اخطف طفلاً.. واطلب فدية!

مع الناس

الثلاثاء, 08 نوفمبر 2011 16:39
تحقيق: سناء حشيش

انتشرت في الآونة الأخيرة جرائم خطف الأطفال مقابل فدية، خصوصاً بعد ثورة 25 يناير الماضي، الجديد في الأمر أن الجريمة - خطف الأطفال - لم تعد

بنفس أشكالها التقليدية، حيث كانت ترتكبها إحدي النساء انتقاماً من ضرتها، أو إحدي العائلات انتقاماً لخصومة ثأرية مع الأب، وكان خطف الأطفال مقابل المال، جريمة تتم في أضيق الحدود، لارتباط اسم مرتكبها بالعار باعتبار أن الأطفال أحباب الله، ويجب ألا يكونوا إحدي حلقات أي جريمة بأي حال ومهما كانت الظروف.
بعد ثورة يناير اختلف الوضع تماماً، حيث تسبب الانفلات الأمني في انتشار البلطجة والخطف، خصوصاً خطف الأطفال مقابل فدية كبيرة، لإطلاق سراحهم، وأدي تكرار تلك الحوادث إلي انتشار القلق والرعب لدي الأسر المصرية، ونظراً للانفلات الأمني زادت حوادث خطف الأطفال حتي كادت تكون يومية، وانتشرت الجريمة في كل المحافظات، وفي الريف مثل المدن.
لماذا انتشرت حوادث خطف الأطفال بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة؟.. هل العقوبات الحالية لا تكفي لردع مثل هذه النوعية من الجرائم؟.. أين أجهزة الشرطة من خطف الأطفال؟
تسببت حالة الانفلات الأمني في انتشار ظاهرة خطف الأطفال ولجوء البلطجية لمساومة أسرهم لطلب فدية لإعادة أطفالهم، فمن لديه القدرة علي دفع الفدية الباهظة يمكنه استرداد طفله المخطوف، ومن لم يستطع تدبير المبلغ المطلوب لا يمكنه ذلك، في ظل تخاذل بعض أقسام الشرطة عن الاستجابة للبحث عن الجناة مختطفي الأطفال، وظهر ذلك جلياً في حالة الطفلة «حنان» المختطفة بمنطقة العمرانية بالجيزة، حيث تم اختطافها في منتصف شهر أغسطس الماضي في وضح النهار بجوار منزلها، وقام والدها بإبلاغ الشرطة وترك لهم رقم الهاتف الذي اتصل به، لتهديده باختطاف ابنته، إلا أنه حتي الآن لم تتوصل الشرطة للمختطفين، ويتساءل والد الطفلة: لماذا تتخاذل الشرطة مع البسطاء من الشعب؟.. ولم تتحرك لمعرفة الخاطفين والقبض عليهم واسترداد الأطفال المخطوفين وتتركنا نتجرع الألم والحسرة لفراق أولادنا؟.. حيث لا نستطيع تدبير الفدية المطلوبة.
يذكر أن جريمة خطف الأطفال مقابل الفدية كثرت بعد ثورة 25 يناير ولعل أشهرها اختطاف ابنة رجل الأعمال المشهور عصمت السادات في شهر مارس الماضي، حيث طلب الخاطفون فدية قدرها خمسة ملايين جنيه، نظير إطلاق سراحها ولأنها ابنة رجل أعمال شهير وحفيدة الرئيس الراحل السادات كثفت الشرطة جهودها، وألقت القبض علي العصابة، وتمت إعادة النقود لوالد الطفلة.

تعديل قانون العقوبات
وبالرغم أن المجلس العسكري عمل علي تشديد العقوبات عقب تلك الجريمة، إلا أن حالات اختطاف الأطفال في تزايد، فقد تم إجراء تعديلات علي قانون العقوبات لمواجهة جرائم اختطاف الأطفال وذلك في شهر مارس الماضي في المادتين 296 و289، ففي حالة اختطاف طفل لم يبلغ عمره 12 عاماً يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن 5 سنوات.. وإذا كانت المخطوفة أنثي، تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقل عن عشر سنوات، وتصل العقوبة للإعدام إذا اقترنت جريمة الاختطاف بالاعتداء الجنسي علي الأطفال.
والسؤال: لماذا لم يتم تفعيل وتطبيق هذا القانون المعدل علي المجرمين حتي يتم ردعهم؟.. ولماذا التخاذل؟
أوضح تقرير حديث لمؤسسة «أولاد الأرض» أن شهر أغسطس من أكثر الشهور التي زادت به حوادث اختطاف الأطفال، حيث وصلت إلي 7 حالات في ذلك الشهر، وأشار التقرير إلي أن بعض المسجلين خطر والبلطجية اتجهوا إلي اختطاف الأطفال لابتزاز أسرهم، أو بيعهم في ظل غياب الأمن عن الشارع بعد الثورة، ورصد التقرير بعض حالات الاختطاف للأطفال، ففي منطقة

