رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مستثمرو «أكتوبر» .. والرأسمالية «المتوحشة»

مصطفى عبدالرازق

الاثنين, 23 يناير 2012 09:57
بقلم: مصطفى عبد الرازق

كان المشهد ما بعد عصر الثلاثاء الماضي ، يبدو لي بالغ الدلالة في حجم ما يشير اليه من مفارقة.. ففي الوقت الذي كانت مصر بأكملها تئن تحت وطأة أزمة وقود حادة عبرت عنها المحطات الخاوية من البنزين والعملاء..  كان الاختناق المروري على محور 26 يوليو للقادم من اكتوبر يمتد لنحو 8 كيلو مترات هي تقريبا مسافة المحور الذي يمتد لنحو 10 كيلو مترات.

سألت نفسي وأنا السائر في الاتجاه المعاكس قادما من القاهرة: كم من ملايين الجنيهات تضيع بسبب هذا الزحام؟ وكم كمية الوقود التي تستهلكها العربات الواقفة لساعات طوال دون حراك وكان يمكن لها أن تساهم في حل أزمة البنزين التي نعانيها؟ كم عدد الساعات المهدرة على من بقوا محبوسين داخل صناديق مغلقة لا تتحرك ومنهم رئيس مجلس إدارة شركة مهمة ومدير مدرسة وطبيب في مستشفى ومحاسب في مصنع وطالب في جامعة.. إلخ!
تذكرت ما قرأته عن أن حجم الفاقد القومي بسبب الزحام المروري في دولة خليجية صغيرة  يتجاوز المليار دولار سنويا.. فهل تتجاوز خسارتنا في مصر هذا المبلغ أم تقترب منه؟ وإذا كان أليس من الممكن أن يغطي قدرا من حاجتنا التي نسعى لتسولها من الخارج؟ تذكرت ما أخبرني به ابني من أن بعض أصدقائه في المدرسة يصلون منازلهم في مناطق مختلفة بالقاهرة من أكتوبر الساعة السادسة مع العلم أن المدرسة تنتهي في الثالثة عصرا؟
تذكرت حيوية المطلب الذي أشار إليه الكاتب الكبير صلاح منتصر بضرورة تيسير استيراد

اختراع ياباني لمستخدمي طريق المحور ويتمثل في وجود حمام صغير بكل سيارة لمرضى السكر بشكل خاص .. حاولت تأمل وجوه السائقين في الجانب الآخر من الطريق متسائلاً كم واحداً منهم يعاني ويفكر في النزول والتنحي جانبا على الطريق لكي «يفك» نفسه في ضوء حقيقة أن نسبة كبيرة من السكان في مصر تعاني من السكر.
تذكرت فرحتى منذ أكثر من عشر سنوات حين شاهدت بعيني بدء العمل في طريق المحور باعتبار ذلك «فتح مبين» لمدينة اكتوبر .. الفرحة التي تحولت إلى غم بعد أن أصبحت سجين المدينة لا يمكنني الخروج منها بعد الثالثة عصرا إذا دخلت إليها.
تذكرت ما صرح به أحد الأشخاص في نقاش عام من انه «يخطط» لكي يزور أبناءه المقيمين في اكتوبر.. ولا يقدم على «التهور» سوى صباح الجمعة والعودة قبل الظهر. 
لفت نظري أن أكثر الحافلات التي تزحم الطريق تلك الخاصة بالجامعات الشهيرة في اكتوبر والمصانع التي تملأ الدنيا ضجيجا بإعلاناتها عن سلعها المختلفة الإنتاجية والاستهلاكية.. استعدت في ذهني  الحملة التي دشنها مستثمرو اكتوبر منذ شهرين تقريبا وتوحي لك وكأن حياتنا في مصر أصبحت تقوم على ما تنتجه المدينة لنا من الإبرة إلى الصاروخ! تساءلت أليس من الممكن والأولى أن يدشن هؤلاء حملة لإنهاء المأساة اليومية
التي يعيشها المواطنون على طريق المحور يوميا؟ ألم يخطر ببال هؤلاء – وهم بشر مثلنا مثلهم حيث لا يستخدمون الطائرات في تنقلاتهم الداخلية – أن يبادروا  لطرح يساهم في حل المشكلة؟
بعيدا عن المسئولية الاجتماعية للمستثمرين وهي واجبة، ألم يحاول هؤلاء أن يحصروا كم يخسرون يوميا من بنزين وقطع غيار سيارات وإنهاك في طاقات العمال والموظفين في رحلتي الذهاب والعودة يوميا؟ أم أن حجم المكاسب مهول الى الحد الذي يجعل هؤلاء لا يلقون بالاً لمثل هذه المشاكل «التافهة»؟ نعلم أن هناك نوعاً من الرأسمالية التي تصل في شراهتها إلى حد «التوحش» بما لا تهتم معه سوى بزيادة أصول أموالها ولكن هل وصلنا إلى هذه الحال؟
قد يتساءل البعض: أليست تلك مهمة الأجهزة الرسمية؟ تذكرت ما يتم ترديده كثيرا بأنه «في أوروبا والدول المتقدمة» يلعب رجال الأعمال والمستثمرون أدواراً بالغة الاهمية لصالح مجتمعهم سواء بمنطق «مصلحتهم» أو بمنطق التضامن الاجتماعي. تذكرت الدور الذي لعبه قطاع كبير من المستثمرين في عهد الرئيس المخلوع واعتبروا معه أن مصر «بقرة حلوب» وتساءلت ألم يأن الآوان لكي يتغير هذا المفهوم وهذا الدور؟
وإذا كان الشىء بالشىء يذكر.. فإن التساؤل الذي يفرض نفسه ألا يوجد مسئول يرى بأم عينيه تلك المأساة المتواصلة يومياً على طريق المحور؟ جاءني الرد بالنفي في ظل حقيقة أن «قادة»  التخطيط العمراني لمصر بأكملها قد انتقلوا الى المدينة بعد نقل مقرها إلى هناك. حاولت أن أنأى عن وضع نفسي مكان هؤلاء كمسئول عن الحل..  تذكرت العنوان الذي اختاره الراحل زكي نجيب محمود لكتاب له هو «مجتمع جديد أو الكارثة» ورحت أردد بيني وبين نفسي .. «محور جديد أو الكارثة».. فالواقع يؤكد حيوية الإسراع بإنشاء محور بديل أو الإسراع بخطط وصول مترو الأنفاق إلى مدينة اكتوبر.. وغير ذلك من رؤى وتصورات نسمع عنها ولا نراها وكأنها الغول أو الخل الوفي!!

-------

[email protected]