المحور عن سر استمراره في العمل رغم سوء الأحوال الجوية.. قال في طلاقة «يعني آكل حرام؟!»
ثم أردف في ثقة.. طالما الشجر اللي باسقيه بيسبح ربنا هيبارلكي في صحتي ويبعتلي رزقي.. وعندما سألته عن إحساسه بالثورة والتغيير أطلق نصف ابتسامة وقال في يأس: هي فين الثورة دي؟!
إيه معني ان عملنا حرية والناس مش لاقية اللقمة ومافيش شغل في البلد.. والغلابة اللي زينا مايخافوش من الجوع، كأن الرجل فيلسوف يداري الحكمة خلف ملامح الزهد والقناعة التي تكسو وجهه..
انتهي من ري الحديقة وأشعل النار في بعض قطع الخشب وأوراق الشجر الجافة لعمل كوب شاي ساخن ربما يقاوم البرد ويشعر بشىء من الدفء..
كنا في العراق مش حاسين بالغربة أيام صدام، كنت آخد 200 دولار في الثمانينات وصلوا لخمسين.. نزلنا.. واشتغلت في «النظافة» وماروحتش بلدي «ببا» في بني سويف مافيش شغل.. عندي 56 سنة و«علي الله».
  < يعني إيه؟
- لو المهندس مر وأنا مريح هيتخصم اليومية مافيش تثبيت ولا غيره، إحنا تبع جهاز أكتوبر.
< وهل هذه هي مهنتك الأساسية؟
- أنا كنت «فران» لكن كبرت ودي شغلانة عاوزة صحة وأنا «مقرب ع الستين».
< ما أكثر ما يقلقك في هذه الأيام؟
- عيالي.. المستقبل مش واضح وأنا أعمل باليومية «لو جرالي حاجة مش هيلاقوا ياكلوا.. والعمل ده خطر.. وأقسم الرجل أن بعض زملائه تصرعهم السيارات المسرعة علي الطريق أو علي الأقل تصيبهم بالعجز.
< وماذا تفعلون؟
- المقاول «اللي واخد الشغل من الجهاز» بيعالج علي قد ما يقدر لكن مافيش أمان، والله من الساعة 6 وأنا مشغل الرشاشات علي الزرع والجلابية غرقت وكنت هموت من البرد لكن «اللقمة الحلال أحلي حاجة في الدنيا».
من الطبيعي أن يأمل الرجل المسكين في العودة إلي مسقط رأسه «ببا» ليأنس بأهله وزوجته وابنائه لكنه قال بإخلاص شديد.. طالما في مصر.. مافيش غربة.. الغربة «جوانا».
المهم.. أعيش!

 

دبلوم في الحفرة..!

علي عكس عم «عوض» تسير قناعات وأحاسيس «محمود» الشاب الذي وجدناه يطل برأسه من داخل حفرة بوسط الطريق بأحد أحياء مدينة 6 أكتوبر.. وسط عمائر جديدة تحت الإنشاء.. وأسلاك متناثرة في كل مكان.. ووحشة رهيبة تلف كل التفاصيل رغم ضوء النهار..
«محمود» ليس عامل صرف صحي.. قال في أسي: أي حاجة توصلني للرزق الحلال.. صرف.. كهرباء.. أشيل تراب.. المهم أعيش أنا وأمي وإخواتي.
< هل تسكن معهم؟
- أنا هنا مع زملائي.. متغربين زي بعض.
وأهالينا في البلد في انتظار كرم ربنا..
< مؤهلك إيه؟
- دبلوم.. بس والله معايا زميلي بكالوريوس زي الفل وبيشتغل في سوق الجملة يشيل فاكهة.. خضار.. وأنا كنت معاه لكني لاقيت «المعمار أحسن».
< هل تعتبر عملك هنا مؤقتا وتخطط للعودة حتي تتزوج وتستقر في بلدك؟
- جواز إيه.. إحنا لاقيين ناكل؟.. الدهب بقي نار، الشباب بيفكر يعيش يوم بيوم وفي رقبتنا كوم لحم.. عيال

صغيرة بكرة تيجي «تتبهدل معانا».
< بكرة المستقبل أحلي؟
- ده كلام.. أكثر من سنة مرت ع الثورة، وانتخابات ومظاهرات.. ودنيا.. وإحنا ماحدش حاسس بينا واللي «يقع» يموت ببلاش وأهله يتشردوا!!
< خليك متفائل!
- اختفي البريق من عين الشاب والقي بما كان في يده ونظر إلي الحفرة التي تحتويه في يأس وتساءل: «عملوا إيه للشباب؟!».
وقال: أنا لا أطلب المستحيل.. نفسي اعيش في بلدنا.. هي مش مصر ولا إيه؟!
ووجه إلي سؤال كأنه اختبار.. انت عارفة علشان اشوف أمي اتكلف ايه؟ 200 جنيه مواصلات غير المصاريف يعني ممكن اشتغل أسبوع ولا أحصل علي هذا المبلغ وقد يمر العيد ولا أراها .. حرام.. ولا حلال؟
كثيرون مثل «محمود» شباب يشعر بالغربة داخل وطنه والإحساس بالأمثل لديه «مفقود» بلا ذنب..
تجدهم شبابا في كامل الصحة والعنفوان لكن بلا أمل.. ولا حياة.. يبنون البيوت ولا يسكنونها ويتزاحمون في آخر يوم عمل شاق في حجرة ضيقة بحارة أضيق يضمون أحلامهم المكبوتة في ضلوعهم كأنها النار تأكل الطموح.. بل والرغبة في الحياة لكنهم يصرون علي العمل بديلا عن مد اليد.. لا فرق عندهم بين موجة برد أو حر.. ربما لأن الحاجة أقوي من الإحساس بالمواسم والفصول.. الشتاء كالصيف.. والربيع كالخريف.


