قرار الشعب.. وتغييب آليات الديمقراطية

بقلم - مصطفى عبد الرازق

قلنا ونقول وسنقول إن خطواتنا بعد إقرار خارطة المستقبل يجب أن تكون محسوبة بدقة باعتبار أنها سترسم مستقبلنا ومستقبل نظامنا السياسي لعقود إن لم يكن لقرون طويلة مقبلة. وعلى ذلك يجب أن ننأى بأنفسنا عن الحماسة التي تنتاب البعض والبحث في الوقت ذاته عن سبل تلجيم العنف الذي قد ينتاب سلوك آخرين. نقول ذلك بمناسبة بوادر تبلور الحملة التي عرفت نفسها باسم «قرار الشعب» وتدعو لانتخاب السيسي رئيسا.

بداية فإن الحملة في ذلك لا تتميز عن غيرها من الحملات التي رفعت راية هذا المطلب والذي قد لا يعكس في منظور البعض سوى مطلب شعبي كبير في ضوء المكانة التي حققها السيسي حسب هذا الفريق من خلال ما لعبه في الساحة السياسية الداخلية في تطورات ما بعد 30 يونية. كل ذلك وأكثر قد لا يكون هناك غبار عليه، فمصر في حاجة لأن ترسو بسفينتها على شاطئ الاستقرار إذا كان في مثل تلك الخطوة تحقيق ذلك الهدف. غير أن ما سبق شيء وما تتبناه حملة قرار الشعب شيء آخر يبدو مغايرا تماما على نحو يدعو لوقفة للتأمل والتعبير عن الدهشة في ضوء ما قد يكون فيه انتكاسة لآليات الحكم تعود بنا إلى الوراء لما قبل ديمقراطية أثينا!
ذلك أن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها حملة قرار الشعب هي «تنصيب الفريق السيسي رئيسا للجمهورية لمدة 5 سنوات بدون انتخابات» طبعا على أساس «برنامج محدد يتضمن كل أهداف الثورة وطموحات وأحلام شعب مصر».
وعلى هذا الأساس عززت الحملة جهودها حتى وصل مجموع التوقيعات التي تمكنت من جمعها حتى الآن نحو 25 مليون توقيع. ومن اللافت للنظر أن من بين الموقعين اللواء خالد

فودة محافظ جنوب سيناء وهو في منصب رسمي ما يمثل دفعة للحملة وتعزيزاً لمصداقيتها. وفي ظل عدم ترشح الفريق السيسي حتى الآن فإن لنا أن نتصور أو نتخيل كم سيصل عدد التوقيعات التي ستتمكن الحملة من جمعها خلال الفترة المقبلة والتي قد تتجاوز الخمسين مليوناً إن لم يكن الستين مليوناً، وقد يبالغ البعض عن حماسة وحسن نية فيصل بجملة الموقعين لعدد أفراد الشعب المصري رغم أن من بين هذا العدد أطفالا رضعاً وشيوخا في مرحلة الكهولة لا يعون ما حولهم. 
ومن اللافت للنظر كذلك أن الحملة تجاوزت مستواها المحلي فوسعت نطاق نشاطها ليشمل الخارج، حيث تم فتح مقرات لها في عدد من الدول غير قليل منها سويسرا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، في ذات الوقت الذي يجري فيه فتح مقرات أخرى في دول جديدة.
وإذا كنا نأمل أن نعيش في أجواء ديمقراطية فإنه ليس من الديمقراطية المصادرة على رؤية البعض لشكل المستقبل الذي يطمحون لأن تكون بلادهم عليه أو شخصية الرئيس الذي يرغبون في أن يحكمهم، غير أن ذلك أيضا شيء وانحراف البعض عن مسيرة الديمقراطية التي نأملها وندعو لأن تكون حكما بيننا شيء آخر. ذلك أن هذا النهج وهذه الحماسة – الدعوة لرئيس بدون إنتخابات – تمثل في أبسط مظاهرها تقويضاً للديمقراطية وتغييباً لها باعتبارها إحدى الآليات الأساسية التي توصل إليها الفكر الإنساني بعد رحلة بحث مضنية عن أفضل سبل الحكم الرشيد.
صحيح أن الديمقراطية قد لا تمثل النهج الوحيد للحكم، وتكشف جولة فكرية على نظم الحكم في مختلف دول العالم عن ذلك، وصحيح أيضا أنها كانت سيئة  السمعة حتى في الفكر الغربي حتى ثلاثة أو أربعة قرون مضت، غير أن العرف استقر عليها وأثبتت نجاحا يجعلها الأفضل في آليات اختيار الحاكم.
وإذا كان من مناقشة هادئة لأسس الحملة فإن الانتقاد الأول الذي يمكن أن يوجه لها يتمثل في أنها تخالف الدستور الذي تمت الموافقة عليه منذ آيام ويحدد خطوات معينة لتنصيب رئيس الجمهورية، تتم من خلال انتخابات رئاسية.. التنافس فيها هو الطابع الأساسي.
من ناحية ثانية، فإن آلية جمع التوقيعات من المفترض أنه عفي عليها الزمن أو تبقى في إطار الرمزية ولا تتجاوز كونها مؤشراً على اتجاهات الرأى العام تنقصه المصداقية التي يجب البحث عنها من خلال مؤشرات أخرى يمكن لها أن تعززها. ويرتبط بهذه الآلية آلية الحشد.. حشد الجماهير.. وتنطبق عليها ذات الملاحظات. وننقل هنا ما ذكره أحد الباحثين حول هذا الموضوع بإشارته إلى أنه «في الدول الأقل ديمقراطية فإن اللجوء إلى الحشود للتأثير على صانع القرار يكون الشكل الأكثر ظهورًا، خاصة مع غياب أو عطب الآليات الديمقراطية التشاركية».. وإذا كان البعض قد يرد بالإشارة إلى نموذج حملة «تمرد» فإن مجال تفنيد استدعاء هذا النموذج قد يطول وليس هنا مجال مناقشته وقد يكون له موضع منفصل. وما يمكن التأكيد عليه هنا أن إسقاط  الرئيس المعزول مرسي من خلال مثل هذه الآلية يجب أن يبقى استثناء وليس قاعدة للتغيير وتحديد شكل الحكم.
من ناحية ثالثة، ومما يؤكد ما نذهب إليه هنا هو عدم نص الدستور، الذي من المفترض أنه يعكس توافقاً شعبياً بغض النظر عما صاحب إقراره من جدل، على أي شىء من هذه الآليات.
من ناحية رابعة فإن اعتماد مثل هذه الآليات قد يضع نظامنا السياسي في مهب الريح.. حيث تستطيع أي قوة مؤثرة – ليست بالضرورة شعبية -داخلية أو خارجية أن تقوم بما يمكن توصيفه بـ«هندسة» اتجاهات الرأى العام نحو التوقيع أو الحشد في اتجاه محدد لا يصب في المصلحة القومية. أفيقوا يرحمنا ويرحمكم الله.

[email protected]