رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إِنْسَانُ المَيْدان

مصطفى على

الأحد, 21 أغسطس 2011 10:37
بقلم: مصطفى علي

حكى القاصي والدَّاني عن اختلاف شكل الناس في ميدان التحرير، أرض ميعاد المصريين في قرنهم الحادي والعشرين.. فمنهم من قال «ناس ميدان التحرير دول فاضيين»، لكنهم اتفقوا على نُبل أهداف المتجمِّعين في الميدان، سواء قلَّ عددُهم أو كثُر..

ومنهم من قال إن «الأشكال، التي كانت أيام يناير وفبراير، اختلفت عن تلك، التي ارتادت الميدان في الجُمَع التي أعقبت تخلّي مبارك عن السُّلطة»..

فتساءلتُ عن الاختلاف، فقيل لي «يبدون كالبلطجية»، فقلتُ وما شكلُ البلطجية؟ فقالوا «أعينُهم ضيقة ووشوشهم فيها علامات الإجرام»؟.. فسألت: وهل للإجرام علامات؟ فقالوا نعم.. «ضربة سكينة.. خبطة شومة.. لطشة مطواة»..

ودُهشتُ من الاقتران الشرطي بين الشكل والمضمون عند المصريين، إنهم يربطون بين الأشياء والأحداث ربطًا مشوَّهًا يحتاجُ إلى تحليل.

فحين يرون «إنسان الجيش» يمتلئون تبجيلا له وتوقيرًا، وحين يواجهون «إنسان الشرطة» بما يرتديه من بَيَاضٍ يُذكر بالكَفَن، يُصابُون برجفةٍ ويستعيذون بالله، خاصة إذا تحلَّى هذا البياض بشاربٍ من نوع قرن الغزال ونظارة شمسية قد تكون مما يُباع على العربات في ميادين مصر، خاصة «رمسيس»، بحوالي 4 جنيهات على الأكثر بعد الفصال.

أمّا وهُم يتجوَّلون في مولد الحسين أو السيدة فيحتاطون من أي شخص يقف إلى جوارهم باعتباره من الحراميّة، فيسمونه «إنسان المُولد»، ولا ينشغلون إلا بتلك الحيطة رغم أنهم حضروا إلى المكان، ليمارسوا طقوسًا مقدسة لديهم أو يقضوا وقتًا

للمتعة في هذه الأماكن التاريخية.

وحين يلمحون سيدة مُنتقبة في الشارع أو في المواصلات العامة فتمنوا لو اختاروا مكانًا آخر، لئلا يروا هذه الكتلة السوداء تتحرك على الأرض أو تَثبُتَ أمامَهم، فيسمّونها «إنسان السَّواد»، رغم أن السيدة تمشي في حالها ولا تؤذي مشاعرهم في شيء، لأنها حُرّة كتلك التي اختارت أن تُبرز لنا جمالها بصدر وخصر وكعب يرن في أذنيك وأزياء تخلعك من بدنك وترميك إلى خيالك لتكمل السكة وحدك.

بشر على كل لون تأخذ تسميتها من شكلها، استنادًا إلى الحقيقة التي تقول إن السائل يأخذ شكل الإناء الذي يحتويه، لكن إذا تحققت هذه القاعدة بشكل علمي على السوائل والموائع فهل يجوز تطبيقها على البشريّ، خليفة السماويّ في الأرض؟..

وها قد مرَّت جُمَعُ ما بعد الثورة والمليونيّات، وأعتقد أنها تدريجيًّا ستُصبح نسيانًا يُروى عنه، فلا إنسان في الميدان الآن سوى خوذة وزي أسود يتخلله «إنسان الأمن المركزي» أو «باريه» أحمر وتحته «إنسان الشرطة العسكرية»، وتحوَّل ميدان التحرير إلى ساحة تحزيم وتطويق للحرّيات، وصارت حديقة الميدان أو التي كان يحلو لكثير من مراسلي الفضائيات والصحف تسميتها بـ«الكعكة الحجرية»، تذكّرني بفيلم «دائرة

الانتقام» للأستاذ نور الشريف، سعد الدَّالي حاليا، الذي يدخل في معارك لم أفهمها في «الدَّالي 1 و2»، ويبدو أنني لنْ..

ولن أتعجَّبَ أبدًا إذا تحوَّل الميدانُ بعد سنواتٍ قليلة إلى ما هو أبشع في ظل حكومات دكتاتورية لاحقة إذا مُدَّ الخَطُّ على استقامته، فقد تُبنَى بالميدان أبراج سكنية بحجة توفير سكن للشباب الثائر، وقد تُقسَّم أرضه ما بين مبنى «جامعة الدول العربية» لمزيد من القدرة على اتخاذ قرارات شجب واستنكار واستهبال، ويأخذ مبنى مجمع التحرير نصيبًا لحل أزمة الزحام من أجل إنجاز مصالح المواطنين بشكل أسرع، أما مطاعم «التيك آوي» فربما يطالها جزءٌ من الميدان لعرض اختراقات غذائية جديدة بأحدث الصيحات الأمريكية، وقد يُنظر بعين الرحمة إلى مُعدَمي الدَّخْل، محدودي الدخل سابقًا، ويُسمح لهم بإقامة أكشاك لبيع مزيد من الجرائد التي راجَتْ وتروجُ وستروجُ طالما عاشت الفضائح والمشاحنات والاختلافات سعيًا لتحقيق أهداف الثورة المجيدة..

وقد تتحوّل ساحة الحرية، التي شربت دماء من راحوا مجانًا، إلى مقلب زبالة، أو مصنعًا لإعادة تدوير المخلفات، ووقتها يُصبح الكلامُ عن «إنسان الميدان» خاليًا من الشكل والمضمون.

وسيكون الأمر المؤلم الباقي وقتها من نصيب راكبي المواصلات العامة ورفقاء المقاهي وعابري السبيل، فسوف  يُصابون بالملل، لأنهم سيفتقدون الحديث المسلِّي عن الثورة والميدان واختلاف أشكال البشر فيه، من «ثوار يناير الطاهرين» إلى «بلطجية المليونيات المَرجُومين»..

أما فضائيات «سلعة السياسة» فسيعودون إلى الراقصة فلانة التي خدشتْ الحياءَ العام، والممثل فلان الذي يفكر في أن يُدفن بالقمر مثل حُلم مايكل جاكسون القديم، وسيُغرقون الجُمهور الطيّب بجوائز من نوعية رحلة عُمرة، شاملة الإقامة والحَسَنات والجنَّة بالمرَّة، إذا اتصل على الرقم الظاهر على الشاشة ليجيب على السؤال التالي: مَنْ هُوَ بَاني مصرَ الحديثة؟ 

[email protected]