رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

كلام جرايد

بقلم -مصطفى عبدالرازق

 

بعيداً عن الجدل الحاصل حول باسم يوسف وبرنامجه، فإن أكثر ما لفت نظري، على خلاف ما قد يكون لفت نظر كثيرين، ذلك الفيديو الذي بثه «البرنامج» 

للسفير الروسي في القاهرة حول نتائج زيارة الفريق السيسي لروسيا والتي راح يؤكد فيها أن صفقات الأسلحة التي تحدثت عنها الصحافة المصرية مصدرها «الصحافة المصرية».. بمعنى آخر يريد الرجل أن يقول بكل ذوق إنه لا أساس من الصحة لمثل هذه الأخبار وأنها مفبركة ومن وحي الخيال.
لا أريد أن أقع في الخطأ الذي يقع فيه كثيرون من الإعلاميين الذين يتحدثون فيما لا يعلمون ويفتون فيما ليس لهم دراية به، فليس لدى معلومات محددة عما جرى سوى ما نشر في الصحف التي من المفترض في النهاية أنها مصدقة أو ذات مصداقية لدى ولدى القارئ.
سألت نفسي: هل معقول أن كل ما نشر عن صفقات أسلحة تقدر بمليارات الدولارات ليس له أساس على أرض الواقع؟.. وما الذي يدفع الإعلام لنشر مثل هذه الأخبار؟.. وهل يؤكد ذلك فكرة أن كثيراً من الحقائق أو التي نعتبرها كذلك في حياتنا ليست سوى شائعات أو أخبار مختلقة وملفقة؟
بالنسبة لي وأنا واحد ممن يتابعون الصحف من ناحية، ويقدمون مادتها للقارئ من ناحية أخرى يبدو لي الأمر مربكاً.. فمن الجاني ومن الضحية؟.. ومع التأكيد على أن هذا الأخير – الضحية - في

كل الأحوال هو القارئ.. فإن صانع الأخبار قد يقع في ذات المكان ويكون مجبراً أخوك لا بطل.. وأبسط مثال على ذلك المثل القائل وما ناقل الكفر بكافر.. فالصحفي في النهاية ينقل عن مصادر معلومات قد تكون صحيحة وقد تكون غير ذلك ومن الصعب عليه التيقن من كل معلومة ترده.. صحيح أن ذلك ممكن في بعض الأحوال.. لكن صعب في كلها.
ليس في ذلك محاولة لإعفاء الصحف من مسئوليتها وإنما هي محاولة للتفسير والتوضيح وإن كان ذلك لا يعني البراءة التامة للإعلام.. فالإعلام.. أي إعلام.. سواء كان في دول ليبرالية أم شمولية.. يلون نسبة كبيرة من أخباره وتختلف تلك النسبة حسب مستوى التسلطية والشمولية في نظام الدولة التي يوجد بها هذا الإعلام من ناحية، ومستوى المصالح التي يعكسها ويمثلها هذا الإعلام من ناحية ثانية.. الأمثلة عديدة بما في ذلك دول الغرب التي يحلو للكثيرين التشدق بحرية التعبير بها.. حيث إن نسبة كبيرة من الأخبار التي تنشرها الصحف تكون مسربة من جهات عليا بما فيها الاستخبارات لأهداف مختلفة قد يكون الصحفي ناشر الخبر آخر من يعلمها أو يدركها.. وهناك نماذج عديدة تضيق المساحة
عن ذكرها وقد تجد طريقها إلى كتاب مستقل عن بعض ما يمارسه الإعلام في الغرب من تضليل في قضايا تعكس مصالح الجماعة القائمة على رأس الحكم أو لوبيهات محددة تسعى لترويج أخبار محددة ذات رسائل محددة للقراء.. بل إن الأمر يصل في بعض البلدان إلى ما يعرف باسم غسيل المخ أو العقول.. تلك العملية التي تهدف إلى ما يمكن توصيفه بتزييف وعي القارئ بشكل تام.. ويحضرني هنا دراسة أشارت إلى أن بعض المواطنين البريطانيين، بفعل إلحاح الإعلام، كانوا يعتقدون أن الفلسطينيين ليسوا هم أهل فلسطين الحقيقيين، وإنما هم لاجئون قدموا من كوسوفو وما جاورها وأنهم يسعون لطرد السكان الأصليين من اليهود!
عودة لتصريحات السفير الروسي فإنها تكشف عن حجم التهافت في موقف الإعلام وتثير التساؤلات بشأن أبعاد هذا الموقف الذي قد يكون في جانب منه رغبة في تزيين وضع النظام القائم أو تسويقه للقارئ، وإلا بماذا يمكن تفسير تلك الأخبار التي ثبت عدم صحتها، وفقاً لتصريحات السفير الروسي التي لم يكذبها أحد حتى الآن؟.. من المثير للدهشة ويضعف ثقة القارئ فيما تنشره الصحف ويعزز المقولة التي صدرنا بها العنوان «كلام جرايد» أن الإعلام راح يتحدث عن سيناريوهات يبدو معها وكأن الصفقة قد تمت وراح يستعرض نوعية الأسلحة التي تشملها وقيمتها وغير ذلك، بل والحديث عن تمويل دول خليجية لها.
لعل الدرس الذي يمكن الخروج به من هذه القضية هو ضرورة تأني الإعلام في تناول القضايا المهمة ومحاولة النأي عن تلوين الأخبار قدر الإمكان باعتبار أن تحقيق هذا الهدف بشكل كامل شبه مستحيل.. وإلا فليخرج علينا من يؤكد أن هناك صفقة تمت ووقعت، وهو الأمر الذي يبدو حتى الآن ما زال كلام جرايد!


[email protected]