رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نُبْلُ الفئران

مصطفى على

الأحد, 12 يونيو 2011 11:43
بقلم: مصطفى علي

قال لي: لن تستطيع العبور.. قلتُ مبررًا: ولكنني أرى الرصيف المقابل جيدًا، وغالبًا ما كان يفشلُ الرفاق معي في لعبة "المسّاكة" من فرط ما أنا مراوغ، حتى أن أمي كانت تدوخ وهي تطاردني في الصالة الضيّقة لتعاقبني بعصاها، بلا سبب، لكنني كنت أتمكن من الإفلات من بين يديها كأنني دخان.

فقال لي: المهمة الآن أصعب بكثير من الإفلات من يدي أمك.. فقلتُ: وأين الصعوبة وأنا أرى الرصيف المقابل؟.. فقال لي: لأنك في قلب القاهرة.. فقلتُ: ليكن.. إذا كان على الرصيف المرتفع لدرجة «قطم الظهر» وعدم صلاحيته إلا إلا لعدائي الحواجز، فأنا متكفل بذلك، فلي خبرة في القفز لم أفقدها بعدُ.. وإذا كان على البلاعات وحُفَر وخوازيق الطريق، فأطمئنك بأنني لا أستطيع السير على الطرق الممهدة.. فقال لي: وماذا ستفعل في هذه السيارات المربوطة ببعضها كذيول الكلاب؟.. قلتُ: ما أكثر وقوفها بفعل الإشارات وكثرة العابرين مما سيسمع لي بعبور هادئ..

فقال لي: أنت على يقين إذن من عبورك.. قلتُ: أكثر من إيمانك بعدم العبور..

ولكي أكون صريحًا وأكثر صلابة

أعلنت بيني وبين نفسي أنني خائف في بادئ الأمر، لكن الخوف لم يمنعني من المغامرة، فبدأت أراقب الطريق لأتوثب بين السيارات في اللحظة المناسبة لأفلت منها، عيني على الرصيف المقابل، عيني عليه كأنه الأمل الأخير في النجاة من الموت.

ولا أعرف لماذا تذكرت فئران بيتنا، التي كانت تسقينا من المر كؤوسًا بمهارتها المرعبة في التخفي في أصغر المساحات والانثناء ككلام المنافقين والقفز كغزلان الغابات..

تذكرت الفئران وما فعلته بي طوال عمري من رعب، ولم أكن أعلم ما فائدة الفئران في الحياة، وكثيرًا ما سألت أمي، لكنها لم تكن تجيبني إلا بأشياء تزيدني كراهية لهذا الكائن الحقير المؤذي الباعث على كل ما هو مقزز..

شيء وحيد أخبرتني به أمي، وهو أن الفأر حين يقع في فخ السم الذي نضعه له على قطع الطماطم أو الخيار، يحذر أصدقاءه الفئران برائحة يصدرها وقت موته لكي يتجنبوا السم الذي تناوله.

وظل الفأر لغزًا محيرًا ولم تزدني المعلومة إلا كراهية له، فهو بهذه الرائحة التحذيرية يظل محافظًا على سلالة الفئران التي تصدر لي الرعب بحركتها المفاجئة وتجعل الأسرة كلها في حالة طوارئ حتى يقع الصيد في المصيدة، ويجعلني أتجنب أماكن في البيت وكأنها أماكن مزروعة ألغامًا..

انتبهت إلى صديقي وهو يقول: كنْ حذرًا!.. ليس فقط من السيارات ولكن أيضًا من المارة زملاء العبور، فمن الممكن أن يدوسوا عليك في أية لحظة؛ لكي يمروا فوق جسدك إلى الرصيف المقابل.. قلتُ: لقد تعلَّمت الدرس جيدًا، فلا تُوصِ حريصًا!..

ولا أعلم في أي فترة بدأت أتعاطف مع الفأر؟ وكتبت عنه مرة بنوع من الشفقة، وطالبت بأن نصبح نبلاء مثله، نتصرف بشهامة حتى ونحن نموت، لكن أعتقد أن هذا التعاطف بدأ ينمو تجاه الفأر منذ وجدت بني البشر لا يستسْهلون سوى أن «يهرسوا بعض» للوصول إلى لقمة العيش، أو سرقة العيش، أو تهريب العيش من المخابز تحت رعاية بلطجية استأجروهم خصيصا من أجل هذه المهمة القذرة..

أي نبل لهذا الفأر الذي يموت ولا يهتم بمقاومة الموت بقدر ما يهتم بإرسال رائحة تحذيرية لأقرانه لئلا يموتوا؟.. إنه النبل الذي يستحقه الإنسان، لكنه فرّط فيه بلا مقابل لصالح كائن ضئيل الحجم مفاجئ الحركة.. مقزز وشهم.. أبيض ورمادي وبني.. جبان وذكي.. يخيفني وأحترمه.. موحش للأماكن الخالية وملهم للقصائد السرية.