الأزبكية بالقاهرة قامت عصابة بخطف طفل، وطلبت فدية من والده رجل الأعمال، وفي الشرقية قام مسجلون خطر بخطف طفل، وطلب فدية من والده، وللأسف عندما عجز الأب عن دفع الفدية، قاموا بقتل الطفل وأحرقوا جثته.
وفي محافظة دمياط تعرض الطفل «محمد ياسين» للاختطاف في منتصف شهر سبتمبر الماضي وطلب المختطفون فدية من والده رجل الأعمال، ودفع المبلغ، وعاد الطفل وتم القبض علي العصابة بعد ذلك، وبعدها بيومين حدثت واقعة أخري في نفس المحافظة وطلب الفدية أيضاً.
وشهدت منطقة البدرشين بالجيزة اختطاف طفل عمره سنتان، وهو يلهو مع الأطفال بالشارع، وطلب المختطفون من جده فدية قدرها 150 ألف جنيه لإطلاق سراحه، وهددوه بقتله إذا لجأ للشرطة، واستجاب جد الطفل، ودفع 30 ألف جنيه خوفاً علي حياة حفيده، وتسلم الطفل في منطقة أطفيح وفر المختطفون هاربين.
كما شهدت محافظة سوهاج أيضاً حادثين لاختطاف طفلين، أحدهما في قرية أولاد جبارة بالعسيرات، وطلب المختطفون فدية قدرها 100 ألف جنيه وأشيع في ذلك الوقت أن المبلغ تم دفعه بحضور الشرطة لتأمين الطفل المختطف، وبعدها بأيام قليلة، تم اختطاف طفل في نفس المحافظة، بنفس السيناريو وطلب فدية قدرها 100 ألف جنيه مقابل عودة الطفل، ودفعت الأسرة أيضاً المبلغ وتم القبض علي المختطفين.

تراخي الحكومة
اللواء عادل العبودي - مساعد وزير الداخلية الأسبق - يؤكد حالات اختطاف الأطفال كانت موجودة قبل الثورة، ولكنها في تزايد بسبب تراخي الحكومة والانفلات الأمني الذي تعاني منه البلاد الآن، وإذا لم تواجه هذه الجريمة الخطيرة، بشكل أكثر صرامة، قد يصعب السيطرة عليها، فهي بداية لما هو أكثر في ترويع المواطنين، ويطالب بأن يكون هناك تضافر ما بين الشرطة والجيش في تشديد العقوبة، وأن يتم تطبيق قانون الطوارئ، وقانون العقوبات وأن تصل العقوبة للإعدام علي كل من يقوم بخطف طفل، حتي يكون هناك رادع للمجرمين، ويجب أن تكون هناك توعية للأسر المصرية بعدم ترك أطفالهم في ظل الظروف الراهنة وحدهم، وعلي المواطنين تأمين أنفسهم، والقيام بالإبلاغ عن حالات الاختطاف وعلي الشرطة عدم التهاون مع المختطفين، بأن تقوم بالقبض علي المجرمين، أو إطلاق الرصاص عليهم، طبقاً للقانون، وذلك لمن يقاوم السلطات، ويجب علي وسائل الإعلام التروي، وتحري الدقة في الحديث عن حالات الاختطاف، وعدم إثارة الشعب ضد الشرطة.. فبالرغم أن هناك قصوراً من الشرطة تجاه البلطجية والمجرمين ولكنها بعيدة عن التواطؤ ورعاية الخاطفين.
ويوضح أن هناك قصوراً في العملية التنظيمية للإبلاغ عن المفقودين، وهو إعطاء فرصة 48 ساعة ثم بعد ذلك تتحرك الشرطة، فمن المفترض أن يتم تعديل ذلك علي أن يكون البدء في فتح المحضر والتحرك فوراً عقب البلاغ، للبحث عن المختطف، لأنه في ذلك الوقت يمكن أن يصاب الغائب بمكروه من المجرمين، ويطالب بأن تعود الشرطة فوراً للشارع المصري وأن تتحسن العلاقة بين الشعب والشرطة وأن يزيد عدد أفراد الشرطة في الشوارع في صورة دوريات لحماية المواطنين وردع البلطجية والمختطفين.