ساكن.. النيل

برد الشتاء ليس مجرد حالة جوية تزيد إحساس الفقراء بالحرمان.. لكنها تمثل لـ زكريا عبدالستار «صياد السمك» قدرا محتوما، عليه ان يرضي به.. فالمسألة لا تتعلق فقط برزق شحيح بحكم طبيعة المناخ شتاء ولا بكونه قد يعود بشبكته خالية من «نص كيلو سمك» في أسبوع كامل.. لكنها تتعلق بمأوي دائم فوق المركب التي يعمل عليها.. فهي ليست فقط وسيلة كسبه لرزق بل هي بيته وسكنه أو وطنه.. فيها ولد وفيها تزوج.. وترعرع ابناؤه وفيها أيضا يموت وكنت إلي وقت قريب أتصور أن «زكريا» وغيره من سكان المراكب.. محظوظون لأنهم غير مرتبطين كثيرا بما تشهده الأرض من بؤس ابنائها.. فالحياة فوق الماء توحي بالحرية أو علي الأقل- هي مختلفة- علي أي حال..

لكن ما سمعته من الرجل وما لمحته في عينيه كان يحكي مأساة وحلما بالسكن والدفء لا يتحقق أبدا.
كان نفسي يبقي لي بيت زي كل الناس.. والعيال يناموا علي السرير ويروحوا المدرسة، لكن عيشتنا فوق المركب قدر لا نستطيع الهروب منه.. في الشتاء الحياة صعبة، برد شديد والليل مخيف.. ومهما نتغطي مافيش فايدة..
بنعمل خيمة «خيش» فوق المركب ونكسيها بمشمع علشان المطر.. وأحيانا «نرسي» تحت كوبري لكن المكان الأساسي علي النيل في عزبة مصر القديمة.
عندما سألت الرجل عن بلده فقال مبتسما:
من المنوفية.. ولم يعلق..
كلها مصر.. يا عم زكريا..
يعني.. لكن اللي حصل ده غلط غش وفساد وكلنا بندفع ثمنه والله الواحد «محرج»!.
ثم نظر إلي مياه النيل التي يحركها الهواء بشدة وقال: «الموسم في الصيف.. السمك كتير.. لكن الشتاء صعب، يعني يمكن ربنا يكرمني بأي حاجة ابيعها في المغيب وقد تمر أسابيع «مافيش».
< وماذا تفعل؟
- بنعمل حسابنا.. اتعودنا نشيل فلوس أيام الصيف ونصرف منها اليومين دول «عاوزين الصبر».
لم تمنع ظروف العيشة الصعبة «زكريا» من إنجاب 6 أولاد.


< هل تعلم أولادك المهنة؟
- بصراحة لأ.. نفسي اشوفهم مرتاحين في بيوت.. ولما الثورة قامت.. فكرت إن الغش والفساد هينتهي وكل مصري هياخد حقه.. وعندي أمل لكن الحكاية عاورزة صبر.
وأردف قائلا: لكن ممكن الغلبان اللي زيي يموت قبل ما تتحقق حاجة.. وفيه ناس ظروفها أصعب.. العيال بتمرض وتموت مش عارفين نعالجها ومناعتهم أضعف مننا ولا يتحملون البرد والنوم في المركب.. ومافيش «غذا» عايشين علي الفول والطعمية.. حتي العدس غالي علينا.. والسمك نبيعه علشان نعيش ونحرم نفسنا منه!!
سندوتش ملح!

شىء ما في حياة هؤلاء يضمن لهم الاستمرار في الحياة قد يبدو أنهم يائسون.. بلا أحلام.. لكنهم يسيرون نحو تحقيق هذا الشىء ولو في خيالهم.. تماما كحال إسماعيل ذي السبع سنوات الذي مازال يحتفظ بملامح الطفولة رغم تراكم الهموم والأوساخ علي وجهه.. احترف «إسماعيل» التنقيب في القمامة والتفتيش في أعمال الهدم عن البلاستيك يستقيظ في الخامسة صباحا يقاوم البرد برغيف حاف وقد يضع فوقه «شوية ملح» أو سكر إذا وجد.. ثم يضع «شوال فارغ» فوق كتفه ليعود في آخر النهار ليبيعه لـ «عيد» والجدعنة اني اجيب فلوس.. لكن انا هبقي دكتور مش عاوز ابقي زي ابويا «بواب».

وسألته: كيف سيصبح طبيبا وقد ترك المدرسة وكانت الإجابة مفاجئة.. الراجل في التليفزيون قال العيال كلها هتتعلم علشان البلد اتغيرت وكل واحد هياخد حقه.. ثم نظر إلي تاركاً ما جمعه في يده وسألني: هو صحيح البلد اتغيرت..؟!

 

أهم الاخبار