رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ليس بالانتحار تحيا الشعوب

مع الناس

الاثنين, 24 يناير 2011 15:36
كتبت- رانيا فهمي:

" القروي الفصيح ".. فلاح بسيط دبر له موظف فاسد لدى الوزيرالأول للفرعون حيلة لاغتصاب قافلته. الفلاح لم يلجأ للانتحار بل لجأ لتنظيم بردياته التسع التي حملت تظلمه للوزير،

حتى حينما ضُرب لم يشعر بالخوف بل قال للوزير: "لا تكن ظالما طالما أنت القوي، حتى لا تصيبك الدوائر يوما ما".. " لا تسلب فقيرا ولا ضعيفا ما يمتلكه، فما يمتلكه الفقير فيه حياته ومن يأخذه منه فهو يخنقه.."
ويذهب الوزير إلى الفرعون.. ويعرض عليه لفائف البردى، فيصدر حكما يقضي بمعاقبة الموظف الجشع ونقل ملكية ضيعته إلى الفلاح فضلا عن إعادة حاصلاته وحميره إليه.

لم يكن القروي الفصيح ،الذي يعد رمزا للعدالة إلى يومنا هذا، هو النموذج الوحيد في تاريخ مصر القديم الدال على أن الانسحاب ليس هو الحل، فبتتبع مراحل التاريخ المصري لن نجد مطلقا أن الانتحار كان سبيلا لنيل حق مسلوب في أي عصر من العصور وأن الانسحاب عن الحياة هو الوسيلة للتخلص مما عانته الشعوب من قهر وظلم واستبداد .

فرعون أرحم

"التاريخ يعيد نفسه" .. بهذه العبارة تشير د. نور جلال ،مدرس الآثار المصرية القديمة، إلى أن أول ثورة اجتماعية في تاريخ مصر حدثت في عصر الانتقال الأول في التاريخ الفرعوني، وكانت نتيجة لسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وتردي أحوال الناس في عهد الملك "بيبي الثاني"، لافتة إلى أن مجتمع قدماء المصريين لم يكن ديمقراطيا، بل كان من الصعب أن يعبر الناس عن آرائهم وعن أنفسهم، ورغم ذلك كان المصري القديم يقف وقفات احتجاج واعتصام مناديا بحقه ومنددا بأي ظلم يلحق به. صحيح نجده في بعض البرديات يحسد الموتى ويتمنى الموت، إلا أنه كان يعرف جيدا قيمة الحياة ويقدسها.

وتشير نور إلى عصر الدولة الفرعونية الحديثة وما حدثت به من مجاعات بسبب عدم تقاضي عمال نحت المقابر الملكية لمستحقاتهم العينية ومع ذلك لم يفكروا أبدا في الانتحار وإنما ذهبوا وتظاهروا أمام المعبد منادين "لايوجد لدينا سمن وقمح".

وتذكر أيضا حالة الفقر الشديد التي عانى منها المجتمع في عصر رمسيس التاسع والتي أدت لكثرة السرقات وضعفت الرواتب إلى أن انقطعت، مما أدى إلى اعتصام المصريين

أمام معبد مدينة هابو، حتى صُرفت لهم جزء من مستحقاتهم بعد أن وصل الأمر إلى فرعون.

مسلسل القهر مستمر

وفي إشارة لمسلسل القهر الذي يتعرض له المواطن المصري عبر العصور يقول د. حجاج إبراهيم ،رئيس أقسام الآثار والسياحة بجامعة طنطا: للقهر الاجتماعي مسلسل مستمر عبر العصور.. كانت الإضرابات هي القاسم المشترك بينها ولم نسمع عن انتحار أو ازهاق روح لرفع ظلم، فهذا الضعف الذي ظهر مؤخرا لا يعبر بأي حال من الأحوال عن ديانة أو حضارة تستمد قوتها وبقاءها من قوة الإيمان بالله عز وجل.

ومؤكدا على أن شعب مصر مسالم من الدرجة الأولى ولم يعرف الدم على مر التاريخ، يوضح أن أدوات مطالبته بحقوقه كانت لا تتعدى الوقفات والاعتصامات والعبارات الرنانة، وأنها كانت تحقق النتائج المرجوة، مذكرا بأيام الناصر "محمد بن قلاوون " الذي أمر بعزل القاضي الذي ارتشى ابنه قائلا: لو أحسنت تربيته ماقبل الرشوة، وذلك بعد أن قام الشعب باضرابات نتيجة قلة الرواتب وكثرة الالتزامات، فأمر الناصر قلاوون الأمير "سنقر الثاني" بطرد المسئولين عن أسباب الفتنة وسجنهم ولم يسجن الشعب، وفي عهد "محمد علي باشا" سنة 1805 حينما أراد التخلص من "البرديسي" وأتباعه، دفعه لزيادة الضرائب فتظاهر الشعب قائلا: إيش تاخذ من تفليسي يا برديسي ".

