الأحزاب والإنتخابات..ملاحظات تفتقد المنطق

مصطفى عبدالرازق

الاثنين, 27 ديسمبر 2010 21:01
بقلم: مصطفى عبد الرازق

من تفنيد موقف النخبة والجماهير بشأن قضية تزوير الإنتخابات، الموقف الذي يراه الدكتور عبد المنعم سعيد غير صحيح .. وبعد أن عمد إلى التنظير لأسس نجاح الحزب الوطني، الذي خصص مجموعة مقالاته الاخيرة لقضية الإنتخابات، ينتقل الكاتب إلى ما يعتبره تحليلا لموقف الأحزاب متناولا بشكل خاص موقف الوفد باعتباره، حسب وصفه، صاحب "مكانة خاصة بحكم التاريخ".

 

في إطار تناوله يأخذ الدكتور سعيد على الأحزاب المعارضة إنقساماتها الداخلية باعتبار ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى تدهور موقفها خلال الإنتخابات، ومع الإقرار بأن هذه الأحزاب ، تعاني من مثل هذه الإنقسامات، إلا أن ما يغفله الكاتب هو سياسة تفجير الأحزاب من الداخل والتي لا تنبع من الأحزاب ذاتها بقدر تعلقها بسياسة رسمية تستهدف القضاء على فرص وجود حزب قوي ومستقر في مواجهة الحزب الوطني!

وأما عن الحزب غير المشروع لجماعة الإخوان المسلمين فيرى أن فشله يعود لأنه "جعل الأممية الإسلامية فوق الوطنية المصرية"! والسؤال هو إذا ما صح طرح الكاتب هل يعد هذا الأمر جديدا؟ بمعنى ألم يكن الحزب – أو الإخوان - يجعلون الأممية فوق الوطنية المصرية في إنتخابات الدورة الماضية عام 2005؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، وهي كذلك، فعلي أي أساس نجحت الجماعة ذاتها بـ 88 مقعدا في الدورة الماضية؟

في مناقشته لموقف الوفد وفي محاولة للتقليل من قدر الإنجاز السياسي للحزب يشير

الدكتور سعيد إلى ما حققه الوفد في أول إنتخابات له عام 1984 فيذكر "لم يكن ذلك عائدا إلى نشاطه وحيويته بقدر ما عاد إلى تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا" وهو هنا يقع دون أن يدري في حالة من التناقض بشأن موقفه من الإخوان التي يراها تفتقد الشعبية حيث في هذه الصياغة إمتداح للإخوان، وتأكيد على رسوخها في الشارع؟ رغم اتهامه لها في سطور سابقة بالمقال ذاته بـ "عدم وجود برنامج واضح وصريح لدولة مدنية".. فهل فوز الوفد بـ 50 مقعدا جاء على خلفية تبني برنامج الإخوان لدولة مدنية آنذاك؟ وإذا لم يكن هناك برنامج لا آنذاك ولا الآن ففيم الإختلاف إذن؟ ولماذا فاز الوفد والإخوان بتلك المقاعد في 1984 ولم يفوزوا بخمسها في انتخابات 2010؟

مواصلة لمحاولة النيل من الحزب المعارض الرئيس - الوفد - الذي يخصص له قدرا كبيرا من الهجوم يشير الدكتور سعيد إلى ما يصفه بظاهرة السيولة في الإنتماء للحزب ، مستشهدا بمثال الدكتورة منى مكرم عبيد، وهي ظاهرة تمثل جزءا من طبيعة الحياة الحزبية المصرية ويعيشها الحزب الوطني بشكل أكثر وضوحا.. فلماذا مثلت خللا في

الوفد ولم تمثل خللا في الوطني؟ الجواب لا لشئ إلا لأن الدكتور سعيد يسعى لتوظيف الأمر لصالح الرؤية التي يدافع عنها!

والرؤية العامة التي يقدمها الدكتور سعيد في معرض تناوله لموقف الوفد باعتباره أكثر الأحزاب جدارة بالنقاش هو أن "الحزب سار في منحنى من التراجع رغم عودته المبشرة في مطلع الثمانينات". يبدو هنا مجافاة ما يقدمه الكاتب للمنطق والعقل.. فإذا كان من الصحيح القول أن حزب الوفد قد مر بتوترات أثرت على شعبيته وبشكل خاص تلك الأحداث الدامية التي تمثلت في الصراع بين الدكتور نعمان جمعة ومحمود أباظة، إلا أنه من غير المنطقي إنكار أن الإنتخابات الأخيرة التي جاءت بالبدوي رئيسا للحزب قد غيرت النظرة ليس للحزب فقط بل لمسيرة الحياة الديمقراطية في مصر، فلأول مرة يصل رئيس مؤسسة في مصر سياسية أم غير سياسية إلى كرسيه من خلال صندوق الإنتخابات، وهو ما عزز الأمل بإمكانية التغيير في مصر، ليس فقط على مستوى الوفد أو غيره من الأحزاب وإنما على مستوى مصر بمجملها، الأمر الذي انعكس في الظاهرة التي يشير إليها الدكتور سعيد، وإن بشكل سلبي من وجهة نظره، وهي ظاهرة الهجرة الجماعية من قبل مثقفي مصر ونخبتها إلى الوفد. الأمر الذي نراه نحن يعكس حالة تعطش لمناخ ديمقراطي حقيقي، يبقى على الوفد استثماره إذا أراد بحق أن يكون في طليعة الأحزاب الديمقراطية في مصر.

على المستوى الشخصي كنت أتمنى للدكتور سعيد، الذي حاضرني يوما في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية كأستاذ بدعوة من خصمه السياسي الدكتور حسن نافعة، ما تمناه هو للراحل محمد السيد سعيد .. ذلك أن أفضل ما يمكن له فعله "هو أن يعطي حجرة هادئة وقلما‏، وسوف ينتج من الأفكار ما نباهي به الأمم".