جرائم عديدة
أحمد عودة - المحامي وعضو الهيئة العليا لحزب الوفد - يوضح: الانفلات الأمني الذي نعاني منه بعد ثورة يناير أدي إلي تفشي جرائم الخطف والسرقة بالإكراه، والاعتداء علي الأنفس والأموال والأعراض، وهي ظواهر مخزية نأمل أن يتم القضاء عليها إذا استردت الشرطة قوتها ومكانتها في المجتمع، حماية للأمن بجميع أنواعه، ولكن تمادي المجرمون إلي حد اختطاف الأطفال وطلب الفدية، وسرقة السيارات وطلب الفدية أيضاً، إلي غير ذلك من جرائم كلها تمثل جناية عقوبتها السجن المشدد، لا يقل عن 3 سنوات وتصل إلي عشر سنوات في قانون العقوبات، وإذا كانت الشرطة تتهاون فهذا أمر مؤسف، وما نشر منذ عدة أيام حول إتمام استرداد الطفل المختطف تحت رعاية الشرطة فذلك أمر يزيد الحال هماً، ومازلنا نتطلع إلي استعادة الشرطة لنشاطها، والقضاء علي المجرمين واستعادة أمن المجتمع وأمانه، لأن تلك الصورة تمثل عدواناً علي المجتمع والقانون.
ويشدد «عودة» علي وجوب تنفيذ العقوبات وبشدة وبمنتهي السرعة، من أجل استعادة المختطفين وضبط الجناة المجرمين.
يقول الدكتور أحمد يحيي «أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قناة السويس»: حالات اختطاف الأطفال ترتبط بالظروف التي تمر بها مصر بعد الثورة خاصة حالات الانفلات الأمني وهروب العديد من المجرمين والمسجلين والبلطجية من السجون، حيث وجدوا فرصة كبيرة ومهيئة ليمارسوا كل عمليات الإجرام الممكنة، سواء خطف الأطفال أو سرقة السيارات أو الهجوم علي محلات أو ترويع الآمنين علي الطرقات وغيرها، فكل هذه مظاهر من الانفلات الأمني الذي تعانيه الدولة في الآونة الأخيرة، فضلاً عن الحالة المادية المتردية، التي تتصاعد يوماً بعد يوم، لتصل ذروتها في عدم القدرة علي مواجهة أعباء الأسرة أو الفرد، فيلجأ المجرمون إلي مثل هذه الأنواع من الجرائم لطلب الفدية.
ويشير «يحيي» إلي أن الأمر يحتاج إلي توعية مشتركة من خلال الإعلام المرئي وتسليط الضوء علي مثل هذه القضايا، حتي ينتشر الوعي بين الأسر المصرية لحماية أبنائهم، ويجب أن تقوم المدرسة بهذا الدور أيضاً، وأن يشكل الرأي العام الجماعي وعياً للمواطنين، نحو التصدي لمثل هذه الظواهر، والضرب بيد من حديد وبقوة علي كل من تسول له نفسه القيام بهذه الجريمة، حيث أنها وصلت إلي شيء خطير وارتبطت بالقتل، مثلما حدث في محافظتي المنوفية والشرقية، ويدعو إلي أهمية تعامل المواطنين مع الشرطة وعدم الخوف من البلطجية والتأكد أن مصر مازالت بها شرطة قوية إذا أرادت وقادرة علي حماية الأطفال والأسر المصرية من هذه الجرائم.
ويشدد علي ضرورة تواجد الشرطة في تجمعات الأطفال، كالمدارس والنوادي والمناطق الشعبية وضرورة وجود الدوريات الراكبة في مصر.. فعلي الشرطة أن تسارع في العودة للشارع حتي يشعر المواطن بالأمن والأمان، فكثيراً ما يشعر المواطن بأن الشرطة غير جادة، أو غير مهتمة للقيام بواجبها في مواجهة المجرمين، ويواجه أيضاً بالمقولة المشهورة «حل مشكلتك بنفسك» التي ظهرت جلياً بعد الانفلات الأمني، التي مازالت تعمل بها كثير من أقسام الشرطة وهذا نوع من التخاذل يسيء لهيئة الشرطة، وتحطم ما تبقي من جسور الثقة بين المواطنين، وجهاز الشرطة الذي يجب أن يكون حائط الصد الأول لحماية المواطنين، وإشعارهم بالأمن.. لذلك يجب أن يكون هناك تعاون مشترك بين الشرطة والمواطنين فهذا هو السبيل الوحيد لحماية أبنائنا وممتلكاتنا وأموالنا.

الشرطة غير راغبة
يقول الدكتور عصام شلتوت «الخبير الاستراتيجي والعسكري»: انتشرت في المجتمع المصري جرائم جديدة مثل جريمة خطف الأطفال التي أصبحت لافتة للنظر ووصلت لحد الكارثة ولا تبذل الشرطة جهوداً كافية للتحري والقبض علي الجناة، لأن ذلك يتطلب عملاً شاقاً وجهداً كبيراً، ويبدو أن الشرطة غير راغبة في ذلك، ويشير إلي أن هناك ضعفاً في قانون العقوبات علي جريمة خطف الأطفال، ويقترح تشديد العقوبة لتصل إلي الإعدام، لمن يخطف طفلاً أو يشكل تنظيماً إجرامياً للقيام بالجريمة، لأن هؤلاء المجرمين لن تردعهم إلا عقوبة الإعدام، فهذه جريمة خطيرة تهدد أمن وسلامة المجتمع.. ويؤيد استمرار حالة الطوارئ وتطبيق أشد العقوبات والإجراءات علي هؤلاء المجرمين، وأن تتم إحالة كل من يرتكب جناية خطف الأطفال أو البلطجية وترويع المواطنين إلي محاكم عسكرية، وينالوا أشد العقاب، حتي يتخلص منهم المجتمع نهائياً.. فقد وصل الأمر من تراخي المسئولين في الشرطة في البحث والقبض علي القائمين بجرائم الخطف، أن ظن الناس أن هناك تواطؤاً بين قلة من أفراد الشرطة وعصابات خطف الأطفال.

أهم الاخبار