إبليسُ شهيدًا

مصطفى على

الأحد, 22 مايو 2011 12:07
بقلم: مصطفى علي

 

لا يمكن أن نُغفل دور أديبنا الكبير توفيق الحكيم وإنجازه الأدبي، ولا أخفي أنني أحببت مسرح الرجل ومعالجاته الفنية، التي عرَّفتني حلاوة العبث والشطح بالأفكار إلى آخر المدى، فكان الحكيم على المستوى الشخصي أول من قدَّم لي مخلوقًا اسمه «الدَّهشة».

وكنت في بدايات الإدراك قابلا لتصديق الأفكار ببراءة أو بسطحية، فصدَّقت الحكيم، وشكرتُ له أنْ جعلني أصدِّقُ يومًا ما، حين عرض في قصة له بعنوان «الشهيد»، تصوُّرًا ما ورائيًّا بأن إبليس أراد أن يعود إلى رحمة ربه، بعد عصيانه بعدم السجود لآدم، أو أنَّ الكاتب أراد له ذلك رحمةً بالمصير المنتظَر له.

 

وكان على إبليس، في القصة، أنْ يختار من بين ثلاث طرق أيُّها يسلك، ليعود إلى مظلة رحمة الرب، بعد طرده منها صاغرًا وإصابته بالتحدِّي والغطرسة وتخطيطه لئلا يكون وحيدًا في الجحيم، وإعلانه مخطّطه للجميع، فكان عدوًّا واضحًا لا يُباغت خصومه بالغدر.

وكانت الطرق المقترحة لإبليس هي الأديان السماوية الثلاثة ومَن يمثِّلها من شيخٍ الإسلام ورجل دين مسيحيٍّ وأحد أحبار اليهود.

وإذا بالطرق تنسدُّ أمامه، ولا يرتضي أيٌّ من الأديان السماوية أن يساعد إبليس على العودة، لكي لا تنهدَّ أديانهم، فإبليسُ لدى الجميع شرٌّ وفي الجحيم الأبدي مآلُه لا محالة، وهو الرجيم الطريد

العدو، وهذا جزءٌ من عقيدة بني البشر في كل زمان ومكان.

وكان تأويل القصة بأن هذا المصير مفروض على إبليس، أي سيؤدي دور الشرير إلى الأبد ويُرفض له حق العودة، منطقيًّا بالنسبة لي في هذه السن، فصدَّقت أنه «شهيد»، مكتوبٌ عليه أداء دور محدد في الحياة مثل أيِّ إنسان يراعي مهنته بضمير، بل هو أكثرنا ضميرًا، لأنه لا ينام الليل ولا يكل بالنهار، ولا يضيِّع من عمره ساعةً أمام مباراة كرة أو مستأنِسًا برفيقٍ على المقهى، أو متنزهًا في المغارب أو متكاسلا أمام البحر لينسى تعب السنة.

إنه دؤوب لا يعطِّله عن مهمته الموكَلة إليه شيءٌ مهما عظُم.. يعني عامل ما عليه وزيادة.

لا سبيل إذًا أمامه للخروج عن النص المكتوب، فيقول «أنا الشهيد.. أنا الشهيد، فتناديه السماواتُ والأرض والجبال: أنت الشهيد، أنت الشهيد».

مسكينٌ إبليس.. صدَّقتُ ذلك وأشفقت على «شهيد الحياة»، كما سمَّاه الأستاذ الحكيم، كلَّفه ربُّه بإغواء بني البشر ورسم شهوات داخلهم وتزيينها ليعيشوا حياة تعيسة لا تُرى فيها سعادة ولا يشمُّ أحدٌ خلالها إلا

رائحة الخراب.

لم أتذكر تفاصيل هذه القصة منذ أن قرأتها صغيرًا، إلا حين تداول الناس، بعد وسائل الإعلام، أنباءَ عفْوٍ عن الرئيس السابق، مبارك، على أن يتنازل الرجل عن ممتلكاته، أقصد ممتلكاتنا، لصالح الدولة ويقدم اعتذارًا للشعب، على:

تجويع 30 سنة، تخريب الحياة سياسيا واجتماعيا، سرطنة أجيال بفكر ملوث، بناء دكتاتورية فردية مركزية تصنع من الباقين عبيدًا لخدمة السلطان، أي سلطان، تربية فاسدين صغار وحيتان جمع الأموال تحت قيادة رشيدة وحكيمة من سيادته، تحطيم معنويات شعب بأكمله وقتل طموحه في أن يكون له غدٌ يبص له بعين الرحمة ويمنحه منامًا هادئًا كأي حيوان مطمئن..

إلى آخر الأخطاء التي ارتكبها عمدًا مع سبق الإصرار والتخطيط بمعاونة زبانية فاسدين مفسدين، أحياء وأمواتًا.

يطلب الرجُلُ العفوَ والسماح من القادر الآن، الشعب، الذي كان مسكينًا ولا يزال.. يطلب العفو وكأنه داسَ على أرجلنا خطأً في المترو، فكل شيء بقدَر من الله وما هو إلا مُنفِّذ مسكينٌ خَدَم مهنته الشريرة بأمانة وضمير لا نظير لهما. يطلب العفو ويتنازل عن ممتلكاته التي اجتهد في نهبها 30 سنة، ليصبح بطلا من نوع مختلف، بعد أن كان، زُورًا وبهتانًا ونفاقًا، بطلا للحرب والسلام..

إذا سامحَ اللهُ إبليس، الشهيد، وأدخله فسيح جناته كأي تقيٍّ خيِّر ضحَّى لإسعاد البشرية، سيكون لنا أيها السادة القانونيون والعسكريون والمواطنون عينٌ أمام أنفسنا ونحن نفكر في العفو عن مبارك مقابل أن يتنازل هو، متعطفًا علينا، عن أموال أخذها منا بالسطو المسلح، كأي قاطع طريق، ووقتها أتصوَّر أننا سنخجل من أنفسنا، فهذا النوع من العفو محضُ هَوانٍ جديد.