رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

أقصر خطبة فى تاريخ مصر

مصطفى عبيد

الأحد, 25 يناير 2015 19:20

أستنطق التاريخ لأقرأ الحاضر . أذوب شوقا وعشقا فى الماضى مُترصدا خُطى المستقبل فى وطن احترف نسيان ماضيه، وعدم النظر إلى مستقبله.

الحكاية لطيفة رواها لى المرحوم سعد فخرى عبد النور سكرتير حزب الوفد الراحل، وهى شاهدة، وبليغة وتستحق أن تُروى لتفسير المشهد الآنى.
فى يناير عام 1950 فاز حزب الوفد فوزا كاسحا فى انتخابات البرلمان بعد غياب ست سنوات عن الحُكم، وقام مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة واختار الدكتور طه حسين وزيرا للتعليم فيها. وأمام مجلس الوزراء احتشد الآلاف يهتفون لمصر وللوفد، وكان عميد الأدب العربى مُطلا من الشرفة فطلب إليه الناس أن يُلقى كلمة للتعبير عن عودة حزب الأغلبية للحُكم. تأهب الحضور للاستماع إلى الرجل الذى خطب أقصر خطبة فى تاريخ السياسة المصرية. قال طه حسين كلمتين فقط ارتجت لهما الأرض تصفيقاً وتهليلاً.
كانت الكلمتان بليغتين ومعبّرتين عن كل

ما يتصوره أنصار الوفد وخصومه. قال الرجل: «عُدنا فعُدتم». ولاشك أن تلك الخُطبة البليغة تنطبق على أكثر من معنى. منها مثلا أننا عُدنا نحن زُعماء الآمة وممثليها فعادت إرادة الشعب. ومنها أيضا أننا عُدنا حُكاما فُعدتم مُصفقين أو عُدنا أصحاب نفوذ فعُدتم مؤيدين.
والدلالة أن تلك المقولة تُحلل بوضوح كثيراً من غرائب المشهد الآنى، فكما يشعر المصريون أنهم استردوا وطنهم مع تولى عبد الفتاح السيسى رئاسة مصر، فإن كثيراً من المُتسلقين وسماسرة السياسة يشعرون بأنهم عرفوا الطريق باستقرار الاوضاع، وتصور هؤلاء أن كيل المدائح، ونحر الذبائح للرئيس يفتح لهم أبواب الرزق والتسلُق.
افتحوا نوافذكم سترونهم كثُراً أكثر مما تتخيلون. اعتادوا التصفيق، وألفوا طأطاة الرؤوس، يظنون أن تقديس الرجل، وشن الحملات الصاخبة
ضد كُل مًن يختلف معه أو يعترض على رأى أو توجه يجعلهم أكثر قُربا. أعرفهم فى الصحف أكثر مما تتخيلون، وأشاهدهم على الشاشات يكررون زعيقهم. أراهم كُل يوم فى لافتات تأييد شعبية ومُلصقات تشوه جُدران شوارعنا.
هؤلاء أدران كُل عصر وعلله مُنذ عهد محمد على عندما كتب له بعض مشايخ الأزهر يُحرضونه على عُمر مكرم، وحتى ما كتبه أحد رؤساء التحرير عن مُبارك بعنوان «ولدت مصر يوم مولدك». هُم أخطر فى ظنى من الإرهاب، لأنهم يُعمون الحاكم عن مشاهد القُبح فى الوطن.
لو كان الحاكم ملاكا - ويقينى أنه لا ملائكة على الأرض - لشيطنوه، ولو كان ساعيا إلى العدل لصنعوا أمامه مطبات تدفعه دفعا إلى غير ذلك. سيقولون له أنت الأعلم وأنت الأكرم وأنت الأعظم، وكل العالم يتعلم منك. سينشدون أناشيد التقديس والتعظيم ليل نهار، وسيخفون ما يختلف عن رؤاه وأفكاره.
عُدنا فعدتم أيها الطبالون والزمارون والهتيفة. عادت الدولة المصرية المُستقرة فعادت طموحات الانتهازيين مرة أخرى.
ما أملكه هو القلم، لذا كتبت هذه الكلمات كى لا أنال اثم الساكت عن الحق. والله وحده أعلى وأعلم.

[email protected]