خارج السطر

مسمار في كرسي الوطن

مصطفى عبيد

الاثنين, 27 أغسطس 2012 10:16
بقلم: مصطفي عبيد

ليست  مزحة، ولكنها قصة حقيقية وردت في مذكرات الدكتور محمود إسماعيل استاذ التاريخ الشهير والمعنونة بـ «جدل الأنا والآخر».

يحكي الرجل أنه كان يحاضر في جامعة القاهرة في بداية السبعينيات عندما اشتبك بسرواله مسمار صغير خارج عن حدود الأدب علي سطح الكرسي الجالس عليه، غضب الرجل، وطلب من العامل ثني المسمار كي لا يتكرر المشهد المحرج ويتمزق سرواله أمام الطلبة، في المحاضرة التالية فوجئ أستاذ التاريخ بنفس المسمار يعبث بملابسه ويمزقها مرة أخري، اشتكي الرجل لعميد الكلية وحصل علي وعد بإصلاح الكرسي احتراماً لهيبة الأستاذية،  ثم سافر الدكتور «إسماعيل» في إعارة إلي إحدي جامعات المغرب طالت عدة سنوات، وعندما عاد وجلس ليلقي بمحاضراته مرة أخري في نفس الجامعة فوجئ بنفس المسمار يمزق سرواله، في تلك اللحظة لم يجد الدكتور محمود إسماعيل بداً من تحطيم الكرسي تماماً أمام طلابه الذين

انفجروا في الضحك فحكي لهم قصة المسمار.
تذكرت الحكاية وأنا أتابع المشهد المكرر للوطن الجريح، الوطن هو كرسي الجامعة والشعب هو الجالس عليه، وجماعة الإخوان المسلمين هي المسمار الناتئ.. لا هو مستقيم في جسد الكرسي حتي رأسه ولا هو نائم علي جانبه بغرض دعم التحام ساق الكرسي بقاعدته.
كنا نتعاطف ونتضامن ونتحامل لصالح الجماعة وقت أن كانت ممنوعة من ممارسة السياسة، كنا نري أعضاءها أناساً لهم الحق الكامل في الترشح في الانتخابات وجمع الأنصار وتقويم أداء الحكم، وقتها كانت الجماعة في محنة، كيان موجود وغير موجود، معترف به ومنكر، مقبول إن كان مؤيداً للنظام، ومحظور متي عارضها.
والآن اختلف الأمر واتيح لأصحاب التيار الديني تأسيس أحزاب، وولد بالفعل لأول مرة في مصر
حزب سياسي لهم هو «الحرية والعدالة»، ونجح الحزب في شهور قليلة في اختطاف كافة السلطات في مصر، ومع ذلك مازالت الجماعة قائمة، خارج سيطرة الدولة، بعيداً عن رقابة الأمة، ممنوعة من حساب الشعب.
لا تعرف الديمقراطيات الجماعات المغلقة، الحزب السياسي كيان علني والجماعات سرية، الحزب كيان قانوني والجماعات خارج اطار القانون، الحزب ينتج قراراته تحتياً، والجماعة فوقياً، الأحزاب تكريس للشفافية والحرية، والجماعات ترشيد  للانقلابات والمؤامرات.
إن بقاء جماعة الإخوان المسلمين بكيانها غير الشرعي هو إخلال متعمد بمبدأ تكافؤ الفرص، فالأحزاب لها ميزانيات معلنة وتخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات ومعلوم مصدر كل جنيه يدخل إليها، لكن الجماعة غير المقننة حرة  أن تتلقي التمويل من أي جهة او دولة أو فرد دون حدود.
إن الرئيس مرسي سبق وأعلن اعتزامه تقنين أوضاع جماعة الإخوان المسلمين، لكنه لم يفعل، وما أراه واجبه كرئيس يحترم القانون ويؤمن بالمساواة والعدالة أن يحل الجماعة تماماً، ما دام هناك حزب سياسي يعبر عن برامجها هو حزب «الحرية والعدالة».. إن بقاء المسمار في كرسي مصر دون تهذيب قد يدفع إلي تحطيم الكرسي باكمله، والله أعلم.

[email protected]