رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو فهم معاصر للسنة النبوية

مصطفى عبدالرازق

الثلاثاء, 20 نوفمبر 2012 23:56
بقلم - مصطفى عبد الرازق

مناسبة هذا الحديث ما تطرق إليه خطيب الجمعة في المسجد الذي أصلي فيه الأسبوع الماضي والفيلم التركي الذي عرض في مصر مؤخرا وهو «محمد الفاتح». ففي الخطبة والفيلم ما يثير العديد من التساؤلات بشأن طبيعة فهمنا للحديث النبوي، ومن ثم السنة النبوية ككل، ومدى مناسبة هذا الفهم مع واقعنا المعاصر.

وقبل أن نبدأ فإن هذه السطور ينبغي أن تؤخذ في حدودها دون مبالغة في سوء الفهم. نعلم أن هناك من يمكن وصفه بأنه يتربص بالسنة – سلوكا وقولا للنبي صلي الله عليه وسلم - وأن الأمر يصل بالبعض إلى إنكارها، وهم من يطلق عليهم بـ «القرآنيين». غير أن ذلك شىء وما ننبه إليه شىء آخر.. ومقدما لا نرى فيما يمكن أن يرفعه بعض الجهال من انتقادات لما قد نذهب إليه مجالا لمصادرة ما نود قوله وعدم الحديث عنه، فالفهم النقدي لديننا يبقى عنصرا أساسيا وحيويا في حسن تعاملنا به وعلى النحو الذي نتجاوز به التعامل الطقوسي لآفاق أرحب من المتصور أن إسلامنا يقدمها لنا سواء في حياة الأولين أو في حياتنا المعاصرة.
المهم أنه في إدانته للعدوان الإسرائيلي على غزة راح الخطيب ينبهنا ويؤكد لنا بأن الحرب مع إسرائيل قادمة لا محالة وكان سنده الحديث المشهور الذي يردده الكثيرون وهو: لا تقوم القيامة حتى يقاتل المسلم اليهودي فيختبئ اليهودي خلف الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله!
السؤال الذي يطرح نفسه في معرض تناول مضمون الحديث يتعلق بطبيعة تصويره للمعركة التي ستقوم بين المسلمين واليهود.. من خلال حجر وشجر.. فهل ستكون تلك المعركة أو الحرب على النحو الحرفي الوارد في الحديث ما يعني أن الإنسانية ستعود في

مرحلة من حياتها إلى سيرتها الأولى؟ فيختفي ما نحياه من تقدم والاستخدام المكثف للآلة وغير ذلك من تطورات تكنولوجية؟ في تقديري المتواضع أن ليس هذا هو معنى الحديث، رغم أن عودة الإنسان لسيرته الأولى في الحياة تبقى محتمل بمنطق الخيال العلمي. يطرح ذلك سؤالا آخر مؤداه: هل  لا يتجاوز حديث النبي التصوير الرمزي منطلقا من البيئة التي كان يحياها وفي الحدود التي لا تتجاوز عقل المسلم في عصر النبوة.. وهو الأمر الذي نجد آيات على شاكلته في القرآن خاطبت المسلمين في حدود إدراكاتهم العقلية بمعايير ذلك الزمان. بافتراض تثبيت معايير أخرى في التعامل مع الحديث فإن هذا هو الفهم الأقرب للصحة.
ينقلنا ذلك إلى نقطة ثانية بالغة الأهمية.. وهو ما يرتبط بالمناسبة الثانية التي أشرنا إليها بشأن فتح القسطنطينية.. وهي: هل يمكن للمسلمين التأسيس لقضايا حياتية مستقبلية انطلاقا من الأحاديث النبوية؟ المسألة هنا ليست مبادئ أو قيماً نبوية دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم وإنما رؤى تدخل في نطاق الغيبيات؟ هل يعني منطوق الحديث ان نبقى في استعداد سرمدي للحرب مع اليهود؟ - ليست هذه بأية حال دعوة لاعتبار إسرائيل أو اليهود من غير الأعداء أو غير ذلك لقطع الأمر على المزايدين. وإذا كانت الحرب قادمة مع اليهود كما حذرنا الخطيب فهل هذه الحرب هي المقصودة في الحديث؟ وفي حال حدوثها فهل ستمتد لتكون بين مختلف دول العالم الإسلامي وإسرائيل أم أنها بين مصر فقط والدولة
العبرية؟ كل هذه إشكاليات يمكن بسهولة أن يتبين لنا كيف يوقعنا فيها الفهم النمطي للحديث النبوي، وهو فهم يضعنا في دائرة أسئلة لا إجابة لها.
ولكيلا نطيل بما يتجاوز حجم مقال في جريدة سيارة ننتقل إلى فيلم «محمد الفاتح» وهو يطرح الإشكاليات ذاتها ولكن بشكل مختلف. يبدأ الفيلم بمشهد للمدينة المنورة  عام 627 ورجل يتلقى الحديث من النبي (ص) ثم يخرج ليخبر جمعه أن الرسول بشره بفتح القسطنطينية. والمعنى واضح: يريد الفيلم أن يقول لنا أن هذا الفتح جاء تحقيقا لنبوءة من الرسول. من الأسئلة التي تطرح نفسها هنا أيضا.. إذا افترضنا صحة الرواية – وأنا هنا أكتب دون العودة لمصادر تستطيع أن تسعفني في تحديد موقف بصحتها من عدمه – هل كانت كلمات الرسول نبوءة تكشف عن غيب؟ وماذا عن الآيات التي تشير إلى أنه لا يعلم الغيب إلا الله – وهو أمر تناولناه في مقال سابق.
هل هذه الرؤية الكاشفة عن هذا الغيب استثنائية؟ بمعنى أنها تتعلق بقضية واحدة أم أنها عامة؟ وإذا أقررنا مبدأ أن الغيب بيد الله وحده ففي أي إطار يمكن وضع الحديث النبوي في هذا الشأن؟ هل يمكن اعتباره نوعاً من الأمنية التي كانت دافعا لتحقيقها على يد محمد الفاتح؟ هذا هو التصور الأقرب للقبول. وحتى في هذه الحالة فإن السؤال هو: هل يجوز محاولة تسويق الفتح باعتباره ينطلق من أساس ديني أم أن حقيقة الأمر أنه جاء في إطار صراع القوى القائمة بالشكل الذي عكس مسار العلاقات الدولية في ذلك الوقت؟ مصدر التحفظ على هذا الطرح أن الأساس الديني استخدم من قبل الكثير من الحكام على مدار التاريخ الإسلامي للتأسيس لشرعياتهم التي لم يكن لها من سند سوى هذا الأساس؟
السؤال: وماذا نفعل إذا تعارض الحديث مع العقل؟ الحل كما قدمه ابن رشد في التأويل سواء للقرآن أو السنة.. وكما عمل سابقه ابن تيمية في محاولة درء تعارض العقل والنقل.. وإذا كان هذان العلمان وغيرهما اجتهدا بمنظور زمانهما.. فأليس من الأولى بنا أن نجتهد بمنظور زماننا من أجل ترسيخ فهم معاصر للسنة - وكذا القرآن - بالشكل الذي يتواكب مع تطورات حياتنا؟!.

[email protected]