رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

النبيّ

مصطفى على

الأحد, 11 سبتمبر 2011 13:13
بقلم: مصطفى علي

كثيرٌ من أصدقائي قالوا إنهم كانوا يحلمون وهم صغار بأن يصبحوا أنبياء حين يكبرون، ويبدو أنهم لم يصدقوا ما قيل عن فكرة «النبيّ الأخير»، باعتبار منطقي هو أنه يمكن أن يكون بعد الأخير أخيرٌ آخرُ.. «فبعد أبي أتيتُ أنا.. وبعدي يُولدُ الأولادْ»..

وصدَّقتُ من بين ما صدَّقتُ أنَّ مفهوم النبي الختاميّ يسمح للسابقين باحتكار الألقاب ويُعاقب اللاحقين على مجرَّد التطلع إلى تناول بعضٍ منها ويكرّس لنهاية العالم وإصابته بالعقم.

لكنني أعود للتساؤل: هل كلُّ من يدَّعي سُلطة أو نبوَّة أو ألوهيَّة هو الذي منح نفسه هذه المرتبة أم أن غيرَه شهد له بالاستحقاق؟..

سؤال لا يمكن طرحه على أي دكتاتور، لأن الدكتاتور لا يُريد أن يُسأل، بل يُريد أن يُوجّه الأسئلة، لكن أطرحه على النفس وقت أن تبدو طيِّعة ومستكينة وتحلم بأن تعترف.

من هنا كانت إعادة التفكير في المراتب، من الإلهيّ إلى العاديّ، فتُطرحُ تساؤلاتٌ مثل: مَن يمنحُ الرُّتبة لمَن؟.. وعرفتُ وأنا أفكر أنَّ بداخل كل منا سُلطويًّا يسعى إلى تأليه ذاته وإعطائها ما يسلبه من الآخرين، فيُغالي في حجْب الآخرين عمَّا وصَلَ هو إليه من قنصٍ، إما باعتباره وصيًّا عليهم وعلى اكتشافه المقدس، وإما باعتباره حكيمًا يُدرك ما

لا يدركه من ليسوا في مرتبته، وإما أنانية وغطرسة وحقدًا على الآخرين.

ولكن التفكير لم يتوقَّف..

في زيارتي الأسبوعية لطفل عائلتي العبقري، الذي يُهديني إلى الأفكار الكُبرى وأقتبس منه كثيرًا مما أكتب وأفكر، طلبتُ منه أن يحكي لي قصة جديدة مما تعلمه، فحكى لي قصة النبي موسى عليه السلام، فقال إن الله أرسل له ملاكًا عند الجبل وهو عائد إلى بلاده، فصدمني بتغيير تفاصيل الحكاية، حيث إنَّ مَن حكى له القصة أخفى عنه أن الله كلم موسى تكليمًا بشكل مُباشر، فوجدتُني أختار أن أصدمَه أنا أيضًا بحقيقة تخالف ما قيل له في قصة النبي موسى، وحين عرف مني الحقيقة تفجَّرتْ لديه رغبة في أن يُكلم اللهَ هو الآخر، إذْ لا فرقَ بينه وبين موسى النبي منطقيًّا، لكنه صُدم حين أخبرتُه بكل ضَعفٍ أنَّ ذلك لن يحدث مرة ثانية كما حدث لموسى..

وقلتُ لنفسي: مادُمت لا أقدر على توفير تبعات الحقيقة له فلماذا أخبرتُه بها وفتحتُ له بابا من التمنّي العاجز؟.. إنني تصورتُ نفسي

أنتصر للحقيقة، وتصورتُ نفسي وصيًّا على ثوابت صديقي ومُلهمي الطفل، وتصوّرتُ أنَّ من حقه أن يعرف الحقيقة وألا يتوهَّم، لكنني لم أملكْ ولن أملكَ له أكثر من هذه التصوّرات، فلا يجوز لي أن أحقق له ما سيرغبه بناءً على الحقيقة التي رصدتُها له بمنتهى المهارة والسّلطوية.

واكتشفتُ المتسلط بداخلي والمحتكر، وأنَّبتُ نفسي كثيرًا حين حزن الطفل لأن الله لن يكلمه مثلما كلَّم موسى، فشكَّ في مفهوم العدل.. وقلتُ لنفسي: أنا سُلطوي الحكاية، منعتُ صديقي حتى من مجرد أن يحلم أن يكلمه الله، وقلتُ عاتبًا: «كان يجب عليَّ أن أحترم حلمه وأن أترك غيري ليرتكب جريمة إخباره بالحقيقة».

ولم أعد أجرؤ على سؤال أي طفل: عايز تبقى إيه لما تكبر؟

وكنت قد صبَّرتُ نفسي بتفسير ما فعلته على النحو التالي:

أنا لا أقبل أن يضحك إنسانٌ على زميله في الإنسانية ويزيّف له الحقيقة ويتعامل مع خياله باعتباره قاصرا.. فطفلي المُلهِم والملهَم قادر على تخيّل الله لا شك حتى ولو في صورة ضبابٍ أو مطرٍ ناعمٍ أو طائرٍ خرافيٍّ أبيضَ، وقادرٌ على التواصل معه مثل موسى، بشرط أن يُريد.

وبرَّرتُ وأفضتُ في التبرير حتى أبدو أمامي مُخلصًا للحقيقة وأتمثل لصديقي وكأنني أنا الوحيد القادر على كشف الأشياء الغاضمة له.  

بفضل هذا الاحتكار قلَّ الحالمون.. وبذنب الحواجز المقدسة قل الحالمون.. وبآفة أولئك المحتكرين للحقائق والقيادات والسلطات والمناصب والوصاية والنصائح والخبرات والنبوة والألوهية.. قلَّ الحالمون ونحن في أمس الحاجة إليهم..

قلُّوا وصاروا بفعل حماقاتنا عاديّين رغم أن طريقَهم إلى السماويّ كان مفروشًا بالورود..

[email protected]