رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التقية في الدفاع عن رواية أولاد حارتنا (3 – 3 )

مصطفى عبدالرازق

الاثنين, 09 يناير 2012 07:21
بقلم: مصطفى عبد الرازق

نختتم هنا حديثنا عن فكرة تهافت العديد من أوجه الدفاع عن رواية أولاد حارتنا وانطلاقها من مبدأ التقية فنشير إلى أن هذا الأمر ينسحب كذلك على رؤية الدكتور سليم العوا التي حاول من خلالها تسويغ إعادة طبع الرواية في مصر

والتي قدمها فيما كتبه على الغلاف الأخير للرواية من أنه لا يمكن تأويلها على نحو يعكس ما يصفه بالصراع المفتعل بين العلم والدين والتي يراها مسألة أجنبية عن ثقافتنا العربية الإسلامية. ونقول إنه يكفي للرد على هذه الرؤية، والإشارة إلى أنها تقع في القلب من ثقافتنا العربية الإسلامية على نحو قد يفسر موقفاً محفوظاً ، ويمكننا من استيعابه، ما أورده عبد الله ابن المقفع في «كليلة ودمنه» على لسان بروزيه من أن العلم أوثق من الدين وأولى بالتفضيل، وهو الباب الذي يرى الكثيرون أن ابن المقفع قد وضعه من عنده ونسبه إلى بروزيه ذاك في محاولة للنأى عن ذات المصير الذي لاقاه محفوظ بسبب أولاد حارتنا!
ويعزز ذلك ما يؤكده البعض من أن الاختفاء خلف شخصية الراوي أو الناقل معروفة في سياقنا العربي والإسلامي لمحاولة تجنب سخط ورفض المجتمع لما قد يقدمه الكاتب أو المبدع من آراء تخالف ما هو سائد خاصة بشأن الدين. ويؤكد ذلك مثلا ما أشار إليه الفيلسوف ليو شتراوس من أن الفارابي ارتدى قناع المؤرخ ليتحصن به من الشبهات والمساءلات التي قد يجرها عليه إفصاحه المباشر عن آرائه وهكذا عرض الفارابي لأفلاطون على نحو ينم عن إيمانه بآراء افلاطون وإن لم يعلن عن ذلك صراحة.
ورغم بعد الزمن إلا أننا يمكن ان نلمس ذلك في زمننا القريب حيث لجأ إليه فرح أنطون فيما يشبه الرواية – رغم عدم إجادته لهذا الفن – في كتابه «الدين والعلم والمال» والذي حاول من خلاله تقديم رؤية مفادها ضرورة الاحتكام إلى العلم وليس الى الدين في سعينا إلى النهضة، وهو ذات الرأى والذي قدمه بشكل واضح لا لبس فيه المفكر التونسي هشام جعيط حين راح يؤكد أن الأديان لا تتماشي مع التقدم العلمي.
ولعل في التعاطي مع الرواية على النحو الذي نشير إليه، بعيدا عن موقف التقية، ما قد يمثل مصدر قوة للدين وليس نيلا منه، ونؤمن في ذلك بما ذهب إليه أوجست كونت من أن العقائد لا تموت بمجرد شن هجوم عليها وإنما تموت العقائد عندما تبرهن عدم صلاحيتها.. والإسلام، حسبما يشير المفكر المغربي عابد الجابري،في حديثه في سياق مماثل لما نتناوله لم يمت كعقيدة وشريعة، لأنه برهن خلال تاريخه المديد عن قدرته على التفتح والتعامل مع الأفكار الجديدة حتى ولو كانت أجنبية عنه.
ولسنا في حاجة هنا إلى استعراض ما شهده التاريخ الإسلامي من مواقف شاردة تتجاوز بمراحل ما ذهب إليه محفوظ أو غيره من معاصرينا من رؤى رمزية ترصد تحولات على أرض الواقع، وصلت إلى حد الإلحاد الصريح رصد لنا تاريخه الراحل عبد الرحمن بدوي على نحو يجعلنا

نقول لقد رحل هؤلاء دون أن ينالوا من الإسلام ولو شعرة. إن الإلحاد الصريح لابن الرواندي أو بشار ابن برد أو جابر بن حيان أو أبو بكر الرازي لم ينل من الإسلام شيئا وما زلنا بعد قرون نعيش إسلامنا طازجا كما جاء به النبي لم يؤثر عليه نكران الناكرين أو جحود الجاحدين.
وخلاصة ما نود الإشارة إليه التأكيد على ما ذهب إليه الدكتور أحمد كمال أبو المجد في معرض شهادته من خطأ أن نقرأ الرواية على أنها كتاب، إننا نعيش لحظة قلقة في الفصل الأخير على النحو الذي من الصعب الحسم فيه بشيء، وهو ما يعكس موهبة محفوظ كما ذكرنا سابقاً. وإن كان المؤلف في معرض تفسيره أشار إلى أنه إنما أراد أن يؤكد على التبشير بضرورة التحام العلم بالدين، فإذا كان الدين أنقذ البشرية من المظالم، فإن العلم قادر على أن يرتقي بها بشرط ألا يحيد عن مبادئ الدين. وهي رؤية بغض النظر عن الاختلاف حول تفسير مقصد صاحبها، إلا أنه اختلاف ينبغي ألا يتجاوز حدود الفكر.
ما نخلص إليه في النهاية أن الرواية حتى وإن أسىء تفسيرها، وهو أمر يبقى محل أخذ وعطاء، لم يساء توصيفها من قبل من أكدوا أن شخصياتها مستمدة من قصص الأنبياء، وأنه على هذه الخلفية ينبغي بذل الجهد لجهة توسيع نطاق التسامح وأفق النظرة الدينية لدينا كمسلمين، وليس على خلفية الإنكار التام، فذلك مما قد يورد الشكوك لدى الأشخاص العاديين.
يبقى الإشارة إلى أن النقاش وغيره ، ربما انطلقوا في موقفهم المدافع عن الرواية على طول الخط من خوف على محفوظ، فكان التصور أن الإقرار بطابع الرواية على حقيقة الفهم الذي ساد لها، قد يزيد من مساحة الخطر على حياته في مجتمع تنامت فيه فئة تؤمن بأن الفكر لا يحارب بالفكر وإنما بالسلاح، وهو مبرر حال صحته لا يبرر تقديم شهادة للتاريخ على هذا النحو بشأن رواية هزت حياتنا الثقافية.

com»[email protected]