"أم البطالة" تستغيث

عندك وظيفة لابني.. ومن غير فلوس؟! (1)

مع الناس

الأحد, 01 يناير 2012 12:37
عندك وظيفة لابني.. ومن غير فلوس؟! (1)
كتب : عادل عبد الرحيم

"ما عندكش وظيفة لابني ولو حتى من غير فلوس" .. ماذا تفعل عزيزنا القارئ إذا طلب منك أحدهم هذا المطلب.. وما هو ردك إذا سُئلت هذا السؤال ؟

من المؤكد أنك ستظن للوهلة الأولى أن صاحبه يستخف دمه أو عقلك ، فمن ذا الذي يبحث لنجله أو كريمته عن عمل بهذه الطريقة وهذا "الأوبشن" المتمثل في التنازل عن الأجر مقابل إيجاد فرصة عمل ، لكن الواقع المؤلم يؤكد أن هذه باتت حالة يمكن لأي منا أن يصادفها ومن أي شخص سواء قريب أو جار أو حتى إنسان لا تعرفه من قبل .

الموت شرط التعيين!

تقول سنية عبد التواب ، 56 عاما ، أفنيت عمري في خدمة القطاع العام وربيت  ولداي التوأم أحمد وحسين أحسن تربية وكافحت من أجل أن يتسلحا بالعلم، وكنت أنتظر بفارغ الصبر قدوم اليوم الذي يحصلان فيه على مؤهل جامعي ، وبعد معاناة مريرة استنزفت كل ما أملك تخرج أحدهما في كلية الحقوق والثاني في كلية الآداب ، وكنت أعتقد أنني أكملت رسالة حياتي معهم لكنني للأسف كنت على موعد آخر من الأسى .

فرغم مرور أكثر من 8 أعوام على تخرجهما إلا أنهما فشلا في العثور على فرصة عمل ، وحاولت مرارا وتكرارا تعيين أي منهما في الهيئة التي أعمل بها والتي ترفع شعار الأولوية في التعيين لأبناء العاملين ، لكنني اكتشفت أن هذا مجرد سراب يخدعون به العاملين كي يمتصوا دماءهم ، حيث أدركت أن هذا الحق مكفول فقط لمن له "واسطة" أو ينطبق عليه مبدأ "شيلني واشيلك" .

لكن البسطاء أمثالي لا يحق لهم شيء ، وحين توجهت بشكواى لمكتب رئيس مجلس الإدارة وضعوا أمامي العراقيل من

كل صنف ولون ، حيث أخبروني أن القانون ينص على منح الأولوية في تعيين الأبناء للموظفين الأموات أولا ثم أصحاب المعاشات ثانيا ثم يأتي من في الخدمة في المرتبة الثالثة إذا وجد له مكان ، وأدركت ساعتها أنني يجب أن أموت حتى يتم تعيين ابني أو ينتظر خروجي على المعاش إن كان له مكان .

تحويشة العمر ضاعت يا ولدي

وتعتبر مأساة عم حسن مع أبنائه هي بحق أم المآسي ، فرغم أنه استطاع أن يقتطع لأبنائه 25 ألف جنيها من مكافأة نهاية الخدمة، ليعيش هو وأم أولاده بجنيهات المعاش القليلة، وقام بفتح مشروع سنترال بهذا المبلغ ليتكسب منه أولاده ، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن ، فقد ضاعت تحويشة عمره على تجهيز المحل إلى أن جاءت عروض شركات المحمول وظهرت الهواتف متعددة الشرائح، حتى أصبح مع كل شخص سنترال متنقل وبالتالي لم يعد أحد يُقبل على التعامل مع السنترالات .

يقول الأب : لم يعد أمامى سوى تقسيم المعاش بين مصروف البيت من مأكل ومشرب وبين مصاريف أبنائي، وبالكاد أعطي كلا منهم 100 جنيه كل شهر ، وهذا المبلغ كما تعرفون لا يكفي حتى طفلا صغيرا ، وقد طرق أولادي كل الأبواب ليجدوا عملا لكن للأسف كانت الإجابة دائما "كامل العدد" .

من غير وظيفة ابني مرفوض

أما الحاج فرغلي محمود ، فيقول أنه يشعر بالحزن كلما نظر إلى وجه ابنه "علي" الذي حصل على مؤهل

فوق المتوسط منذ أكثر من 10 سنوات، وطرق كل الأبواب للعثور على وظيفة إلا أنه فشل واضطر للعمل في مقهى حتى يوفر مصاريفه ، ورغم أنه يؤمن تماما أن الشغل ليس عيبا ، لكنني أراه دائما حزينا والدموع لا تفارق عينيه ، وحين أحاول تخفيف المسألة عنه يجيبني بحزن : "ماتشيلش همي يا حاج علشان صحتك" ، لكن المأساة عندما يتقدم لأي فتاة "بنت ناس" فإن الإجابة تكون دائما بالرفض .

أيضا الست فايزة ، باعت ميراثها في بيت العائلة وتجمد في يديها مبلغ لا بأس به تعطي من ريعه مبلغا شهريا لابنها، لكنها تريد أن يكون له عمله وحياته الخاصة حتى يستطيع أن يتزوج وترى له ذرية.. لذا كانت هي صاحبة الاقتراح المبكي بالبحث عن فرصة عمل لفلذة كبدها ولو من غير أجر ، وتقول والحسرة تملأ عينيها : " كده كده أعطيه مصاريفه كل شهر، فليس مهما عندي أن أنفق عليه وعلى شغلانة يتدارى فيها بدلا من جلوسه على المقهى حزينا وعودته للمنزل يائسا.. فهل أجد لديكم عملاً لابني ومن غير فلوس؟!" .

أمل الثائرين

وبصفة عامة تشير الأرقام إلى انتشار البطالة بين ملايين الشباب من الجنسين في مصر ، وتتفاقم آثارها الخطيرة إذا ما اقترنت بفقر الأسرة وعجزها عن مساعدة أبنائها ، خصوصا برحيل عائلها أو مرضه وبالتالي لا يوجد مصدر معين للرزق سوى هذا الشاب الذي يعاني البطالة ، فيعيش أكثر من 40% من المصريين تحت خط الفقر وتمتد طوابير العاطلين عن العمل إلى ما لا نهاية ، وتتبدد أحلام هؤلاء البائسين مع تبخر وعود المسئولين الذين طالما داعبوا خيال البسطاء بتوفير فرص العمل ورفع الأجور دون أن يتحقق أي انجاز .

وتبقى بارقة الأمل الوحيدة في خروج البلاد من النفق المظلم بعد استقرار الأوضاع ودوران عجلة الإنتاج، وتشكيل برلمان وحكومة وطنيين يعملان بحق لخدمة أبناء الشعب المغلوب على أمره، والذي يضع مستقبله بين أيدي المسئولين الجدد متوسما فيهم توافر برامج عالية الكفاءة لتلبية طموحاتهم، ومواجهة التحديات الخطيرة التي أفرزتها المتغيرات الجديدة التي أعقبت ثورة 25 يناير التي تحل ذكراها الأولى بعد أيام .

أهم الاخبار