ارفع رأسك فوق أنت قبطي

مصطفى عبدالرازق

الثلاثاء, 08 مارس 2011 17:42
بقلم :مصطفى عبد الرازق :

كانت أصداء الهتاف بهذا الشعار تتردد في سماء كورنيش النيل مساء الإثنين أمام مبنى التليفزيون المصري، على شاكلة نظيره .. ارفع رأسك فوق أنت مصري.. الذي كانت الجماهير المصرية بكل فئاتها تردده – وما زالت -  بعد انتصار الثورة. كان المشهد يعبر عن مفارقة بالغة الدلالة تكشف عن نقطة ضعف المصريين كما كشفت الثورة عن نقاط قوتهم.

بعد أن أيقنت أن طريق الكورنيش مقطوع بسبب مظاهرات الإخوة الأقباط احتجاجا على حادث كنيسة صول في أطفيح بحلوان كان لا بد من قطع الطريق سيرا على الأقدام للعبور إلى الجانب الآخر عند وزارة الخارجية. مع اقتراب الخطى من ماسبيرو كان المشهد بالغ التعبير عن حالة مختلفة تحياها مصر الثورة. عندما أمعنت النظر فيما أراه أمامي والشعارات التي تتلقفها أذني بدا لي أن هناك محاولة لاستنساخ ميدان تحرير آخر ولكن على أساس طائفي هذه المرة. مع تسارع الخطى نحو التجمع صادفني شباب استوقفوني، كما فعلوا مع آخرين، للتفتيش على غرار ما كان يحدث في ميدان التحرير خشية أن يندس مخرب أو إرهابي. رغبة في إضفاء المزيد من الطمأنة فتحت حقيبة أوراقي عن آخرها فكانت الإجابة بالغة التهذيب: لا.لا أنت تبدو رجلا محترما!

وجدت نفسي في القلب من الحشود المتظاهرة.. على غرار التحرير كذلك كان هناك مكبرات صوت تكاد تقترب من حجم تلك التي كانت

في الميدان..  تنازعتني مشاعر متباينة أن أشارك أخوة مظاهرات الثورة بالأمس قضيتهم الخاصة التي يتظاهرون من أجلها، أو أن أمسك بالميكروفون للتحذير مما قد يكون مخططا لتقويض الثورة! بين هذا الخاطر وذاك وجدت نفسي أقف دقائق وكأنها حداد لا أدرى على ماذا؟ مشاركة وجدانية أم نعى لمظهر للوحدة بدا بالغ الروعة على مدى أيام الثورة أخشى عليه أن ينقضى؟

خلال الدقائق المعدودة التي وقفتها كانت الشعارات زاعقة وتعبر عن حالة من الغليان فسرتها بأنها قد تكون طبيعية في ضوء أنها تأتي في زخم الثورة والمشاعر المتأججة التي أفرزتها على كافة المستويات، وفي ضوء كونها تعبر عن مشاعر دينية يرى المتظاهرون معها أنه لم يتم مراعاة حرمة مقدساتهم. طافت في ذهني عبارة أنه "في أيام الثورة كل شئ مباح حتى الشعارات التي قد لا تكون سليمة". ساءني كثيرا ما راح أحد المتظاهرين يردده في المطالبة ببناء الكنيسة : إما الكنيسة وإما لبنان.. في تلويح بحرب أهلية طائفية على غرار تلك التي شهدتها لبنان السبعينات. سألت نفسي : أي عاقل الذي الذي يلوح بهذا الخيار المر الذي اكتوى الجميع بناره في لبنان، المسيحي

قبل المسلم ؟ لم يكد هذا الشعار ينتهي حتى راح آخر ومن خلال الميكروفون ذاته يردد : مصر هاتبقى زي إيران! كانت المقارنة تبدو مثيرة للتساؤل والدهشة في آن، ولأنها كذلك فقد قطع المشهد هتاف آخر قوض الهتاف الأول وتجاوز أثاره : مصر مش هاتبقى زي إيران! تذكرت ما أشارت إليه حنة أرندت في كتابها "في الثورة" من أن الثورات تخرج أفضل ما في الشعوب وأسوأها أيضا!

قررت الرحيل وفي الاتجاه إلى منطقة كوبري أبو العلا كانت الأفواج تتوالى – على غرار أفواج الثورة – تحمل الأعلام ذاتها مع فارق وحيد يمكن أن يلمسه أي مشاهد .. هو سيادة المشهد الطائفي عليها! كانت الميكروباصات تحمل أفواجا من البشر يحملون الأعلام والصلبان يرافقهم الكثير من القساوسة. رحت أدعو في نفسي أن يحمي الله مصر من أي شرور يمكن أن تلحق بها وبأبنائها مسلميها وأقباطها. وسط حالة من الذهول تشبه الإغماءة وجدت نفسي أفيق على دمعة وقد سقطت من عيني، رحت في خجل أمسحها حتى لا يلحظها المارة. أخرجني من حالتي صوت سائق الميكروباص ينادي: مؤسسة. مؤسسة . رحت أبتسم في سخرية: هذا هو ما نريده دولة تقوم على حكم المؤسسة بعد أن عشنا 30 عاما في كنف حكم الفرد، فلم يترك لنا سوى نار الفتنة التي نأمل أن يجنبنا حكماء الأمة مسلمون ومسيحيون أن نكتوي بنارها. بعد أن ضاقت بنا الطرق بفعل الزحام الناجم عن المظاهرات، وحالة الاكتئاب التي أصابتني لم أكد أصل منزلي حتى كان الأمل يبعث من جديد .. فقد خرج شرف ليتجاوب مع مطالب المتظاهرين الأقباط وليطوي – ولو بشكل مؤقت – ملفا ينبغي أن يفتح بروح جديدة هي روح الثورة.