غياب ثقافة المواجهة

ويرفض محمود أمين مستشار العلاقات الأسرية ماقامت به بعض الحالات من محاولة للانتحار ويصفه بعدم الإيجابية في التصدي للضغوط والحصول على الحقوق وأنه للأسف نتيجة حتمية للأنظمة الفاشلة التي أدت بشعوبها لهذه الحالة.

ويؤكد أن ظاهرة العنف التي ظهرت مؤخرا على المجتمع وعلى النفس ليست تقليدا متعمدا لما حدث في تونس وإنما هي حالة ناتجة عن غياب ثقافة المواجهة وتعبر عن قهر داخلي لأناس حالتهم النفسية كانت في أدنى حالاتها، واصفا الانتحار والتكسير والغضب غير الممنهج بالسلبية المفرطة في

التعبيرعن الرأي.

وينبه إلى أننا نواجه عدة مشكلات اجتماعية أهمها ظاهرة توحش المجتمع، التي أفرزت فئات جديدة سيئة التعليم حصلت على أموال بطرق غير مشروعة بالاستعانة بسلطات غير مؤتمنة، مما أدي إلى مزيد من الفروق الاجتماعية التي قادت إلى هذه الحالة من التردي النفسي وأنه على الأنظمة أن تحافظ على ما تبقى لها من وقار بالنزول للمواطن والاستماع له، لا تستمد سيطرتها من قهر عسكري أو من عطايا كما حدث في إحدى الدول العربية حينما أمر أميرها بصرف 1000 دينار للشعب تحت أي مسمى بعد انتحار الشاب التونسي، مؤكدا أن مكمن الخطورة في تعامل الأنظمة بأسلوبها الخاطئ مع الشعوب، فتدفع الناس لحلول سلبية كالانتحار أو التعاون مع الأعداء لرفع الظلم عن بلادهم، أو تمني الرجوع لعصر الاحتلال لحل مشكلاتنا.

ويرجع أمين هذه السلبية لعاملين الأول: بعد المجتمع عن الوازع الديني سواء كان إسلاميا أومسيحيا، حتى أصبح الناس يتساهلون في القيام بأشياء كانت بعيدة كل البعد عن التطبيق في الماضي. والعامل الثاني أننا وصلنا لحالة من الضعف وقلة العلم والثقافة، مما أدى إلى ظهور حالات سلبية في مواجهة المشكلات فاتجه البعض للطلاق، أو الهجرة، وأخيرا الانتحار.

تربية مدنية

من جانبه صرح الدكتور نبيل عيد الزهار، أستاذ علم النفس ومدير مركز تطوير التعليم الجامعي بجامعة قناة السويس، أن إخراج جيل إيجابي قادر على المواجهة يتطلب إعداد برامج تعليمية في إطار ما يسمى بالتربية المدنية أو تربية المواطنة وذلك لتكوين وإعداد مواطن صالح متفهم لحقوقه الدستورية، قائم بواجباته نحو ذاته والوطن والآخر، محافظ على القانون ومشارك في كافة قضايا المجتمع مشاركة فعالة، وهذه البرامج موجودة في بعض دول أوروبا، ولبنان، وجنوب أفريقيا، كما قمت بانشائها في جامعة السويس إلا أن الأمر لم يتم لتركي للجامعة.

ويضيف الزهار: يتم إعداد هذه البرامج في إطار قواعد يقوم بها متخصصون، ويشارك الأستاذ الجامعي في تنفيذها، ثم تحول إلى آليات ومشروعات يقوم بها الطلاب، على أن تتضمن موادها التنشئة الديمقراطية للطالب بحيث يستطيع التواصل مع الآخر.

ويرى نهاد رجب ،أول مدرب عربي لتقنيات الإيحاء والتأثير النفسي بالتنويم الضمني، أن الفكرة الرئيسية وراء أحداث الانتحار الأخيرة أن أغلبنا يحاول تقليد فكرة عن قناعة بأن أي شيء قام به غيرنا نستطيع القيام به، وهذا هو الوتر الحساس الذي يجيد النصابون اللعب عليه حينما يقنعون فريستهم بالإيحاء أنها تستطيع تحقيق المكاسب المادية التي حققها آخرون إذا اتبعوا نصائحهم. وهذا بالضبط ماحدث مؤخرا، فبعد انتحار الشاب التونسي وثورة الياسمين وبعده أربعة شباب بالجزائر وحالتان في مصر. نجد وزير التربية والتعليم يتراجع عن قراره الأخير بشأن حركات النقل التعسفية، مما أكد للناس أن الانتحار يحل المشكلة.

أهم الاخبار