لغز الموقف الرسمي من سد النهضة

بقلم : مصطفى عبد الرازق

في تقديري، وأظن أنني لست مخطئا في ذلك، أن هناك لغزا أو ألغازا تحيط بالموقف المصري الرسمي من أزمة سد النهضة.. فهو حتى الآن وفي حدود ما يصدر من تصريحات عن

المسئولين يثير من التساؤلات الكثير بشأن حقيقة إدراك مصر لحجم الخطر الذي يمثله السد. هناك إجماع- وليس شبه إجماع- على أن السد يمثل خطرا على مصر ومستقبلها وأمنها المائي، فيما يبدو الموقف الرسمي وكأن المشكلة تتعلق بخطر على مستقبل مصر آخرى افتراضية ليست في كوكبنا الأرضي. من واقع الرصد لأولويات الدولة لا يمكن لأحد القول بأن الأزمة تحتل مرتبة أولى. وإذا حاول أحد إقناعنا بغير ذلك فليأت لنا بدليل. حتى تصريحات وزير الخارجية نبيل فهمي يبدو وكأنها تحرز أهدافا في مرمانا لصالح الخصم فيلجأ إلى توضيحها بأنه لا يقصد أن مصر ستقدم مساهمات مالية لإنشاء السد وغير ذلك.
هل معقول أن مصر التي هي قد الدنيا تعجز عن مواجهة مشكلة تتعلق بحياتها على هذا النحو؟ هل هو عجز نظام؟ أم أزمة دولة؟ أم طبيعة مرحلة؟ تبدو الإجابة خليطاً من هذه الاحتمالات.. فقد علت نبرة النظام السابق في ظل حكم مرسي وبدا أنه يتخبط في مواجهة الأزمة رغم حقيقة أنه بدا واضحا أنها استغلت من خصومه لتأليب الرأى العام عليه وهو ما يفسره الغليان الإعلامي بشأنها آنذاك وهدوؤه الآن.
لا تحاول هذه الكلمات تقديم رؤى بقدر اثارة تساؤلات فقد أفاض خبراء وعلماء في القضية والمجال ليس متاحاً للفتوى من قبل جنرال مقهي مثلي، وآخر تلك الرؤى تلك التي نشرتها صحيفة الأهرام أمس حول تأكيد

مجموعة من الخبراء أن السد يهدد الأمن القومي المصري وأن المطلوب تحرك عاجل على المستوى الدولي لوقف تنفيذه.
من الصعب بالطبع إن لم يكن من المستحيل اتهام أحد بالتواطؤ مع أثيويبا، غير أن شبهة أو تهمة الإهمال تبقى هي القائمة.. فكل يوم نسمع عن تقدم حجم الإنجاز في السد وقد نصحو فجأة لنجده قد اكتمل فيما مصر تبحث عن السبل المناسبة لوقفه! لسنا من دعاة الحرب ولكنها ظاهرة إنسانية منذ فجر التاريخ ووسيلة دولية معتمدة تنظمها قوانين للدفاع عن النفس. ورغم رفض الممارسات الإسرائيلية إلا أن في بعضها ما قد يكون عبرة أو نموذجاً لنا.. إن تل أبيب لم تتوان عن ضرب مفاعل أوزيراك في العراق– بعد لقاء لبيجين مع السادات في الإسماعيلية مباشرة– تحت دعوى أنه يمثل خطرا عليها، وقامت بنفس الفعل تجاه سوريا منذ سنوات مضت.
التحركات الأمريكية بشأن أوكرانيا تعبر عن فكرة شبيهة وإن لم تكن بنفس حيوية ما تمثله أزمة سد النهضة لمصر، فواشنطن تصارع على مناطق نفوذ وليس حياة أو موتا ورغم ذلك فالصراع مع روسيا على أشده.. هل هذه دول تدرك مصلحتها ونحن لا؟
وإن عجبت فما عليك أن تعجب سوى من تصريحات شخص مثل الأستاذ حسنين هيكل الذي راح في موقف يثير التساؤل ليؤكد أن «السيسي»– وأضاف صباحي فيما بعد– ليس بحاجة لبرنامج رئاسي.
لو أن الأمور في مصر كلها على ما يرام والانسان يعيش في أزهي لحظاته ولم يبق سوى أزمة سد النهضة لوجب أن تكون هي برنامج «السيسي» أو غيره من مرشحي الرئاسة! يأتي ذلك رغم تأكيد هيكل من قبل في لقاء آخر– صالون التحرير- على أن قضية الأمن المائي من أخطر القضايا التي تواجه مصر.
مرة ثانية لست خبيراً ولكن من قواعد القانون الدولي، إذا لم تتخذ موقفاً بشأن قضية تواجهها فإن ذلك يعد اعترافاً قد يرتب عليك حق القبول بما ترفضه وهو ما يشار إليه  بالاعتراف بالأمر الواقع  أو على نحو ما كان يردد دوما أستاذنا الراحل عز الدين فودة «de facto»، ولذلك تجد أن دولة مثل الإمارات ورغم أن جزرها الثلاث محتلة من قبل إيران منذ أكثر من اربعين عاما وأصبح أمرا واقعا إلا أنها تحرص في كل مناسبة دولية على تأكيد مطلبها بعودة الجزر تأكيداً لحقها وحتى لا يدخل الأمر دائرة النسيان أو الحقيقة التي قد يصعب معها طرح مطلب استعادتها.
أمام مصر من الخيارات الكثير، بدءا من العمل على تعطيل تمويل السد مرورا باللجوء إلى المنظمات الدولية بشكل رسمي بما فيها مجلس الأمن باعتبار أن أزمة سد النهضة يمكن أن تؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين مرورا بعملية جراحية سريعة لوأده في مهده. الأزمة في تصوري ليست فيما إذا كانت هناك خيارات أم لا.. وإنما في إرادة اعتماد أي من هذه الخيارات.
وسط هذه الأجواء لا يمكن للمرء سوى التعبير عن أسفه أن يحتل صراعنا الداخلي الجزء الرئيسي من اهتمام الدبلوماسية المصرية حسبما أشارت الأهرام أمس أيضا نقلا عن صحيفة لوموند والتي ذكرت انها– الدبلوماسية المصرية- تنشط بقوة ضد جماعة الإخوان فيما أن الخطر المشترك «أزمة النهضة» لن تفرق بين إخواني وغير إخواني تهدد بالإطاحة بمستقبل مصر.. الدولة والإنسان. قد تكون هذه الكلمات زادتك حيرة.. وهو ما قد يعبر بدقة عن العنوان الذي اخترته لها والذي يؤكد غموض موقف الدولة بشأن «النهضة».

[email protected]