خارج السطر

محاكمة هزلية

مصطفى عبيد

السبت, 30 يوليو 2011 20:36
بقلم : مصطفي عبيد

يحكي المرحوم كمال خالد في كتابه الشهير «شاهد علي أغرب المحاكمات» الصادر عن دار الاعتصام عام 1975 كيف شهد محاكمة القاتل السادي صلاح نصر في القضية الشهيرة لانحراف المخابرات عام 1968 وكيف ضرب كفاً بكف مما يراه في تلك المحاكمة العجيبة.

يقول الرجل إن صلاح نصر دخل يخفي عينيه بنظارة سوداء ويحمل عصا مطعمة إلي القفص، ولما صوره أحد المصورين صاح غاضباً «هات يا ولد الكاميرا دي، انا اللي علمتكم الكلام ده» ونظر المصور لكبير الحراس فأمره ان يطيع صلاح بك نصر الذي أخذ الكاميرا واخرج منها الفيلم وسلمها لصاحبها مرة اخري.

وعندما وقف علي نور الدين ممثل الادعاء

يكيل التهم للطاغية، ورجل المخابرات المنحرف صلاح نصر ويتحدث عن انحرافاته الأخلاقية والسياسية وجرائم التعذيب، هب صلاح نصر داخل القفص وصاح فيه «ما اتفقناش علي كده في المستشفي» ثم نظر الي الحارس وصرخ فيه قائلاً: افتح يا ولد القفص» ونظر الحارس الي رئيس المحكمة ففوجئ به يقول «افتح له القفص»، وخرج صلاح نصر وهو يوزع الاتهامات والشتائم يميناً ويساراً.

كان المتهم اقوي من قضاته، وسجانيه، وجموع الشعب الغاضب. وكان من الواضح ان الرجل فوق القانون والدولة والعدالة، وأن الرئيس جمال عبد الناصر بكل

ما عرف عنه من جبروت وحزم لا يمكنه محاكمة الداهية الأخطر لأنه يمتلك ما يحول المدعين الي متهمين، وحملة سيوف التطهير والمحاسبة الي مذنبين.

وفيما بعد خرج صلاح نصر من مصر دون حساب علي دماء سُفحت، وأرواح أزهقت، وأعراض انتُهكت وعاش حراً طليقاً غنياً الي ان رحل الي دار الحق.

ومن يشهد اللغط الدائر حول الرئيس السابق حسني مبارك ومحاكمته ومكان المحاكمة والتهم المنسوبة إليه وحالته الصحية وتصريحات محاميه الفذ «فريد الديب» يشعر بهزلية القضية من بدايتها، ويشتم رائحة «التمثيل» تماماً كما جري في المحاكمة العجيبة وحكاه لنا كمال خالد المحامي قبل بضعة عقود.. إنه من الواضح أن مبارك لن يحاكم رغم كل ما يكتب وينشر عن ذلك، ربما لأنه يعلم ما لا يجب إعلانه، وربما لأنه يمتلك ما يضمن له الحماية حتي آخر نفس.. والله اعلم.

[email protected]