رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التلاوي.. وتشومسكي.. والظاهرة الإسلامية

مصطفى عبدالرازق

الثلاثاء, 30 أكتوبر 2012 22:09
بقلم - مصطفى عبد الرازق

لعل أبلغ دلالة على العنت الذى تلقاه الظاهرة الإسلامية فى مصر بعد ثورة يناير تلك المفارقة البالغة التى تكشف عنها تصريحات صدرت من ميرفت التلاوى رئيس المجلس القومى للمرأة ونعوم تشومسكى المفكر والمحلل وأستاذ اللغويات الأمريكي. ورغم أن الربط بين الشخصيتين قد يماثل غرابة التقاء الشامى مع المغربى إلا أن طبيعة المواقف التى عبرا عنها وتزامن توقيتها تفرض تلك المقارنة والربط بين ما صدر منهما باعتبار أنه بالتضاد تتضح الأشياء.

فقد نشرت جريدة الأهرام فى 24 أكتوبر الجارى خبرا موسعا عن زيارة التلاوى لمدرسة الأقصر التى شهدت واقعة قيام مدرسة منتقبة بقص شعر تلميذتين بعد رفضهما الحجاب، ولو صحت التفاصيل التى نشرتها الجريدة وهو ما يؤكده توافق صحف أخرى فى وصفها، فإن الأمر يمثل إدانة صريحة لموقف التلاوي.. ففى الوقت الذى حرصت على أن تبدو فيه كمن تقدم للمجتمع درسا فى سبيل حماية الأطفال فشلت فى تقديم درس واجب بشأن التسامح، حيث راحت تمارس ذات العنف الذى تنتقده فى سلوك المعلمة المنتقبة.
بدا من تفاصيل الخبر أن التلاوى نصبت نفسها قيمة على شئون المجتمع وحامية لقيمه وفقا لوجهة نظرها دون أن تترك مجالا لرؤى أخرى. وبدلا من أن تواجه التلاوى التلاميذ الذين استقبلوها بهتاف يبدى التظلم من الموقف المتخذ مع المعلمة بالمنطق، راحت تتهمهم بالكذب مؤكدة أن «التمثيليات دى مش حتخيل عليا» دون أن تراعى - وفق سياق الخبر - بكاء الطالبات اللاتى رحن يطالبن بعودة المعلمة صاحبة المشكلة. ولا ندرى ما إذا كان بكاء الطالبات جزء من التمثيلية أم لا..

ولو كان كذلك، فأتصور أنه كان من الواجب على التلاوى أن تلتقط هذه المواهب على الفور لضمها إلى فرق تمثيل فى القاهرة والكشف عن مواهب جديدة. ليس ذلك فقط بل إن التلاوى راحت تبث الرعب فى قلوب التلاميذ من أن من قص شعرهم اليوم قد يقطع أذنهم غدا – على نحو يذكرنا بما نفخ فيه البعض بالحديث عن قطع أذن قبطى فى واقعة ثبت أنها لم تتم وصدر الحكم ببراءة المتهمين فيها.
واستمرارا فى عنفها النفسى مع التلاميذ راحت التلاوى تتخذ موقفا عدائيا تجاه الطالبات فلم تزر سوى الفصل الذى شهد الواقعة، فى موقف لا يليق بالتعامل مع أطفال ذوى عقل محدود حتى لو غابت عنه البراءة كما تصورت التلاوي، ومربية فاضلة ذات عقل راجح وكبير.. من المفترض أنها تضع نفسها فى موقف الموجه لمسيرة القيم المجتمعية فى الاتجاه الأفضل.
الأكثر مدعاة للدهشة أن التلاوى فى تشددها الذى يوازى إن لم يكن يفوق تشدد المتطرفين الإسلاميين على الجانب الآخر – فيما يكشف عن حقيقة وجود ما يوصف بالتطرف العلمانى فى مواجهة التطرف الإسلامى – انتقدت خلال زيارتها لمنزل التلميذة منى بربش الراوى قيام والدها بالتنازل عن شكواه أمام المحامى العام وكأننا أمام جريمة لا تغتفر، بل وأعلنت رفضها التام لعملية التصالح مع المعلمة دون أن تضع فى اعتبارها إمكانية
أن يكون الحوار وسيلة لجذب هذه المعلمة إلى معسكرها وهدايتها من ضلالها باعتبار أن تغيير تفكير ونهج الخصم أفضل من دفعه للإصرار عليه، وبذلك بدت ملكية أكثر من الملك!
فى تقديرنا أن موقف التلاوى – وهو تقدير قد يشوبه الخطأ – لا يعكس خلافا مع المعلمة بقدر ما يعكس موقفا من الظاهرة الإسلامية بشكل عام فى المجتمع والتى ترى التلاوى أنها تتنامى فى المجتمع وترى فى هذا التنامى خطرا لا بد من مواجهته. غير أن الإمعان فى موقفها قد يخلق حالة تعاطف مع الظاهرة وليس نفورا ويكشف فى الوقت ذاته عن حجم التربص الذى يبدو من قبل البعض بهذه الظاهرة.
على جانب آخر.. راح تشومسكى يقلل فى محاضرة له بالقاهرة من حالة الفزع التى تنتاب من قرأ خبر التلاوى من خلال تقديم رؤية عاقلة لأداء تيار الإسلام السياسى عقب ثورات الربيع العربى فكان تأكيده على عدم وجود سبب منطقى للتخوف منه أو معارضته.. فى رسالة قد تكون غير مباشرة للتلاوى وغيرها بالابتعاد عن ظلم الظاهرة الإسلامية وإتاحة الفرصة لها لتقديم حكم عادل ومنصف بشأنها.
قد يكون كلام تشومسكى كاشفا عن حجم حالة الاستقطاب الحاصلة بين تيارين يتصارعان مستقبل مصر بعد ثورة يناير.. تيار علمانى يرى الأرض تميد من تحت أقدامه بحكم تغلغل نقيضه ما يجعل رموزه يتصرفون بانفعال لا يليق بحالة الهدوء التى يحاولون أن يبدون عليها، وتيار إسلامى يحيا تجربة جديدة تجعله أجواؤها يعيش حالة من الارتباك. غير أن الغريب أن منطق الحوار يغيب عن الطرف الذى من المفترض أن يتزعم أو يرفع لواء هذا المنطق وهو فى حالتنا التى نتناولها ميرفت التلاوي.. وهو ما يدعونا لتصور أن المعركة بين التيار الإسلامى ونظيره العلمانى قد تزداد حدة فى الفترة المقبلة.. الأمر الذى قد ينعكس بالسلب على مسيرتنا نحو الاستقرار ويعزز غياب مناخ عقلانى يغلب فيه الحوار الهادئ.. وهو مظهر لأزمة نتصور أنه من اللازم تجاوزها إذا كنا ننشد حقا مصلحة هذا الوطن.