ميلاد حنا .. ومخاطر الإستقطاب الطائفي

بقلم - مصطفى عبد الرازق


أن يحذر المجلس الأعلى للقوات المسلحة من المساس بوحدة النسيج المصري في مناشدة خاصة تدعو إلى الحرص على عرى العلاقة بين المسلمين والأقباط، فذلك يؤكد توافر مؤشرات قوية لديه على أن هذه العلاقة تمر بتوترات وفترة حرجة تستدعي هذه المناشدة. ويمكن للمرء أن يلمس ذلك من خلال العديد من المظاهر التي تشير إلى أننا نعيش حاليا ما يمكن وصفه بمرحلة خطيرة من الاستقطاب الطائفي.

وإذا كان الأمر يمكن فهمه على مستوى فئات من المواطنين .. مسلمين وأقباط .. فإن الخوف كل الخوف أن ينزلق إلى هذا الاستقطاب رموز النخبة المصرية أيا كان انتماؤها الديني .. الأمر الذي يشعرنا بقدر من القلق مما حواه الحوار الذي أجرته مجلة "المصور" مع الدكتور ميلاد حنا في عدد 27 أبريل الماضي وتضمن العديد من الرؤى التي تعتبر – في رأينا – مؤشرا خطيرة على ما وصل إليه حال الاستقطاب الطائفي في مصر في الآونة  الأخيرة.

وإذا كان يمكن للقارئ أن يستشف من خلال غلاف المجلة الرغبة لدى القائمين عليها في خلق أجواء إثارة من خلال عنوان لم يقله المتحاور معه، فإن القراءة الدقيقة للحوار تكشف عن

أبعاد أخري ينبغي التوقف عندها ومناقشة  الدكتور ميلاد صاحب التوجه العلماني بشأنها.

من خلال الحوار نلحظ تركيز الدكتور ميلاد وبكثافة على نقطة نتصور أنه يجب إغلاق ملفها إذا كنا نرغب في فتح آفاق واسعة لتجاوز المناخ الطائفي في مصر ألا وهي الحديث عن المواطنين الأصليين وغير الأصليين.

إن الدكتور ميلاد يشير في مواضع أربعة – ليست واحدة أو اثنتين أو حتى ثلاث – من الحوار إلى أن الأقباط هم أصحاب البلاد الأصليون. ورغم أن هذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل، إلا أن السياق الذي ترد فيه الإشارة وبهذا الإلحاح يحمل معنى مفعم بالتوتر يشعر المرء بالأسف لوجوده لدى الدكتور ميلاد، نظرا لما يمكن أن يثيره من ردود ومواقف على الجانب الآخر تزيد من حالة الاحتقان ولا تقضي عليها.

من النقاط الخطيرة في الحوار – إذا لم يكن المحرر قد خانه التوفيق في مضمونه بشكل دقيق – إشارة الدكتور ميلاد في معرض حديثه إلى أهمية السعي لإقامة دولة مدنية إلى

أن ذلك يجب أن يتم من خلال النضال والذي على رأسه، حسب نص الحوار، الحرب الأهلية.. وهو تعبير يجب أن يختفي من قاموس الحوار المسلم القبطي انطلاقا من أن أي طرف لا يملك ترف خوض هذا السيناريو، فضلا عن التفكير فيه.. وإلا فإنه الجنون بعينه!!

يمكن للقارئ من خلال متابعة الحوار أن يلتمس العذر للدكتور ميلاد الذي بدا مستنفرا – على خلفية أسباب خاصة به – لم يستطع بمنطقه العقلاني الذي عهدناه منه أن يقدمها بشكل يكسب عقل القارئ ووجدانه.. فالدكتور ميلاد يلوح بحياته في مواجهة الدولة الدينية التي لن تقوم حسب تعبيره إلا على جثته. كما أنه يحذرنا مما يستشرفه مما يصفه بمرحلة اضطهاد جديدة للأقباط إذا وصل الإخوان الحكم.. ولا يترك أمامنا خيار سوى دولة علمانية، لا يقبل أن يخرج آخرون ويرفضونها على جثثهم كما يقدم هو جثته في مواجهة الدولة الدينية!

والانطباع الأخير الذي يمكن للقارئ أن يخرج به أن روشتة الدكتور ميلاد أستاذ الهندسة - وليس الطب - قد تزيد الأخطار على المريض الذي يريد معالجته مما يعزز حقيقة أننا في حاجة إلى روشتة أخرى .. الدواء الرئيسي فيها هو التسامح والذي لايميز بين أبناء مصر جميعا مسلمين وأقباط سوى على أساس المواطنة وليس الدين أو العرق أو حتى اللون.. وذلك هو المخرج الوحيد والحقيقي لمصر من مستنقع الاستقطاب الطائفي بغض النظر عن التسمية التي نطلقها على الدولة التي تحقق لنا مثل هذا الهدف.